اعترافُ الحكومةِ بأنّ الأزمةَ المالية للبلاد خطيرةٌ ومتوتّرةٌ، وأنّها أكثر تعقيدًا، وأننا أمام صعوباتٍ حقيقية، هو اعترافٌ جزئيٌّ ومتأخّرٌ بها، دون الاعتراف بأسبابها، فهي متعدّدةُ الأبعاد، وهي أزمةٌ سياسيةٌ قبل أن تكون اقتصاديةً أو اجتماعية أو مالية أو نقدية.

لكنّ الملفت في “رحلة بحث الحكومة” عن تنويع مصادر تمويل الخزينة العمومية، هو ما ورد في مخطط عمل الحكومة في ص: 16، وما صرّح به “الوزير الأول: أحمد أو يحي” يوم الخميس: 21 سبتمبر 2017م في ردّه على مداخلات النواب ورؤساء الكتل البرلمانية باللّجوء إلى الصيرفة والخدمات المالية الإسلامية، في بنكيْن عموميْين قبل نهاية السّنة الحالية 2017م، و: 4 بنوك أخرى في: 2018م.

إلاّ أنّ عدم تأطير هذه المعاملات المالية الإسلامية في مشروع تعديل قانون النّقد والقرض، المعروض على المجلس الشعبي الوطني للمناقشة والمصادقة في الفترة بين: 05 و 08 أكتوبر 2017م، أثار شُكوكًا وغموضًا حول مدى توفّر الإرادة السّياسية الحقيقية للذّهاب إلى الصّيرفة الإسلامية.

فبالرّغم ممّا شهدته هذه الصّناعة المالية من تطوّراتٍ نوعية وكمّية، وطفراتٍ استثنائية في النّمو على المستوى العالمي، من حيث حجم الأصول، التي تقدّر بـ: 3.4 تريليون دولار خلال سنة: 2016م، ويُتوقّع أن تصل إلى: 6.4 تريليون دولار خلال سنة: 2020م، أو من حيث الانتشار الجغرافي، إذ تتجاوز الـ: 1000 مؤسسة مالية، في أكثر من: 90 دولة في العالَم، أو من حيث تطوّر التشريعات والقوانين، منذ أكثر من: 40 سنة.

وبالرّغم من السّبق الجزائري في أوّل تجربةٍ لها منذ سنة: 1991م، إلاّ أنّ السّلطات المالية والنقدية في الجزائر غافلةٌ عنها، ولا تعترف بأهميتها، ولا تزال تمانع في إيجاد الإطار القانوني والتشريعي (مصرفيًّا وتجاريًّا وجبائيًّا) لتطويرها، وهي لا تزال خاضعةٌ لنفس الأطر القانونية للنشاطات المالية التقليدية، بالرّغم من الإصلاح النّقدي سنة: 1991م بفتح المجال للبنوك التجارية والخاصّة.

وقد عرفت الجزائر عدة مؤسسات مالية إسلامية، وهي: بنك البركة الذي تأسّس سنة: 1991م، وشركة سلامة للتأمينات سنة: 2006م، وبنك السّلام سنة: 2008م، ونافذة في بنك الخليج سنة: 2009م.

وهي مؤسساتٌ متواضعة من حيث حجم الأصول من إجمالي النّشاط المصرفي إيداعًا وتمويلا، والتي لا تتجاوز: 02%، وهي لا تمثّل إلا: 15% فقط من مجموع المصارف الخاصة، مع محدودية انتشارها جغرافيًّا.

ولعلّ من أسبابِ المسيرة العمياء للسّلطة اتجاهها، وما أدّى إلى تعطيل تطوّرها هي: فقدانُ جزءٍ من السّيادة على القرار السياسي والاقتصادي للبلاد، والعقلية الإيديولوجية الضيّقة، وكأنّ “المصارف الإسلامية” محسوبةٌ على التّيار الإسلامي دون غيره.

وهو ما جعل الجزائر الاستثناء الأخير مغاربيًّا، والثالثة ما قبل الأخيرة عربيًّا، والمرتبة: 32 من أصل: 53 إفريقيًّا.

ومع أنّ قانون النّقد والقرض الجزائري يتمتّع بالطابعِ الشمولي، بحيث لا يميّز بين المصارف، سواءٌ كانت متخصّصة أو استثمارية أو مصارف أعمال، وهو لا يمنع إنشاء المصارف الإسلامية، إلاّ أنّه لا يمنحها الآليات القانونية، التي تمكّنها من أداء مهمّتها بكفاءةٍ عالية.

فهي لا تزال تعمل في بيئةٍ ربوية، وتخضع إلى نفس الشروط والقوانين المنظّمة للبنوك التقليدية، ولا تستفيد من خدمات البنك المركزي في تعامله التمييزي مع البنوك الأخرى، خاصة فيما يتعلّق بإعادة التمويل.

ومع أنّ الجزائر لا تزال تستنسخ النّظام المصرفي الفرنسي منذ الاستقلال سنة: 1962م، إلا أنّها لا تلتفت إلى استنساخ تجربتها في تبنّي “المصارف الإسلامية” منذ: 2010م، على خلفية الأزمة المالية العالمية لسنة: 2007م، بالرّغم من تقديسها لطابعها العلماني، ورفضها للبُعد الدّيني فيما يتعلّق بالسّياسة والاقتصاد.

وإذا كانت الرّأسمالية قد انطلقت في أدبياتها اتجاه “البنوك” على أنّها “تاجرُ قروض”، وأنّ عوائد العملية الإنتاجية هو: “الفائدة” على رأس المال، وأنّ البنوك التقليدية تعتبر المال سلعةً تُباع وتُشترى، بالتركيز على نسبة الفائدة، بغضّ النّظر عن التنمية وعوائد النّشاط الاقتصادي، فإنّ البنوك الإسلامية لها أبعادٌ مقاصدية، تنطلق من خلفيةٍ عقائدية، تعكس علاقة الإنسان بالله والكون والحياة، وأنّ المال ليس ملكيةٌ مطلقة، بل هو مسؤوليةٌ يستهدف عمارة الأرض، بالتداول والسّعي وإثبات الملكية وحرّية التصرّف ومراعاة شروط الحلال.

ولذلك فإنّ الميزة الخاصّة للبنوك الإسلامية أنّها تعمل على تمويل الاقتصاد الحقيقي، ولا تتاجر في الدّيون العامّة أو الخاصّة.

ووفق هذه الخصوصية فإنّها بحاجةٍ إلى إطارٍ قانونيٍّ وتشريعيٍّ، يساعدها على أداء أدوارها التنموية والاقتصادية، وِفق طبيعتها وخصوصيتها وشروطها الشّرعية، وهو ما لم نلاحظه – كترجمةٍ صادقةٍ وإرادةٍ حقيقيةٍ للحكومة في هذا التوجّه – بالتنصيص على ذلك في مخطط عمل الحكومة، دون صبّها في نصوصٍ قانونية وتنظيمية.

وقد جاء تعديلُ الحكومةِ لقانون النّقد والقرض: جزئيًّا وظرفيًّا وارتجاليًّا، وذو طابعٍ استعجاليٍّ وانتقاليٍّ ومتغوّلٍ في الزّمان (05 سنوات)، بحيث لم يمسّ إلا إضافة المادة: 45 مكرّر، من أجل اللّجوء إلى “التمويل غير التقليدي”، لتعبئةِ مواردَ ماليةٍ إضافيةٍ، لتغطية عجز الخزينة العمومية، وتمويل تسديد الدّيْن العمومي الداخلي، والسّماح للخزينة – عند الحاجة – إلى تمويل الصندوق الوطني للاستثمار، وهو ما يعني: السّماح للبنك المركزي بطباعة المزيد من “الأوراق النقدية”، وهو مغامرةٌ ومخاطرةٌ، لأنّه لا تتوفّر الشروط والظروف والإجراءات المرافقة لنجاحه في الجزائر، والمتمثّلة في: احتياطي الذّهب، أو العملة الوطنية القويّة، أو الاقتصاد الحقيقي والمنتج، أو الاحتياطي من النّقد الأجنبي.

وهو ما دفعنا في الكتلة البرلمانية لحركة مجتمع السّلم إلى تقديم مقترحاتٍ عمليةٍ وتعديلات قانونيةٍ على هذا المشروع، سواءٌ فيما يتعلّق بهذا الإجراء (المادة: 45 مكرّر)، بتقديم: 03 تعديلات عليها، تتعلّق بـ:

_ الآجال: وهي الذّهاب إلى الإصدار النّقدي لمدّة سنة قابلة للتجديد مرّةً واحدة.

_ التسقيف: لهذا الإصدار النّقدي، حسب العجز الحقيقي للخزينة في السّنة.

_ المجال: بتوجيه هذا الإصدار النّقدي إلى قسم التجهيز والاستثمار فقط.

_ إنشاء لجنة مستقلة من غرفتي البرلمان، برئاسة المعارضة لمراقبة تنفيذ هذا الحُكم.

وتقديم: 03 تعديلات، تمسّ المواد: 67، 68، 73 من قانون النّقد والقرض، لتوفير الإطار القانوني لعمل المؤسسات المالية الإسلامية، بدون ربًا: أخذًا أو عطاءً، وشرعنة مختلف المنتوجات المالية الإسلامية، وإتاحة الخيارات أمام المواطنين والمؤسسات بدون حرجٍ دينيٍّ بسبب الرّبا، وخلق الأجواء التنافسية بين البنوك والمصارف، وتكافؤ الفرص بين البنوك التقليدية وغير التقليدية، وتوسيع أدوات التمويل والادّخار والاستثمار للمؤسسات والأسر والأفراد، وتشجيع المنتوج الوطني من خلال القروض الاستهلاكية بدون فائدة، وتحجيم السّوق الموازية، وتقليل المخاطر المصرفية، وِفقًا لقاعدة الغُنم بالغُرم.

وهو ما سيضع الحكومة أمام اختبار “الإرادة السياسية” في مطالباتها الدائمة للمعارضة أنْ تكون إيجابيةٌ في النّقد وتقديم البدائل، واختبار “الصّدق” فيما تدّعيه من الإصلاحات الدستورية، بإعطاء المعارضة البرلمانية حقوقًا، منها: المشاركة الفعلية في الأشغال البرلمانية وفي الحياة السياسية.

تعليق