يُعتبر دور المعارضة وفاعليتها في الحياة السّياسية: ضرورةٌ وطنية، في إطار التّدافع والتنافس، الذي يُفضي إلى تحقيق الرّقابة الشّعبية والسياسية، لمنع الفساد وتحقيق التنمية، كما قال سبحانه وتعالى: ولولا دفاع الله النّاس بعضهم ببعضٍ لفسدت الأرض“.

كما أنّ النّضال من أجلها أخذَ مسارًا طويلا من أجل الاعتراف الدستوري والإقرار ببعض حقوقها مؤسّسيًّا، كما هو منصوصٌ عليه في مستجدّات الدستور الأخير (فيفري 2016م)، في المادة: 114 منه. وهي خطوة متقدّمة – ولو نظريًّا ورمزيًّا – في هذا المسار، من أجل إحداث التوازن والتكامل بين السّلطة والمعارضة، ومن أجل الانسجام مع “نظرية الإصلاح والتغيير” التي نؤمن بها، وهي الإصلاح السياسي السّلمي والديمقراطي والمؤسساتي، انطلاقا من مؤسسات المجتمع المدني إلى دور المؤسسات الحزبية إلى المؤسسات الرّسمية للدولة.

وتُعتبر مأسسة المعارضة البرلمانية وتمكينها من بعض آليات مقاومتها السياسية خطوةٌ إيجابيةٌ للحدّ من طغيان “الأغلبية”، وهيمنتها على المؤسسة التشريعية، عن طريق الدور التشريعي (اقتراح القوانين ومناقشتها وتعديلها)، والدور الرّقابي (الأسئلة، لجان التحقيق، لجان الاستعلام، جلسات شهرية، فتح نقاش عام، استجواب الحكومة، جلسات الاستماع للوزراء..)، والدور التمثيلي في هياكل البرلمان، والدور في الديبلوماسية البرلمانية،  والدور في إخطار المجلس الدستوري على المعاهدات والقوانين والتنظيمات، والدور الإعلامي والسياسي..

وبعيدا عن القراءات التفكيكية والتحليلية للأدوار المجرّدة للمعارضة، ومدى تطابق الإمكانات مع الصلاحيات، ونسبة التقاطع بين مركزها الدستوري ودورها الواقعي، فإنّ الاعتراف الدستوري بالوجود المؤسساتي للمعارضة لا يكفي لأداء هذه الأدوار، وفق ما تشير إليه الإرادة المعلنة للمشرّع، في الكتلة النّصية الجديدة.

*) عقباتٌ في طريق المعارضة – عموما – والمعارضة البرلمانية – خصوصا: مما يُخلّ بكون المعارضة طرفٌ أساسي في معادلة النظام الديمقراطي الحقيقي.

1_ تلوّث البيئة السّياسية والانتخابية: بما لا يضمن تكافؤ الفرص وسلامة المنافسة ونزاهة الانتخابات، وهو ما يُضعف تمثيل المعارضة، ويؤثّر على قوّتها وامتدادها الشّعبي.

2_ عدم استقلالية القضاء، وحياد الإدارة، والفصل بين السّلطات، مما يؤثّر سلبًا على ضمان الحقوق والتمتّع بها، ومنها: ضمان حقوق المعارضة البرلمانية، وتبقى الحقوق المكتسبة نظريّةٌ أكثر منها عملية، وأنّ جزأً منها: حقوقٌ والتزاماتٌ طبيعية لأيّ كتلةٍ برلمانية، وفق التمثيل النّسبي.

3_ تغوّل الأغلبية المفبركة، والتفافها على جوهر الإصلاحات والحقوق، إذ يتمّ تحزيب وتفريغ هذه الحقوق الدستورية من محتواها في القوانين والمراسيم التنفيذية والنصوص التطبيقية، كما أثبتت التجارب في العديد من الإصلاحات.

4_ الاعتراف المجزّأ بحقوق المعارضة، إذ يُراد اختزالها في المعارضة البرلمانية تحت قبة البرلمان، وكأنه لا اعتراف بالدور الوطني للمعارضة السياسية خارجه، وهو ما نلاحظه من خطاب الشيطنة والتخوين لها، وهو ما يسمّم الحياة السّياسية، ويُضعف أداء السّلطة والمعارضة معًا.

5_ عمومية بعض حقوق المعارضة البرلمانية المنصوص عليها في الدستور، وعدم الإشارة إلى الوسائل التي تمكّنها من ذلك، والآليات التي تضمنها، بعيدا عن التعسّف، وحتى لا تبقى مجردَ شعاراتٍ ورغبات، مثل:

– المشاركة الفعلية في الأشغال التشريعية: دون تحديد ما هي هذه الأشغال؟ ونسبة الأحقيّة والإلزامية فيها.

– المشاركة الفعلية في مراقبة عمل الحكومة: ولم ينصّ مثلاً على تحديد بعض أدوات الرّقابة مثل: اللجان التي ترأسها المعارضة كلجنة المالية والميزانية، إذ لا يمكن أن تراقب الموالاة نفسَها على المال العام.

– التمثيل المناسب في هياكل البرلمان: ورأينا كيف تمّ التعسّف في فهم هذا التمثيل، وإقصاء بعض قوى المعارضة البرلمانية الأخرى منه.

6_ لا نملك – لحدّ الآن – تعريفا علميًّا وسياسيًّا معترفا به، في تصنيف الأحزاب والكتل البرلمانية، ومعرفة هندسة الهيكل المكوّن للمعارضة، حتى تستفيد من حقوقها الدستورية، فنجد أحزابًا غير مشاركةٍ  في الحكومة وتدّعي أنّها من الموالاة، أو أنّها لا من الموالاة ولا من المعارضة، كما نجد أحزابًا من الموالاة، ومع ذلك يتمّ إقصاؤها من بعض حقوقها التمثيلية في هياكل البرلمان.

*) آلياتُ تفعيل المعارضة البرلمانية

 تُعتبر قيمة “البرلمان” من “قيمة” الشّعب في حدِّ ذاته، والمترجِم الحقيقي لسيادته، وذلك في الأنظمة المسؤولة التي تحترم إرادته، على اعتبار أنّ “الشّعب” هو مصدر السّلطة، وأنّ السّيادة الوطنية والسّلطة التأسيسة مِلكٌ له وحده، وهو يمارسها عن طريق المؤسسات الدّستورية التي يختارها، عن طريق ممثليه المُنْتَخبين، كما ينصّ على ذلك الدستور في مادتيه: 07، 08.

وهو ما يدفعنا للتأكيد على حتمية الارتقاء بدوره السّيادي، ضمن مركزه الدستوري، والبحث عن آليات تفعيله، ومنها آلياتُ تفعيل المعارضة البرلمانية، كإحدى المكوّنات الأساسية في البناء المؤسّساتي له، ومنها:

1/ تفعيل دور البرلمان نفسه: والانسجام مع المعايير الدولية للتطوير البرلماني، من خلال احترام سيادته واستقلاليته في التشريع والرّقابة على عمل الحكومة، ودوره في الحياة السّياسية، واهتمامه بالشّأن العام.

فالدستور ينصّ في المادة: 112 بأنّ البرلمان له السّيادة في إعداد القانون والتصويت عليه.

ولكنّ الواقع يثبت أنّ مصدرية مشاريع القوانين تأتي كلّها باقتراحٍ من الحكومة، وأنّ المبادرات التشريعية للنواب (20 نائبا) تُقابل بالرفض من مكتب المجلس أو باعتراضٍ من الحكومة، صاحبة الفيتو في فرض الأولوية في جدول أعمال البرلمان، وخاصة المنع الدستوري في المادة: 139، إذ تنصّ على أنّه: “لا يُقبل اقتراحُ أيّ قانونٍ، مضمونه أو نتيجته تخفيض الموارد العمومية أو زيادة النفقات العمومية إلا إذا كان مرفوقا بتدابير تستهدف الزيادة في إيرادات الدولة..”.

وكذلك اغتيال الأدوات الرّقابية الأخرى، مثل: لجان التحقيق أو استجواب الحكومة أو التفاعل الآني مع الأسئلة الموجّهة إلى أعضاء الحكومة، وناهيك عن تفعيل ملتمس الرّقابة..

وهو ما يطعن في البناء المؤسساتي للبلاد، ويرهن تطوّر الدور البرلماني وقيمته الاعتبارية، ويمسّ بمبدأ الفصل والتوازن بين السّلطات، ويفقده الحقّ في ممارسته “للسّلطة” على الحكومة، حتى لا يصبح مجرد فضاءٍ للتسجيل، لا مصدرًا للممارسة والمبادرة التمثيلية والتشريعية والرّقابية.

2/ ضرورة التركيز على التأهيل المستمر للنواب، لتخريج نخبةٍ برلمانيةٍ قادرةٍ على التأثير والممارسة الفعلية لأدوارها بكلّ كفاءةٍ وحرّية وسيادة، سواءٌ من طرف البرلمان أو الأحزاب السياسية، مع الحسم في الخطّ السياسي للمعارضة، وضريبته، وما يتطلّبه من الانسجام بين المبدأ والممارسة.

3/ أيجادُ فضاءٍ أو إطارٍ مرنٍ للعمل التشاركي والتنسيقي بين الكتل البرلمانية المعارضة، بما يضمن الفاعلية والقوّة، مع تفهّم حرّية الاختلاف وسيادة كلّ حزبٍ على كتلته البرلمانية، وفق مقاربته السّياسية، وخلفيته الإيديولوجية..

4/ استغلالُ وتفعيلُ كلِّ الصّلاحيات الحقيقية للبرلمان – عمومًا – وللمعارضة البرلمانية – خصوصًا، بما يضمنه الدستور من “العهدة الوطنية” و”التفرغ الكلّي” لها، والتمتّع بالحصانة البرلمانية، وشرعية تمثيل الشّعب، وفرصة التعاطي اليومي مع الإعلام ومستجدات السّاحة السياسية الوطنية والدولية..

5/ إيجاد فضاءاتٍ وأدواتٍ للمرافقة والمتابعة والمحاسبة الحزبية والمجتمعية لأداءات النواب، وخاصة نواب المعارضة، الذين يحوزون على شرف التمثيل الديمقراطي الحقيقي للشّعب، من أجل التطوير والتجويد والتثمين، وليس الصّراع والتكسير.

بقلم: أ. ناصر حمدادوش

رئيس الكتلة البرلمانية لحركة مجتمع السّلم

تعليق