محاضرة للأستاذ عبد المجيد مناصرة رئيس حركة مجتمع السلم في الملتقى الوطني للهيئات الإنتخابية 2017/09/29

بسم الله الرحمان الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين..
السيد رئيس الهيئة الوطنية للانتخابات المحلية
الإخوة أعضاء الهيئة الوطنية وأعضاء المكتب الوطني
أخواتي وإخواني الحضور
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
عنوان المداخلة: “الانتخابات المحلية بين التمكين والممكن”
• أولا: أهداف الحركة في هذه الانتخابات: (الأهداف الكمية الرقمية)
1ـ على مستوى الترشيحات:
ـ كنا قد حددنا هدف الدخول في كل الولايات وقد تحقق.
ـ وعلى مستوى المجالس الشعبية الولائية فقد تحقق بنسبة 98 % فقد دخلنا في كل الولايات ولكن أسقطت اللجنة الولائية بعض التوقيعات لقائمة الحركة في ولاية الطارف، وبالتالي لم تودع القائمة نهائيا.. فأودعت الحركة 47 قائمة ولائية، 05 منها بجمع التوقيعات، وتم رفض 03 قوائم منها: (سعيدة، غرداية، باتنة) ونجحنا في إعادتهم عبر المحكمة الإدارية التي أنصفتنا.
ـ وعلى مستوى المجالس الشعبية البلدية فقد تحقق بنسبة 63 % يعني 720 من أصل 1541 بلدية أي بزيادة 20 % عن انتخابات 2012م.
وجاري الآن الدفاع عن القوائم والمرشحين ضد تعسفات الإدارة المنحازة.
ويمكن من خلال عرض هذه النسب والأرقام تقديم الملاحظات والقراءات التالية:
ـ هناك فرق بين الطموح والهدف، لأن الهدف المحدد بـ(75 %) كان طموحا أكثر منه هدفا واقعيا، ومع ذلك فإن الملاحظة الأهم هي أنه بعد 26 سنة من التأسيس القانوني للحركة كحزب سياسي والمشاركة في ستة (06) تشريعيات وخمس (05) محليات والترشح في رئاسيات
1995م والتحالف في ثلاث (03) رئاسيات.. ومع ذلك يبقى الانتشار التنظيمي للحركة في ثلث (⅓) البلديات والترشح الانتخابي في نصف
البلديـات.. وهي مسألـة تحتاج إلى دراسـة الأسباب والعوائـق ومن ثم اقتـراح معالجات استراتيجية لأن استمـرار هذا الوضع يعيق الحركة عن تحقيق أهدافها في التغيير عبر المسارات الاجتماعية والسياسية.
ـ ومع ذلك فأنا أقدم لكم باسم المكتب الوطني جزيل الشكر على العمل المنجز والجهود المبذولة في ظل ظروف صعبة وتحديات كبرى وعوائق قائمة، خاصة الذين رفعوا من تغطيتهم للبلديات والذين اقتربوا من نسبة 100 % نذكر منهم تندوف، الشلف، عنابة، ورقلة، تبسة، وهران، غليزان، عين تموشنت، بشار، المسيلة، أدرار، المدية، معسكر، البليدة، بسكرة، النعامة، الأغواط، البيض، أم البواقي، الجزائر، تلمسان، سطيف، إليزي، الوادي.. وحتى الولايات التي كانت معنية بالتوقيعات رغم قلة ترشيحاتها فإن جهدها في جمع التوقيعات نقدره ونثمنه..
2ـ على مستوى النتائج:
ـ الأهداف المراد تحقيقها في هذه المحليات معلنة في الخطة الانتخابية بوضوح، ولا داعي لإعادة ذكرها هنا.
وهذه الأهداف نعمل معكم من أجل تحقيقها والأمر يحتاج إلى عمل وحماية وتوفيق من الله سبحانه وتعالى، ويجب أن نحول كل الطاقات بما فيها الطاقات السلبية المتولدة من النزاعات أو حتى التجاوزات والتظلمات.. إلى طاقات عملية وايجابية لإنجاز الأعمال وتحقيق الأهداف، خاصة عندما نتذكر أننا أصحاب مشروع لن يتحقق على وجه الأرض إلا بالعمل والجد والتعاون.
• ثانيا: ماذا تعني لنا الانتخابات المحلية؟
1ـ العمل المباشر مع الشعب: الانتخابات دائما هي فرصة للعمل المباشر مع الشعب بمختلف شرائحه ومستوياته وأصوله ومدنه وأحيائه وقراه، كما أنها فرصة تتاح من أجل طرح الأفكار والسياسات والبرامج وعرض النماذج وتقديم الحلول وطرح البدائل لما هو قائم وموجود.
2ـ تمحور العمل السياسي على المنتخب: المنتخب هو محور العمل السياسي بالنسبة للأحزاب لأنه يمثل الصلة والوسيط بين الحركة ومشروعها وبين الناس، والمنتخبين هم بمثابة الأعيان الجدد غير التقليديين فينظر إليهم في القرى والأرياف على أنهم أعيان، لهم كلمة مسموعة وأصحاب التأثير. وقانون الانتخابات الجديد محور العملية الانتخابية على المنتخب، فإذا كنت تملك 10 منتخبين يسمح لك بالترشح للتشريعيات والمحليات مباشرة دون الحاجة إلى توقيعات المواطنين الناخبين، و600 منتخب تسمح لك بالترشح للرئاسيات أيضا دون الحاجة إلى جمع توقيعات الناخبين.
3ـ بناء قاعدة سياسية كبيرة: كل خمس سنوات تقدم الحركة في حدود 10 آلاف مترشح ينجح لك منهم 15 إلى 20 %، وعندما يتكونون في هذه الظروف المتغيرة تكون بذلك قد ملكت قاعدة سياسية مؤهلة للحكم وإدارة شؤون الناس بتأهيلها وترقيتها.
• ثالثا: الانتخابات المحلية بين التمكين والممكن
تسيطر علينا كثيرا ثقافة التمكين التي تربينا عليها من خلال النصوص بنقاوتها ومثاليتها، وهي ثقافة تغلب عليها مصطلحات “الكل” و”المغالبة” ولا تقبل أنصاف الحلول وواقعية المخالطة والتعايش مع الآخر. وفي فساد الزمان وتكالب الأعداء وكثرة الخصوم وتراجع في الديمقراطية وإفراغ الانتخابات من محتواها التنافسي والتداولي، وأمام اضمحلال الانتماء الحزبي ووجود مناضلين بلا حدود حزبية ووجود حالات فوق الحزبية مثل القبيلة والطائفة والمذهب والعرق، لا يمكن أن نتحدث عن الدولة الإسلامية الممكنة بل نفسح المجال أمام الدولة الإسلامية المُمكنة للتحول إليها وفقا لمبادئ التدرج والمرحلية والواقعية.
واليوم تجاوزنا مقولة “السياسة فن الممكن” إلى بلورة مفهوم “الإسلام المُمكن” الذي أصبح يستعمله بعض العلماء.. القائم على الاستطاعة الشرعية والمصلحة المعتبرة، وهو الصيغة التوفيقية بين أحكام الإسلام وتغيرات الواقع. فمجال السياسة هو مجال المتغيرات ومجال المصالح ومجال التعليل، وهو ما ذهب إليه الإمام ابن تيمية في مجموع الفتاوى إذ يقول: “إذا قدر ظلم وفساد ولم يمكن دفعه، كان الواجب تخفيفه وتحري العدل والمصلحة بحسب الإمكان”، “فإن الله تعالى بعث الرسل لتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها بحسب الإمكان”.
العملية الانتخابية وقواعد العمل السياسي:
لكي لا تستغرقنا الجزئيات ولا نتيه في التفاصيل، أود أن أطرح وأشرح بعض محاور العملية الانتخابية من خلال قواعد في العمل السياسي، وهي قواعد سياسية شرعية ومعرفية تجمل وتركز المفاهيم في جمل قصيرة دالة على معاني تفصيلية وجزئية قابلة للاستخدام في الوقائع المتجددة وشارحة لطريقة العمل:
1ـ قاعدة القصد: “الأمور بمقاصدها”
هذه القاعدة مستخلصة من حديث النبي صلى الله عليه وسلم: “إنما الأعمال بالنيات”، وهي مطبقة على العبادات والعادات.. وفي العملية الانتخابية حيث تتزاحم النيات وتتداخل الحظوظ، يجب أن نحرر قصدنا ليكون خالصا لله، حتى تستقيم كل أعمال المسلم وتلتقي حول هذا القصد وهذه الغاية “قُل إنّ صَلاتي ونُسكي ومَحياي ومَمَاتي لله ربّ العالمين لا شريك له وبذلك أُمرت وأنا أوّل المسلمين” الأنعام/162.
وفي هاته الانتخابات الجميع سيتعب ويعمل ويشقى وينفق المال ويصل الليل بالنهار من أجل الظفر بمقعد انتخابي، ولكن المسلم المخلص له من ذلك أولا مرضاة الله فلن تذهب جهوده وأعماله وأمواله سدى، بل أجره عند الله لا يضيع أبدا، فعنده تقدر الأعمال بمثقال ذرة: “وترجون من الله ما لا يرجون” النساء/104. فحريّ بنا جميعا عند كل عمل أن نجدد النية ونجعل لكل عمل نية، وبمناسبة الانتخابات أن نجعل ترشحنا وحملتنا وكل عملنا فيها لله عز وجل ونسأله الأجر قبل الفوز. فالصحابة عليهم الرضوان كانوا يقولون “أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يعلمنا النية كما يعلمنا القرآن”.
2ـ قاعدة العمل: “أحسن الأعمال أدومها وإن قلت”
هذه القاعدة هي نص لحديث النبي صلى الله عليه وسلم تؤكد على دوام الأعمال واستمرارها. فالعمل لن ينجح ويثمر إلا إذا كان مستمرا غير منقطع ومتواصلا غير متقطع، والعمل الانتخابي ينطبق عليه ذلك فهو في حاجة إلى الاستمرارية دون كلل أو ملل أو يأس من النتيجة أو احتقار أصغرها وأقلها.
والنضال المستمر كفيل بأن يهزم الاستبداد مهما كان طاغيا ومتحكما، ويصلح الأوضاع مهما كانت فاسدة، فتقليلها وتخفيفها مع الدوام يغلب المصالح ويقيمها ويدفع المفاسد ويدرؤها.
وكما يقول المثل الشعبي (الصامط يغلب القبيح) أي يغلبه بالصبر على صعوبة الاستمرار، فالانقطاع في الانتخابات بالمقاطعة أحيانا والمشاركة أحيانا أخرى، أو العمل فقط في موسم الانتخابات.. هذه سلوكات لا تحقق نتائج جيدة بل تهدر ما يتحقق من المشاركة بالمقاطعة، ومهما طال طريق الانتخابات فإنه الأكثر أمنا والأقل كلفة والأرفق بالناس والأقرب للدين.
3ـ قاعدة التعامل: “حمل الناس على الظاهر”
نتعامل مع الناس على ظاهر كلامهم وحالهم وأعمالهم وترك سرائرهم إلى الله، ويقول ابن القيم في كتابه (أحكام أهل الذمة): (أحكام الدنيا على الظواهر والسرائر تبع لها وأحكام الآخرة على السرائر والظواهر تبع لها).
والسياسة والانتخابات من أعمال الدنيا ويجب أن نعامل الناس على ظاهرهم ونأخذ منهم ظاهر كلامهم ولا نتهم سرائرهم ونياتهم، وقد قال الرسول عليه الصلاة والسلام مصححا لسلوك بعض الصحابة: “إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس” رواه البخاري ومسلم، “ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السّلَم لستَ مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا” النساء/94، فسُوء الظن واتهام الناس والشك فيهم والتجسس عليهم يفسدهم ويفسد الصلة معهم ويبعدهم عنا، لأن الناس هكذا جُبلوا، لا يحبون التشكيك فيهم ويحبون تصديقهم واحترامهم. وهذه ليست غفلة بل تغافل، وقد يصلح التغافل ما لا يصلحه الذكاء والحذر.
4ـ قاعدة المسؤولية: “إنها أمانة”
هذه القاعدة مأخوذة من نص حديث للرسول عليه الصلاة والسلام يوضح فيها أمانة المسؤولية: “إنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدّى الذي عليه فيها” أخرجه الإمام مسلم وأحمد. والمسؤولية من الأمانات التي طالبنا الله سبحانه وتعالى لأدائها “إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل” النساء/58. المسؤولية سواء كانت بالترشح أو بالتعيين فهي أمانة ويجب أن تؤدى إلى أهلها وأن تؤدي الذي عليك فيها.. ويجب أن نعيد هذا المعنى القيمي إلى عملنا السياسي والانتخابي حتى لا نستهين به ولا نفرط في الأمانات لكي نستحق بذلك عون الله وتوفيقه وتقدير الناس واحترامهم واختيارهم لنا، فالمسؤولية ليست فرصة للثراء أو التعالي على الناس أو الانتقام من الخصوم، بل هي أمانة يجب استشعار ثقلها.
5ـ قاعدة السياسة: “السياسة حال ومآل”
ما دامت السياسة هي مجال المتغيرات ومجال التقديرات ومجال تتغير فيه المواقف والسياسات زمانا ومكانا وحالا، فيجب النظر في الحال وتفاصليه وظروفه لتقدير الموقف المناسب. ولكن أيضا يجب النظر في مآل الحال فقد تختلف مآلات حال واحدة، وبالتالي يتغير الموقف باختلاف المآل رغم تماثل الحال، كما تقتضي السياسة النظر في الحال من حيث حقائقها الواقعية والعمل على تغيير مآلها ونتائجها أي تغيير المسارات السياسية لها وفقا للمآل المرغوب والنتائج المأمولة.
6ـ قاعدة الحكم: “الصدق في الإخبار والعدل في الإنشاء”
كيف تحكم وبمَ تحكم؟ هذه القاعدة تلخص لنا ذلك في كلمتين: (الصدق) و(العدل)
وقد استخلص هذه القاعدة ابن القيم من الآية الكريمة “وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا” الأنعام/115، واعتبر أن مدار الولايات (المسؤوليات) كلها على الصدق في الإخبار والعدل في الإنشاء، أي أن تصدق في الكلام والنقل والخبر والمعلومة والتقارير، وأن تعدل في العمل والتوزيع والرعاية وكل الحقوق، والناس اليوم يفتقدون في السياسة أمرين: “الصدق والعدل” والعدل هو أن تعطي ما عليك كما تطلب ما لك، والعدل مطلوب في الأمور كلها وهو أساس العمران كما أن الظلم أساس الخراب “وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل” النساء/58، يقول ابن القيم في كتابه (الطرق الحكمية): (فإذا ظهرت أمارات العدل وأسفر وجهه بأي طريق كان فثم شرع الله ودينه) فمن يبحث عن شرع الله فقل له: إنه العدل. والصدق ليس عدو السياسة كما يدعي البعض ويظن أن السياسة هي في الحيلة والاحتيال والكذب والالتفاف بل إن “الصدق منجاة”، والرابحون لا يغشون أبدا لأن الكذب والغش طريقهما مقطوع.
7ـ قاعدة الاستعانة: “واستعن بالناس”
بعد الاستعانة بالله سبحانه وتعالى إذ هو المعين، نستعين بالناس لإنجاز الأعمال.. ومفهوم هذه القاعدة هو: أن لا تظن أن التكليف يقتضي أن تنجز الأعمال وحدك وبنفسك، فإن الأعمال كثيرة وتفوق قدرة الأفراد والتنظيمات ومن حسن السياسة والتدبير أن تستعين بالناس لإنجاز الأعمال التي هي من أجلهم ولصالحهم.
ومثال ذلك قصة ذي القرنين الذي أتى قوما عاجزين مغلوبين نفسيا وواقعيا: “ثم اتبع سببا حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا. قالوا يا ذا القرنين إن ياجوج وماجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا. قال ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما. آتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله نارا قال آتوني أفرغ عليه قطرا. فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا. قال هذا رحمة من ربي فإذا جاء وعد ربي جعله دكا وكان وعد ربي حقا” الكهف/92-98.
واضح أنه أفلح في توظيفهم واستخدامهم واستخراج طاقة كبيرة منهم، هم أنفسهم لم يكونوا يدركونها بل كانوا سلبيين مستسلمين لعدوهم إلى أقصى درجة.. وانظر إلى الأفعال التي طلبها منهم: (فأعينوني بقوة) (آتوني) (انفخوا) (آتوني).
فالانتخابات هي مثال للاستعانة بالناس ترشيحا وحملة وانتخابا، وفنون الاستعانة بالناس كثيرة يجب امتلاكها من أجل اختصار الطرق وجمع الجهود وإشراك الناس وتحقيق الغايات. وبالمقابل يجب الابتعاد عن الأنواع المثبطة الميئسة والمتشائمة لأن الحالات العاطفية معدية مثل الأمراض. فلا داع ولا مبرر للاستعانة بهذه الأصناف حتى وإن كانت من الصف، ولذلك وجدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يدعو: (اللهم إني أعوذ بك من جلد الفاجر وعجز الثقة).
والاستعانة بالناس ليست مقصورة فقط على من يشاركك نفس الأفكار، بل وجبت حتى وإن كانوا على غير فهمك وقناعتك ومذهبك، فقد استعان الرسول عليه الصلاة والسلام بالكفار واليهود “إن الله ليؤيّد هذا الدين بالرجل الفاجر” رواه البخاري ومسلم، وفي حديث آخر “لَيُؤَيِّدنّ اللَّه هذا الدّينَ بِقوم لا خَلاق لهُم”.
8ـ قاعدة المنافسة: “تفوق على نفسك”
هل المنافسة أن تتفوق على الآخرين أم على نفسك؟
ولدان تواجدا في حديقة فوجدا دبا يوشك أن يهجم عليهما.. في الوقت الذي حاول فيه الأول الهروب شرع الثاني في لبس حذاء رياضي فقال له الأول: أتظن أن حذاءك هذا سيجعلك تجري أكثر من الدب لتنجو منه.. قال له ولكن أنا متأكد من أني سأسبقك.. فهمه هو أن يسبق صاحبه فقط وبالتالي ينجو من الدب، وهكذا هي المنافسة في الاقتصاد وفي السياسة.. كيف تسبق المنافس الذي معك؟ وهذا مفهوم قاصر في المنافسة والمفهوم الصحيح أن تتفوق على نفسك.
في الانتخابات الاهتمام الزائد بالمنافس ينسيك كيف تطور نفسك وأدائك وعناصر قوتك، وكيف تعالج أخطاءك وضعفك وقصورك، فالأولى هو أن تركز على نفسك وكيف تتفوق على ضعفك وعلى مستواك الحالي، وبالتالي تجتهد أكثر لتسجيل تطور وتحسن وتحقق الإضافة، وبالتالي تتفوق على الآخر بالنتيجة.
ومن المؤسف عندنا في الانتخابات التركيز على المنافس من نفس العائلة السياسية، فالإسلامي همّه وهدفه كيف ينتصر فقط على الإسلاميين وعندئذ يشعر بأنه فاز، وقد يكون هذا أمر واقع مفروغ منه وبالتالي لم يحقق شيئا بتركيزه على المنافس من نفس العائلة غافلا عن المنافسة الحقيقية التي تحقق الإضافة..
وأحيانا الاهتمام الزائد بالمنافس تورث الحقد والحسد والانتقام منهم لظلمهم أو تزويرهم أو اعتدائهم مثال آل غور المرشح الرئاسي الذي سقط وشعر بالظلم وحرمانه من الرئاسة، فأورثته حالات نفسية صعبة أخرجته من الساحة تماما.
ومن أبواب الاهتمام بالتفوق على الذات هو التركيز على المناطق الخالية من المنافسة، وفي الانتخابات هذه كثيرة.. فتجد المنافسين يزدحمون في مناطق ضيقة تاركين مساحات واسعة من الناخبين دون اهتمام، فوجب الانتباه إليها والاستثمار فيها.

9ـ قاعدة الخطاب: “الحديث بلسان الجمهور”
جاء في الحجة البالغة للدهلوي (وإنما نزل الشرع بلسان الجمهور) وذكر الشاطبي في الموافقات: (قصد الشارع في وضع الشريعة للإفهام) عمد كثير من العلماء إلى كتابة كتب تحمل العناوين: التسهيل، التقريب، التيسير، التوطئة… لأنهم أدركوا أن هناك من غالى في الغموض بحيث جعل من الدين شيئا غامضا غير مفهوم يحتاج إلى غيره لإفهامه، وهذا ينافي قصد الله سبحانه وتعالى بأن جعل رسائله واضحة بسيطة مفهومة.
إن الخطاب يجب أن يكون بلسان القوم وثقافتهم وقريب من حالهم وفي مستوى فهمهم أي أن يكون بسيطا وفي البساطة قوة ووضوح. وبعيدا عن تعقيدات الأرقام والنظريات والجمل المعقدة.. في مناظرة بين ريغن وكارتر لم يقدم الأول أرقاما على التدهور بقدر ما قال للجمهور: (قبل أن تصوتوا اسألوا أنفسكم أين أنتم اليوم في حال أفضل مما كنتم عليه قبل 4 سنوات) فاستطاع أن يكسب الجمهور بتبسيط الكلام وإيصال الرسالة.
ومن هذه المعاني أيضا أن يكون الخطاب محليا بمضامين محلية يلمس الناس وحياتهم واهتماماتهم.. ومن الأمثلة: صحفي أسس جريدة في مدينة أمريكية تفوق لمدة سنوات ووصلت مبيعاته أكثر من عدد سكان المدينة، والسر في ذلك ذكر الأسماء والأسماء والأسماء.. يجب أن تكون الصحيفة مليئة بالأسماء والأحياء والأشخاص وكل ما ينتمي للمدينة.
فالخطاب الإنتخابي المحلي يجب أن يكون مليئا بالأسماء: أسماء العائلات الكبرى، المجاهدين، الشهداء، أهل الخير، الناجحين، المبدعين، أسماء المدن والقرى والأرياف والأحياء، أسماء تفاصيل حياة الناس… ففي ذلك تقريب بين المخاطب والمتلقي وبالتالي نجاح الرسالة الانتخابية.
10ـ قاعدة التواصل: “اجعل ما بينك وبين الناس عامرا”
العمل السياسي والانتخابي كفرع عنه مبني على أهمية التواصل مع الناس لكسب ثقتهم وتأييدهم والتأثير في اتجاهاتهم وخياراتهم وأيضا سلوكاتهم وثقافتهم..
والتواصل يقوم على أساس الإحسان للناس:
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم * فلطالما استعبد الإنسان إحسانُ
والناس في حاجة إلى من يحسن إليهم ويدخل عليهم السرور ويفتح لهم الأمل ويرفع من معنوياتهم ويتواصل معهم باستمرار.. وهكذا يكون ما بينك وبين الناس عامر، لا كما قالت رابعة العدوية:

فليتك تحلــو والحيـاة مريــرة * وليتك ترضى والأنام غضابُ
وليت الذي بيني وبينك عامر * وبيني وبين العالميـن خــرابُ

والمقصود هنا بالتواصل ليس هو الخطاب ولا هو نص الخطاب ومحتواه.. يقولون أن الإنسان معرض يوميا إلى 35 رسالة كلامية، فكيف تستطيع تمري رسالتك في هذه الزحمة؟ وما تقوله يشكل 07% مما يصدقه السامعون، و38% أسلوب التعبير، وما يراه السامعون يشكل 55%.. و90% من الانطباعات التي تخلفها في نفوس السامعين لا تمتّ لما تقوله بصلة.
11ـ قاعدة السمعة: “سمعتك هي رأس مالك”
السمعة تُصمَّم وتُبنَى وتُصنع، وتحتاج إلى بنائها ثم المحافظة عليها وحمايتها من المنافسين والخصوم الذين يرغبون في هدمها وتشويهها وفتح ثغرات فيها.
والمقصود: سمعة المترشح وسمعة القائمة وسمعة حزبه، وهي تتكامل وتتلازم.. وعندما تتوفر القائمة على مرشحين يمتلكون سمعة متكاملة يكون قد توفر شرط أساسي للنجاح.
والسمعة تبنى بالتركيز على صفة واحدة واضحة ومحببة للناس: الكرم، النزاهة، الشجاعة، العدل، الكفاءة…
الانتخابات تحسمها في حالات كثيرة السمعة لدى الناس والصورة الذهنية المشكّلة في أذهان الناس.. وعندما تهتز السمعة يصعب تغطية عيوبها بالتهريج الإعلامي والصخب الانتخابي.
12ـ قاعدة الأمل: “لا يجوز استدعاء البلاء”
(سلُوا الله المعافاة، فإنه لم يُؤتَ بعد اليقين خيرٌ من المعافاة) رواه البخاري، (لا تتمنوا لقاء العدو، وإذا لقيتموه فاصبروا) رواه البخاري
المترشح وصاحب المشروع والمالك للبرنامج يبشّر ولا ينفّر، يفتح نوافذ الأمل ويغلق أبواب اليأس، ويوجه نحو مَواطن النهضة وعوامل الخروج من الأزمة، ويقدم الحلول ويبني الجسور بينه وبين الآخرين.. وهذا لا يعني أنه لا ينبه ويحذر وينصح.
فالواقعية تقتضي ذكر حقائق الواقع، والمسؤولية تقتضي تقديم الحلول والبدائل وصناعة الأمل، لأن الناس لن تتبع خطابا تيئيسيا ولا فوضويا ولا احتجاجيا رافضا متمردا صداميا..
فالناس يرفضون الواقع بأخطائه وفساده، لكنهم غير مستعدين للمغامرة وتحمل التكلفة التي يرونها باهضة لمسار التمرد والفوضى، وسينقادون لمن يقودهم بالعمل نحو الأمل وبالتوافق نحو التوفيق.

تعليق