لم تكن ثمراتُ “الرّبيع العربي” – بذلك الحراك الشعبيِّ والسّلمي – هي: “الصّعود الديمقراطي” للإسلاميين فقط، بل أحدثت – أيضًا – تنشيطًا إيديولوجيًّا حول ما يُسمّى بـ: “الإسلام السياسي”، و”ثورةً مفاهيميةً” حول جدلية العلاقة بين الدّين والسياسة، ليس من باب “الترف الفكري” ولكنْ من باب “الأبعاد المعرفية” المتشابكة مع الواقع.

وهو ما أحدث هزّةً عنيفةً، استدعت تحرّك “الدولة العميقة” لإجهاض هذه “التجربة الديمقراطية” وتحويلها إلى “خريفٍ دمويٍّ”، بـ: “صناعة الإرهاب” وتشكيل الجماعات المسلّحة العابرة للحدود، وعسكرة “الربيع العربي”، واستدراج “سّلميته” إلى مربّع “العنف”، الذي تتقنه “الأنظمة الشّمولية” لإعادة استنساخ نفسها، وضمان نصاب البقاء في الحكم بشرعية مكافحة الإرهاب.

وإشكاليةُ العلاقة بين الدّين والسياسة، وحدود دوائر الاتصال أو الانفصال بينهما أصبحت من المحدّدات الفكرية لهوية الأحزاب وتصنيف الجماعات، وأنّ تحرير هذه الإشكالية في جانبها “النّظري” و”العملي” أصبحت ضرورةً حتميةً لمستقبل الدّول والشّعوب العربية والإسلامية، وهي لا تعني “الأنظمة” فقط، بل تعني “الأحزاب” أيضا.

لم تكن هناك إشكالاتٌ: نظرية أو عملية تُطرح في تاريخ الفكر السّياسي الإسلامي، بالرّغم من قيام الدولة كجهازٍ سياسيٍّ وإداريٍّ ينظّم شؤون الرّاعي والرّعية، إلى غاية سقوط “الخلافة الإسلامية” رسميا سنة: 1924م.

ومع نشاط الحركة الاستعمارية وبخلفياتها الاستشراقية، واستلهامًا لتجربة أوروبا في حسم العلاقة بين “الكنيسة” و”الدولة” وبين “رجال الدّين” و”رجال السياسة”، تمّ إحياءُ هذه “الجدلية” بين مَن يرى بأنّ السّياسة جزءٌ من “الإسلام”، لأنّه دينٌ شاملٌ، يتناول مظاهر الحياة جميعا، فهو “دينٌ ودولة”، و”عقيدةٌ وشريعة” و”مصحفٌ وسيف”، وهو يختلف عن “الأديان الأخرى”.

وبين مَن يرى بأنّ “الدّين” ما هو إلا علاقةٌ “لاهوتيةٌ” وشخصيةٌ بين العبد وربّه، وأنّه عباداتٌ فردية وعلاقاتٌ “روحية”، لا علاقة له إلا بالأحوال الشخصية والحياة الدنيوية، استدلالاً بالحديث النبوي الشريف: “أنتم أعلم بشؤون دنياكم.”، فلا “دِين” في “السّياسة” ولا “سياسة” في “الدّين”.

وأنّ “أوروبا” لم تنْطلق بالنّهضة الحضارية إلا بهذا الانفصال العلماني بين الدّين والدّولة، بل وبين الدّين والحياة.

إلاّ أنّ “أزمة المفاهيم” لعبت دورًا محوريا في التثاقف بالنّقاش الفكري إيجابًا وسلبًا، لأنّ جهلَ البعضِ بحقيقة الإسلام جعلهم يقابلونه بالدّيانات الأخرى بمقارناتٍ خاطئة، فالإسلام أوسع من مصطلح “الدّين”، بل إنّ “الدّين” ما هو إلا كلّيةٌ من الكلّيات الخمس، التي جاء الإسلام ليحافظ عليها، إلى جانب: العقل، والنّفس، والمال، والنّسل، وأنّ الإسلام أوسع من ضيقِ الفهم الإيديولوجي له من قِبل الأحزاب والجماعات.

وهو مساحاتٌ أرحب، يتدخّل فيها بالأحكام التشريعية، ليلامس بالوَصل حاجات “الدولة” في عالَم القيم، بعيدا عن “الثنائية” أو “التصادم” أو “التناقض” بينهما.

إنّ أصلَ نشوءِ “العلمانية” في أوروبا – وفق سياقها التاريخي – لم يكن مرتبطا بهذا الجدل الفكري فقط، بالرّغم من كونه تتويجًا عقلانيًّا عنيفًا ضدّ الكنيسة الطّاغية والمسيحية المحرّفة، إلاّ أنّه كان مرتبطا – أيضا – بالصّراع الوُجودي بين “رجال السّياسة” و”رجال الدّين” على السّلطة والحُكم والنّفوذ.

والظاهر أنّه لا إشكال “للعلمانيين” مع الجوهر الأخلاقي للإسلام، بالاتفاق على القيم الإسلامية، المتناغمة مع القيم الإنسانية، مثل: الصّدق والعدل والحرّية .. وغيرها، ولو نظريًّا.

بل مشكلتهم مع “الأحكام التشريعية والقانونية والتفصيلية” للإسلام، والتي تمسّ بالسياسة والاقتصاد والاجتماع، مثل: إقامة الحدود في: الرّبا والزّنا والسّرقة والقصاص .. وغيرها.

إذ يرونها غيرَ ملزمةٍ  للسّياسي؟ وأنّها مجرّدُ أحكامٍ تاريخية، تخضع للظّرف الزّماني والمكاني؟ وأنها اجتهاداتٌ تقديرية من الحاكم، لمراعاة المصلحة والمفسدة.

ولعلّ الذي يزعج العلمانيين – أيضًا – هو عجز الإسلاميين عن تقديم أنموذج الممارسة الواقعية للفكر السّياسي الإسلامي الصحيح، وإماطة الأذى عن بعض نقاط الظّل في الفهم والممارسة السياسية: حزبيًّا ورسميًّا، ولن يجدوا عناءً في حسم الخِلاف العدمي بينهما إذا انتفى الجهل بحقيقة ما يختلفون فيه في بعض المسائل، ومنها:

– نَفْي وجود السُّلطة الدِّينيَّة الثيوقراطية في الإسلام، والتأكيد على مدنية الحُكم والحاكِم فيه، والتَّمييز بين الرَّابطة الدِّينية والرّابِطة السِّياسية في السّلطة، ونفي النّمطية في ممارَستها (نفي نمطية الدّولة أو الخلافة الإسلامية)، وكذا نمطية اختيار الحاكم في الإسلام.

ومَن يدرس تاريخ الخلفاء الرّاشدين، وطريقة اختيارهم، يدرك أنّ آلية اختيار الحاكم ليس توقيفية، بل هي اجتهاديةٌ تقديرية..

*) هل هناك دولةٌ دينيةٌ في الإسلام؟ 

إنّ الظاهرة السّياسية التي رصدها القرآن الكريم، وهي: إشكالية تماهي الإنسان في السّلطة والألوهية، ستبقى تجلّياتُها – وإنْ بأسماءٍ وأشكالٍ مختلفة – حاضرةٌ وممتدةٌ في الزّمان والمكان، ، وهي غير مرتبطةٌ بدِينٍ بعينه، بل حكاها القرآن الكريم عن “فرعون”، عند الاعتداد بالرّأي وإلغاء الآخر، فقال: ما أريكم إلا ما أرى، وما أهديكم إلاّ سبيل الرّشاد(غافر:29)، ثم ارتقى إلى المَنِّ بالإنجازات في السّلطة، فقال: ..أنا ربّكم الأعلى(النّازعات:24)، ثمّ تمَادَى ليتمَاهَى مع الألوهية، فقال: ما علمتُ لكم من إلهٍ غيري(القصص:38).

ولأنّ الإسلام نظامٌ شاملٌ يتناول مظاهر الحياة جميعا، فقد حلّ طلاسم هذه المعادلة الصّعبة بين الإنسان والسّلطة والألوهية، وفق منهجٍ واقعيٍّ، يتمثل في:

1_ التأكيد على بشرية الرّسل، وإسقاط الألوهية عن كلّ المخلوقات: ولو كان أحبُّ الخلق إلى الحقّ محمّدٌ “صلى الله عليه وسلّم”، الذي قال: لا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ، فَقُولُوا: عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وقول أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه عند وفاته “صلى الله عليه وسلّم”: مَن كان يعبد محمدًا فإنّ محمدًا قد مات، وهي ليست سلطةً دينية، تستوجب العصمة والطّاعة المطلقة للحاكم، بل كما قال أيضًا: “أطيعوني ما أطعتُ الله فيكم، فإنْ عصيتُ فلا طاعة لي عليكم..”.

2_ رسم حدود العلاقة الطبيعية والشرعية بين الحاكم والمحكوم: وهي مرتكزةٌ على الشرعية السياسية، المستمدّة من إرادة الشّعب، ولو كانت “شرعية” الرّسول صلى الله عليه وسلّم في شخصيته السياسية، وليس في شخصيته الدّعوية، وهو ما جعل الأمر الإلهي يتوجّه إليه بالشورى ومراعاة الرّضا منهم، في قوله: فبما رحمةٍ من الله لِنتَ لهم، ولو كنت فضًّا غليظ القلب لانفضّوا من حولك، فاعفُ عنهم واستغفر لهم  وشاورهم في الأمر(آل عمران: 159)، مع أنه في غِنًى عن رضاهم أو مشورتهم، مادام مؤيّدًا ومُسدّدًا بالوحي.

وفي العلاقة المرتكزة – أيضًا – على المشروعية في صناعة القرار والأداء الوظيفي لمهام الدّولة، بالصّفة اللازمة والمتبادلة بين الحاكم والمحكوم، وهي: “الشورى”، التي ورَدَت بين ركنين، في قوله تعالى: “وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ، وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ، وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ، وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ” (الشورى:38).

3_ ضمان حقوق الإنسان والمواطنة الكاملة في الإسلام: وهي من الحقوق الطبيعية التي كرّسها الدستور التاريخي للمدينة المنوّرة (مفخرة الدولة والحضارة الإسلامية)، في ظلّ الدولة المدنية الوليدة.

يقول المستشرق الرّوماني “جيورجيو”: “حَوَى هذا الدستور: 52 بُندًا، كلّها من رأي رسول الله، 25 منها خاصةٌ بأمور المسلمين، و: 27 مرتبطةٌ بالعلاقة بين المسلمين وأصحاب الأديان الأخرى، ولاسيما اليهود وعبدة الأوثان، وقد دُوِّن هذا الدستور بشكلٍ يسمح لأصحاب الأديان الأخرى بالعيش مع المسلمين بحرّية، ولهم أنْ يقيموا شعائرهم حسب رغبتهم، ومن غير أنْ يتضايق أحدُ الفرقاء…”.

ويقول أبو بكر رضي الله عنه: “القويّ عندكم ضعيفٌ عندي حتى آخذ الحق منه، والضّعيف عندكم قويٌّ عندي حتى آخذ الحق له..”، بدون تمييزٍ على أساسِ العِرْق أو الجنس أو اللّون أو الدّين.

تعليق