من برنامج الحكومة إلى قانون النقد والقرض: البديل (4)

عن محاربة الفساد

بين برنامج حركة مجتمع السلم بأن من المصادر التي ترفع القدرات التمويلية للدولة محاربة الفساد بلا هوادة على مختلف المستويات مع التركيز على محاربة الفساد الكبير المهدر للثروة الوطنية المتعلق بالطاقة والمناجم والمنشآت والصفقات الدولية والخوصصة، ثم الفساد المتوسط المرتبط بالإدارات الضريبية والجمركية، ثم الحد من الفساد الصغير المرتبط بمختلف الوظائف الصغيرة والرشاوي والعمولات في المستويات المحلية.

لا يخفى على أحد أن حجم الفساد في الجزائر بلغ حدا أضر بالاقتصاد الوطني ضررا كبيرا، وتحول إلى عائق أساسي لتحقيق أي تطور في البلد مهما كانت البرامج والسياسات التي تطبقها الحكومة. لقد أصبح الفساد حاكما على مصير الاقتصاد الوطني، وللأسف الشديد تدل الفضائح التي تناولتها وسائل الإعلام والتي يعرفها المهتمون بالشأن السياسي والاقتصادي أن المتورطين في الفساد هم مسؤولون كبار في الدولة وأن رعاية هذه الظاهرة الخطيرة على الوطن ومصيره يتم رعايتها من داخل الدولة ذاتها.

ورغم التشريعات والآليات التي اعتمدتها الحكومة لمكافحة الفساد، ومنها القانون الأخير 06/01 المتعلق بالوقاية من الفساد ومكافحته الذي صدر في فبراير 2006 لا تزال الجزائر في المراتب غير المرشفة في مؤشر مدركات الفساد الذي تصدره سنويا منظمة الشفافية الدولية حيث رتبت الجزائر في آخر تقرير لها الخاص بسنة 2016 في المرتبة 108 من مجموع 176 بتراجع 20 مرتبة على سنة 2015. وفي التقرير الذي أصدره البنك الإفريقي للتنمية بخصوص حالة واحدة من حالات الفساد الكبرى وهي تهريب الأموال للخارج بطرق غير شرعية تبين أن حجم هذه الأموال وصل في الجزائر خلال ثلاثين سنة إلى غاية 2009 ما يعادل  173.11 مليار دولار، ويمثل هذا النزيف المالي الناتج المحلي للبلاد خلال عام 2012  بالقيمة الجارية للدولار للسنة التي صدر فيها التقرير بمناسبة الاجتماع السنوي 48 للبنك في ماي 2013.  ورغم هذا الترتيب المخزي وهذه الأرقام الكبرى يكون حجم الفساد أكثر من هذا بكثير  إذ لا يخفى على أحد بأن الرشوة أصبحت آلية معممة للتسيير الإداري والاقتصادي في كل مستويات الدولة ومناحي المجتمع كما أن الفساد الكبير والمحسوبية والجهوية واستغلال السلطة هي الأسس التي تقوم عليها المؤسسات في كل مجال.

ومن دلائل انتشار الفساد تعدد أنواعه وتحوله إلى ظاهرة لا تتوقف عن التجلي بأشكال كثيرة، فمنه الفساد الكبير والفساد الصغير وفق تصنيف البنك الدولي، والفساد الكبير هو الأفدح والأخطر والأكثر تهديدا للبلاد ومن أشكال الفساد الكبير ما تعلق بالصفقات الدولية والخوصصة والعقود التي تتعلق بالقطاعات الحيوية والمنشآت الكبرى كقطاع الطاقة، والبنوك والطريق السريع والسكك الحديدية والبناء والتعمير والقروض الكبرى وغير ذلك، أما الفساد الصغير فإن خطورته تتمثل في انتشاره أكثر بكثير من الفساد الكبير ووسائله هي نفس وسائل الفساد الكبير في كثير من الحالات ومن ذلك: الرشوة، الاختلاس، استغلال النفوذ، الابتزاز، هدر المال العام، توظيف الأموال العامة للمصلحة الشخصية أو السياسية، التهرب من الضريبة والمساعدة على ذلك، الوساطة غير القانونية وغير الأخلاقية، تسريب المعلومات للمقاولين وأصحاب المصالح وأخذ نسب على العقود والمناقصات، تفضيل ذوي الصلات، مزاجية المسؤول خارج القانون وروح الانتقام والكراهية والتعصب، التخريب والإهمال وعدم المسؤولية وغير ذلك.

وآثار الفساد على الاقتصاد الوطني واستقرار البلد أكثر بكثير من الإرهاب، حيث يمكن لرجل فاسد نافذ واحد أن يلحق ضررا بالبلاد أكثر من مئات الإرهابيين. ومن تلك الآثار السيئة ما يلي:

ـ حرمان الدولة والمجتمع من الاستفادة من جزء كبير من القيم المضافة التي تصنع الثروة الوطنية باعتبار أن الناتج الإجمالي الخام هو مجموع القيم المضافة للمؤسسات التي تمثلها الضرائب ومختلف الحقوق المالية ، فإذا تحولت هذه الاستحقاقات إلى جيوب المسؤولين في مختلف المستويات بدل خزينة الدولة يضعف الاقتصاد وتضيع معنى المواطنة وتنهار القيم المجتمعية.

ـ تقليص القدرات التمويلية الناتجة عن عوائد الاستثمارات بما يقطع الدائرة الاقتصادية ويبدد مجهودات التنمية.

ـ زيادة كلفة الإنتاج وارتفاع سعر المنتج مما يجعل المؤسسات غير قادرة على المنافسة المحلية والدولية

ـ التأثير السلبي على التحويلات الاجتماعية في إطار محاربة الفقر حينما تصبح الموارد الطاقوية غير متوفرة مما يقلص حجم الاستهلاك فيؤثر ذلك سلبا على الإنتاج.

ـ تفضيل المسؤولين المشاريع ذات الإنفاق الكبير التي تتيح فرصا أكبر للفساد على حساب المشاريع المحلية التي تتعلق بالتنمية البشرية كالتعليم والرعاية الصحية التي توفر هوامش قليلة للانتفاع الشخصي. والمثال الذي أثار نقاشا كبيرا هو توجيه أموال ضخمة للطريق السيار شرق غرب كان يمكن جلبها بسهولة عن طريق BOT وتخصيص الأموال التي أنفقت لتطوير ظروف وكفاءة عمال قطاع التربية مثلا، أو تطوير المنظومة الصحية، وقد بينت الأيام صحة هذا الرأي من خلال حجم الفساد الذي رافق هذا المنشأ الضخم ورداءة وطول وكلفة الإنجاز التي تجاوزت المعايير الدولية.

ـ رداءة الإنجاز بسبب منح المشاريع بالرشوة والتساهل في مراقبتها وشروط إنجازها وأخذ مستحقاتها عن طريق الفساد.

ـ استحالة المنافسة النزيهة مما يكرس الرداءة وعدم بروز مؤسسات تعتمد على الجودة والإبداع في منافسة غيرها.

ـ التبذير الشديد والزيادة الإجرامية في كلفة المشاريع مما يقوض القدرات التمويلية للبلاد.

ـ ارتفاع حجم البطالة وتحول عدد السكان من ثروة وطنية إلى عبء على الاقتصاد .

ـ زعزعة أسس الاقتصاد الحر وبروز امبراطوريات مالية مسيطرة على السوق بالفساد والمحاباة بعيدا عن الجودة وتقديم أفضل العروض، إذ يصبح تأمين الموارد التمويلية لا علاقة له بالدورة الاقتصادية.

ـ تدني الخدمات وارتفاع سعر أعبائها وانتشار الندرة بسبب عدم قدرة الشركات الفاسدة القليلة على ضمان الوفرة.

ـ إفساد بيئة الأعمال واستحالة الوصول إلى عدد المؤسسات الاقتصادية في الصناعة والفلاحة والخدمات ( مليونان) التي تحقق التحرر من التبعية للمحروقات.

ـ انهيار القطاع العام الضامن لجزء معتبر من مناصب الشغل وتوفير الخدمات الأساسية للمواطنين بسبب ابتلاعه من القطاع الخاص المافيوي.

ـ انتشار البطالة بسبب عدم توفر المؤسسات الاقتصادية الكافية المنشئة لمناصب الشغل، وانتشار الفقر والعوز.

ـ شلل الموارد البشرية النزيهة ذات الكفاءة أو هجرتها خارج الوطن وعدم الاستفادة منها.

ـ هجرة المستثمرين المحليين النزهاء والأكفاء الذين لا يقبلون أو لم يستطيعوا المنافسة في بيئة الفساد.

ـ حرمان البلد من الموارد التمويلية للمستثمرين الأجانب بسبب عدم وضوح قواعد الاستثمار والمنافسة وزيادة الكلفة بسبب الفساد.

ـ انهيار هيبة الدولة وعدم ثقة المستثمرين الحكام وفي القوانين والتشريعات التي تصبح شكلية لا علاقة لها بالواقع.

ـ فساد منظومة الحكم في آخر المطاف من خلال سيطرة رجال الأعمال على القرار والمجالس المنتخبة ثم كل مؤسسات الدولة، على المستوى المركزي بالنسبة لرجال الأموال الكبار، وعلى المستوى المحلي بالنسبة لرجال الأعمال الصغار والمتوسطين.

ـ استحالة التصحيح عن طريق الانتخابات والعمل الديمقراطي بسبب فساد العملية السياسية وغياب مفهوم وثقافة الدولة مما يتسبب في اضطرابات سياسية كبرى.

ـ انعدام العدالة والمساواة بين المواطنين وانتشار الفقر والاحتقان الاجتماعي وانهيار القيم وانتشار الأنانية وحب الانتقام مما يتسبب في توترات اجتماعية كبرى.

ولعلاج هذه الظاهرة الخطيرة التي تتسبب في تدمير الاقتصاد والمجتمع وتضييع قدرات تمويلية ضخمة يجب تحديد الأسباب الرئيسية للفساد التي نجملها في ثلاثة أسباب كبرى يمكن تفصيلها إلى فروع كثيرة جدا وهي:

ـ إنهيار القيم على مستوى الفرد والمجتمع.

ـ غياب الديمقراطية والشفافية وإمكانية الرقابة على الشأن العام.

ـ غياب أو عدم تطبيق التشريعات وعدم تفعيل الآليات المؤسسية للوقاية والحد من الفساد.

إن كل ما يمكن أن يقترح من الحلول يدور حول هذه المحاور بشكل غير قابل للتجزئة.

1 ـ بالنسبة للقيم فهي التي تجعل المسؤول في أي مستوى من المستويات يحافظ على المال العام ومصالح الدولة والمجتمع من تلقاء نفسه برقابة ذاتية مبعثها خوف الله والضمير الفردي والجمعي، وفي هذا الإطار يجب الاعتماد على ما يوفره منهجنا التربوي الإسلامي الذي يروم بناء الإنسان الصالح الذي يخشى الله ويراقبه في السر والعلن ويبعض الفساد لإيمانه بالله وكتابه العزيز الذي قال: ((وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا))  [الأعراف: 56], وقال سبحانه: ((وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ)) [البقرة: 205], وقال: ((وَاللَّـهُ لَا يُـحِبُّ المُفْسِدِينَ)) [المائدة: 64], وقال: ((إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ)) [القصص: 77]. الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ . فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ)) [الفجر: 11، 12] وقال: ((وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ)) [البقرة: 30]. وقال: ((مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا)) [المائدة: 32].وقال على لسان شعيب شعيب عليه السلام لقومه: ((وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ)) [هود: 85] وقال: (( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ . وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ . وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ)) [البقرة: 204-206]. وقد بين الطاهر بن عاشور في تفسيره التحرير والتنوير أن الفساد هو (( الفساد أصله استحالة منفعة الشيء النافع إلى مضرة به أو بغيره، وقد يطلق على وجود الشيء مشتملا على مضرة وإن لم يكن فيه نفع من قبل)). وكره الفساد والاتفاق على كونه منكرا هو اتفاق بشري عالمي وخلافه الصلاح الذي يتشرف بالاتصاف به كل إنسان وهو من مكارم الأخلاق التي جاء رسول الله صلى عليه عليه وسلم ليتممها وفقا لقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح : (( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)) وعلى هذا الأساس نجد أن كل الشرائع تجرم الفساد وقد يقبل في السياسيين عند الشعوب غير المسلمة كثير من أنواع الفساد التي تجرمها الشريعة الإسلامية ولكن لا يقبل منهم الفساد الذي نحن بصدده.

2 ـ أما بالنسبة للديمقراطية والشفافية والرقابة على الشأن العام، فالذي يجدر ذكره أن الفساد ظاهرة بشرية وهو موجود في البلاد الديمقراطية وغير الديمقراطية، بل إن أكبر من يفسد الحكام والموظفين الكبار في الدول المتخلفة هي الشركات العابرة للقارات التي تسندها حكوماتها لأخذ المشاريع في بلداننا بواسطة الفساد. غير أن هامش الفساد في الدول الديمقراطية أقل بكثير منه في الدول غير الديمقراطية بسبب أن التدافع الذي تنضمه القوانين وتحميه المؤسسات التي لا تحابي أحدا يحد من انتشاره. والغريب في الأمر أن هؤلاء يطبقون بالتزامهم التدافع المانع للفساد  آية قرآنية لا نطبقها نحن للأسف الشديد وهي قوله تعالى: (( ولو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض)).

3 ـ وبخصوص الآليات والتشريعات والمؤسسات المتخصصة في محاربة الفساد فهي لا تقل أهمية عن موضوع القيم والديمقراطية، فالقيم مهما بذل المجهود لنشرها يبقى حيز تأثيرها في الناس غير كاف لمنع الفساد، وكذلك الديمقراطية إن لم تتسلح بالتشريعات والمؤسسات والآليات للحد من الفساد لن تستطيع حصاره. وفي هذه المجال سبق لي أن كتبت كتابا خاصا ذكرت فيه عشر آلية من آليات محاربة الفساد يمكن الرجوع إليها أكتفي بعناوينها وهي:  الرقابة الذاتية، الفصل بين السلطات، إعلان الحقوق، سيادة القانون، التعددية الحزبية والتداول على السلطة، استقلالية ونزاهة وفاعلية وسائل الإعلام، الإجراءات القانونية، الوسيط، الرقابة البرلمانية، لجان التحقيق. علاوة على الدور الخارجية التي يمكن أن تقوم به المنظمات الدولية كمؤسسات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية مع تسجيل التحفظ على قلة مصداقيتها بسبب تحيزها وخدمتها لمصالح القوى العظمى في كثير من الأحيان.

… يتبع …

ــــــــــــــــ

المقالات الموالية:

المقال 13 : عن التحويلات الاجتماعية ومنظومات قياس الفقر ( البديل 5).

المقال 14: عن البديل الطاقوي وتجريم استغلال الغاز الصخري ( البديل 6).

المقال 15: عن دور التضامني الفعال والمتج للثروة للزكاة والأوقاف (البديل 7).

المقال 16: عن كنز الصيرفة الإسلامية ( البديل 8).

ــــــــــــــــ

المقالات السابقة:
المقال (5): ردود على ردود.

تعليق