البديل (5) : الغاز الصخري: هل هو الحل؟  

بقلم: الدكتور عبد الرزاق مقري

لا يتعلق اهتمام الحكومة الجزائرية بالغاز الصخري بأزمة انهيار أسعار البترول ولا بالمشكلة التمويلية الضاغطة التي من أجلها اتجهت إلى التمويل غير التقليدي. لقد تَشكّل هذا الاهتمام لأسباب أخرى أعمق من ذلك، لقد كان الدافع إلى خيار الغاز الصخري شعور النخبة الحاكمة بأن المشكلة الطاقوية الأساسية ليست هبوط أسعار البترول والغاز وإنما تراجع الإنتاج وارتفاع الاستهلاك المحلي، أي إنهم أدركوا بأن انقطاع السيولة عليهم ليس مؤقتا، بل هي حالة دائمة ستقضي في العاجل على احتياطي الصرف بعد أن قضت على صندوق ضبط الموارد، فظنوا واهمين بأن خلاصهم على العاجل في التمويل غير التقليدي وفي المدى المتوسط والبعيد في الغاز غير التقليدي. ليس لهؤلاء الحكام سوى الحلول غير التقليدية المبنية على حب المال السهل بلا إبداع ولا حاجة للتفكير الجاد من أجل خلق الثروة من قيمة العمل.

لم نتوقف عن الحديث عن اقتراب قدوم هذه المشكلة منذ أربع سنوات، لقد كنا نقول مرات ومرات بأن الجزائر ستعيش مشكلة تمويلية أخطر من مشكلة منتصف الثمانينيات لأن في تلك الفترة كان المصدر التمويلي الأساسي المتثل في صادرات الطاقة لا يعرف إلا مشكلة واحدة وهي الأسعار، أما اليوم فهو يعرف مشكلة ثلاثية الأبعاد: تراجع الإنتاج وارتفاع الاستهلاك المحلي المدعوم الذي يُنقص هوامش التصدير، وهبوط الأسعار.

لقد ظهرت بداية تراجع تراجع الإنتاج منذ 2006، ولا يزال الإنتاج يراوح مكانه إلى الآن. أشار تقرير بنك الجزائر إلى ذلك سنة 2011، حيث تراجع انتاج الجزائر من 345.3 مليون برميل سنة 2006 الى 339.1 مليون برميل سنة 2007 ليواصل تراجعه إلى 305.5 مليون برميل سنة 2008 و272.8 مليون برميل سنة 2009 ليواصل الإنتاج انحداره الشديد الى 258.7 مليون برميل فقط سنة 2010 وهو الانخفاض المقدر بـ25.08 بالمائة أي ما يعادل 86.6 مليون برميل في ظرف 5 سنوات. فلست أدري كيف لم يفهموا اقتراب قدوم المشكلة قبل وقوعها كما فهمها غيرهم؟

أوهمت مداخيل الصادرات بأن وضعنا الطاقوي جيد، إذ كنا ما نضيعه في الكمية نغطي عليه بالمداخيل فلم يغط على تراجع الإنتاج في تلك المرحلة إلا ارتفاع الأسعار. يعود التحسن المسجل في مداخيل الجزائر ( التي ارتفعت من 53.6 مليار دولار سنة 2006 الى 59.6 مليار دولار سنة 2007 و77.19 مليار دولار سنة 2008 و56.12 مليار دولار سنة 2010)  إلى التحسن في معدلات سعر برميل النفط في الأسواق العالمية وليس بسبب زيادة الكميات المنتجة، حيث بلغ معدل سعر النفط الجزائري خلال الفترة المذكورة من 65.85 دولارا للبرميل سنة 2006 الى 74.95 دولارا، ثم 99.97 دولارا سنة 2008 و62.25 سنة 2009 خلال الأزمة المالية العالمية و80.15 دولاراسنة 2010.

استمر إنتاج الغاز الجزائري في التراجع حسب ”النشرة الإحصائية العالمية لبريتيش بتروليوم ”2012، حيث تراجع بنسبة انخفاض بلغت 4,2 بالمائة بين 2011 و 2012. يأتي ذلك في وقت انخفضت فيه أيضا الصادرات الغازية الجزائرية التي كانت تقدر بحوالي 62 مليار متر مكعب إلى حدود أقل من 60 مليار متر مكعب.ورغم ذلك لم ينتبهوا ! وحين واجهناهم بهذه الأرقام ابتداء من نهاية 2013 لم ينتبهوا، بل لم يعترفوا واتهمونا بأننا نسود الوضع. لقد أخبرتهم شخصيا وسلمت لهم وثائق مكتوبة بأن الأزمة ستنفجر في 2017 وستتعقد في 2018 وقد تتحول إلى فتنة في 2019 إن لم يتم الاستدراك، وأعطيناهم رؤية الحل كاملة: سياسيا واقتصاديا! ولكنهم رفضوا الحلول الحقيقية التوافقية واختاروا المغامرة بالطرق غير التقليدية ليبقوا وحدهم في الحكم والقرار، وعرضوا علينا أن نركب معهم في هوامش مراكبهم لنغرق معهم فلا يكون بديلا للجزائر أبدا.

وحينما هبطت الأسعار واصل إنتاج الجزائر من المحروقات تراجعه موازاة مع استقرار أسعار النفط العالمية عند أدنى مستوياتها. ووفقا للأرقام التي نشرت من قبل وزارة الطاقة في آخر سنة 2015  فقد سجل إنتاج الجزائر من الطاقة انخفاضا بنسبة 1.9 % خلال الأشهر التسعة الأولى من سنة 2015 حيث بلغ 112 مليون طن معادل للنفط خلال الفترة الممتدة من جانفي إلى سبتمبر من السنة الماضية.

والملاحظ أن هذا التراجع مس جميع أنواع المحروقات باستثناء غاز النفط المميع ، وفي ذات السياق عرف نشاط الاستكشاف تراجعا بنسبة 7 % في نشاطات الحفر والتنقيب خلال ذات الفترة. وفي الوقت الذي تراجع فيه الإنتاج الجزائري عرفت الأسواق العالمية معطيات جديدة في التنافسية حاصرت حصة الجزائر الغازية في مواجهة الغاز الروسي والقطري في السوق الأوربية، أو الحصة البترولية للبترول الجزائري الخفيف ”صحاري بلند” في مواجهة نفوط أخرى خفيفة، منها موربان الإماراتي وبوني لايت النيجيري والسيدر الليبي. رغم ذلك، وإلى هذا التاريخ لم يكن أحد من الحكام يعترف بالأزمة إلى أن وصل “الموس للعظم” كما قال أحدهم.

ورغم المجهودات المبذولة في رفع الإنتاج، خاصة بالنسبة للغاز، الذي قد يصل في أحسن الأحوال إلى ارتفاع للعرض بواحد تريليون قدم مكعب سنة 2018 حسب الوكالة الأمريكية للإعلام حول الطاقة بسبب المشاريع الغازية جنوب غرب البلاد فإن الجزائر لن تعود إلى مكانتها الدولية سواء بسبب صعوبة حصول الطفرة الإنتاجية كما ذكر الخبراء مرات ومرات ومنهم عبد المجيد عطار وزير سابق للطاقة ومدير عام سابق لسونطراك المشهور بكلمة ” لن تعرف الجزائر حاسي رمل آخر”، أو بسبب استقرار الأسعار في مستويات غير مناسبة للتحديات التنموية لأمد طويل، أو بسبب الاستهلاك المحلي الذي رغم حملات خفض الاستهلاك لا يزال الطلب الداخلي آخذا في الارتفاع، إذ وفق النشرات الرسمية المتعددة، قد زاد الطلب على المنتجات النفطية المكررة وبصفة رئيسية البنزين وزيت الديزل 5.5 في المائة إلى 18.3 مليون طن، بينما زاد استهلاك الغاز الطبيعي خمسة في المائة إلى 39.5 مليار متر مكعب.وارتفع الطلب على الكهرباء 8 % بين 2014 و 2015، وبشكل عام صرح الوزير السابق للطاقة والمناجم صالح خبري بأن استهلاك الطاقة انتقل من 30 مليون طن مكافئ بترول (TEP)  في سنة 2000 إلى 58 م م ب في سنة 2015 علاوة على الحجم الكبير للدعم الذي يأخذه السكان على المنتجات الهيدروكاربونية الذي وصل في حدود 2.22 مليار دولار أي ما يقارب 10.9 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي. بل قد وصل الحال بوزير الطاقة الحالي مصطفى غيطوني أن يصرح بوضوح بأن الجزائر لن تستطيع تصدير الغاز  في حدود 2023 والبترول في حدود سنة 2025، وهذا التصريح ليس بغرض التخويف فقط لتبرير استغلال الغاز الصخري، هذه المعطيات تحدث بها كثير من الخبراء منهم عبد المجيد عطار الوزير والمدير العام السابق لسونطراك، وكذلك وزير المالية السابق عبد اللطيف بن  أشنهو الذي أكد في كتابه ” الجزائر، الخروج من الأزمة الصادر” الصادر سنة 2015 أن الاستهلاك المحلي لن يمكن من تصدير البترول سنة 2022، وأن ما ينتج من الغاز سيستهلك محليا بنسبة 85 % ، وهي حالة كنت قد نبهت لها في كثير من الندوات والتجمعات وضربت على ذلك مثلا بأندنوسيا التي كانت مصدرة للطاقة ثم صارت مستوردة فكان بعض القريبين يهزؤون بنا.

لقد اعتمدت السياسية الاقتصادية للسلطة الحاكمة على استنزاف المقدرات الطاقوية بحجة تمويل برامج التنمية فلم يتحقق ذلك ولم يصل الشعب الجزائري إلى تحقيق طموحاته سوى بعض المنافع المؤقت والتحويلات الاجتماعية ودفوعات شراء السلم الاجتماعي الناجمة عن الوفرة المالية التي منها الاستهلاك الموسع للطاقة في بلد شاسع تعداد سكانه 40 مليونا. وها هو الشعب الجزائري يجد نفسه أمام مستقبل غامض مربوط بحلول خطرة وغير مأمونة وغير تقليدية كالإصدار النقدي دون تغطية واستغلال الغاز الصخري من عمق الصخرة السجيل.

لقد سبق لي أن ساهمت بمقالات عن الغاز الصخري وكذا العديد من المنشورات والتسجيلات بغرض التوعية العامة للجزائريين ومحاولة وقف المغامرة غير المحسوبة. بل أتيحت لي مرارا أن تحاورت مع مسؤولين بهذا الخصوص ومن ذلك النقاش الذي وقع بيني وبين وزير الصناعة والمناجم الحالي  يوسف يوسفي الذي دعاني لمكتبه حين كان وزيرا للطاقة  من أجل شرح أسباب التوجه نحو الغاز الصخري معتمدا في حجته على نضوب آبار الجزائر من الغاز والبترول إذ وصل به الأمر أن أخبرني بأن الجزائر قد لا تستطيع تجديد عقود تصدير الغاز للأوربيين بسبب عدم الوفرة وارتفاع الاحتياج المحلي، بل صرح لي بلا تردد بأنه لو كان الأمر له وحده لقرر من الآن وقف التصدير للأوربيين لضمان تغطية الاحتياج الوطني من الغاز. لقد ثمنت عاليا المجهود الحواري الذي انتهجه الوزير ولكنني قدرت بأنه كان يعظم علي الأمر لوقف مساهمة الحركة في معارضة الغاز الصخري ضمن تلك الحملة الكيبيرة التي كنا محورها ووقودها الأساسي مساندة للاحتجاجات الأساسية التي قام بها سكاننا في ولايات الجنوب.غير أن رجوع رئيس الوزراء الحالي إلى الحديث عن الطاقة غير التقليدية يتطلب الرجوع إلى التذكير بالمعطيات الأساسية التي تشكل الوعي والتي تشرح موقفنا السابق والثابت في الموضوع.

يحتل الغاز الصخري مكانة مهمة في الدراسات المستقبلية للأمم، فهو يمثل عنصرا أساسيا من حيث تأثيره المستقبلي على الخريطة الجيوسياسية المرتبطة بأسواق الطاقة العالمية. لقد ارتبطت الحضارة المعاصرة ارتباطا يكاد يكون كليا بالطاقة الأحفورية التقليدية غير المتجددة المتمثلة في البترول والغاز. إن كثيرا من العلاقات القائمة بين الأمم تؤثر فيها الطاقة بشكل أساسي، بل إن كثيرا من الحروب والتوترات والفتن وانتشار الإرهاب ومشاريع تغيير الجغرافيا والتوازنات الديموغرافية سببها مصادر وممرات نقل الطاقة. لهذا الاعتبار تعتبر تحولات الأسواق العالمية حاسمة في مصائر البلدان المنتجة والمستهلكة على السواء، فكلما كانت تلك التحولات عميقة ودائمة كانت التحولات الجيوسياسية جذرية وشاملة. وضمن هذا السياق تعتبر التحولات الكبرى التي عرفتها تقديرات استغلال الغاز الصخري في العالم مهمة جدا، من حيث ضخامة الاحتياطات ومن حيث التطورات التكنولوجية التي قرّبت إمكانية استغلال هذا الكنز الجديد.

لقد كانت المخزونات المعتبرة لهذا النوع من الطاقة معروفة منذ زمن طويل ولكن الذي استجدهو حصول تطورات في السوق الطاقوية العالمية ليست في مصلحة المستوردين وبلوغ التطورات التكنولوجية مستوى يسمح باستغلال الغاز الصخري وشروع الولايات الأمريكية المتحدة في الاستغلال الفعلي، مما أثار نقاشا واسعا في الساحة السياسية والعلمية والبرلمانات والحكومات ووسائل الإعلام والمجتمع المدني بين معارض ومؤيد.

تؤكد إدارة معلومات الطاقة الأمريكية(l’EIA) المتصلة بكتابة الدولة للطاقة في تقريرها السنوي 2013  وجود مخزونات ضخمة من الغاز الصخري في 41 دولة موجودة في مختلف قارات العالم قدرت ب 7.299 تريليون قدم مكعب أي في حدود 206 700 مليار م3 (1 قدم مكعب = 0.028317 م3، و1 تريليون = 1000 مليار)، قابلة تقنيا للاستخراج  أي ما يعادل 30 بالمائة من احتياطات الغاز عالميا، وتحتل الجزائر المرتبة الثالثة باحتياطي يقدر ب 707 تريليون قدم مكعب (19.800 مليار متر مكعب) بعد الصين ب 1115 تريليون قدم معكب والأرجنتين ب 802 تريليون قدم معكب وتأتي بعدها الولايات الأمريكية المتحدة في المرتبة الرابعة ب 665 تريليون قدم مكعب ثم على التوالي في المراتب العشر الأولى كندا والمكسيك واستراليا وافريقيا الجنوبية وروسيا والبرازيل.

سخر التقرير الذي أعدته إدارة معلومات الطاقة بالتعاون مع الشركة الأمريكية “أدفنسد ريزورس انترناشيونال” (Advanced Ressources International) ومؤسسة استشارة صناعة المحروقات على الصعيد الدولي عشر صفحات للجزائر تضمنت دراسة تقنية و جيولوجية مفصلة إلى جانب خارطة حول احتياطات المحروقات غير التقليدية للجزائر منها الأحواض السبعة التي يتوفر فيها الغاز الصخري وهي أحواض مويدير و أهنت و بركين-غدامس و تيميمون و رقان و تندوف. و أكد التقرير أن شركة سوناطراك باشرت جهودا معتبرة لتحديد حجم و نوعية مواردها من حيث الغاز و البترول الصخريين و إعداد قاعدة واسعة للمعطيات حول الأحواض الرئيسية للغاز الصخري في البلد.

ويشير التقريv إلى أن ثمة دولا لم تكن لها احتياطات مهمة من الغاز العادي وكانت دولا مستوردة تتوفرعلى كميات هائلة من احتياطات الغاز الصخري منها فرنسا وبولندا والبرازيل وجنوب افريقيا. وأما الدول التي شرعت في الاستغلال فهي الولايات الأمريكية المتحدة وكندا والصين. وقد بدأت الولايات الأمريكية المتحدة بالاستغلال سنة 1998 ، بلغ إنتاجها 730 مليار قدم مكعب في السنة أي 4 بالمائة من إنتاج الغاز الطبيعي، وفي 2010 وصل إلى 5000 مليار قدم مكعب أي ربع الإنتاج من الغاز الطبيعي ثم تجمد الإنتاج وعرفت الشركات البترولية هزات عنيفة بين 2015 و 2016 وتراجع جدوى استغلال الغاز الصخري. أما الصين فقد أنتجت 1.8 مليار قدم مكعب في 2012،  وكندا أنتجت في نفس السنة 1735.5 مليار قدم مكعب. وأمام هذه الاختراقات، خصوصا في أمريكا، بدأت عدد من الدول تتجه بحذر نحو الاستكشاف والاستغلال مثل بولونيا، المكسيك، الأرجنتين، كولومبيا، الأرجنتين، الإكواتور، أوكرانيا، الهند، أندنوسيا. وهناك بعض الدول تراجعت بسبب قلة الجدوى أو المخاوف البيئية وظهور معارضة برلمانية أو شعبية مثل بولونيا وجنوب افريقيا. وهناك دول منعت استعمال الغاز الصخري منعا قانونيا وهما فرنسا وألمانيا بسبب الكسر الهيدروجيني المهدد للبيئة.

تدل هذه المعطيات بأن الخارطة الجيوسياسية للطاقة ستتغير حينما تستغل كل الدول احتياطاتها المؤكدة من الغاز الصخري إذا تحكّم الجميع في التكنولوجيا على غرار الولايات الأمريكية المتحدة وإذا استبعدت المخاطر البيئية ووقعت التوافقات الوطنية حول استغلال هذا الغاز غير التقليدي.

لا شك أن كثيرا من المواطنين العاديين المتابعين للحراك السياسي لا يفهمون أسباب الاختلافات الجسيمة والتباينات الكبيرة بين السلطة والمعارضة في الجزائر بخصوص استغلال الغاز الصخري. ولتبسيط الفهم نبين معنى الغاز الصخري ورهانات استغلاله والتحديات والمخاطر التي يمثلها وما هو الرأي الحكيم الذي يجب أن تسير عليه الجزائر بهذا الخصوص.

أما عن معنى الغاز الصخري فهو  بالإجمال نفس الغاز الذي نسميه طبيعيا (الذي نستخرجه في حقول خاصة به، أو الذي نجده في آبار البترول في طبقة فوقه أو منحلا فيه) من حيث طبيعته ومكوناته واستعمالاته، وإنما الفرق في مكان وشكل تواجده وطريقة استخراجه، فهو يسمى غير تقليدي لهذه الأسباب وليس بسبب طبيعته. فالغاز الصخري أو الحجري أو الأردواز أو الشيست (ويسمى بالانجليزي  shale gas وبالفرنسي Gaz de schiste) هو غاز طبيعي يتولد داخل الصخور و يبقى حبيسا داخل تجويفات تلك الصخور التي لا تسمح بنفاذه، وعرف بـ”الشيست” لتواجده في صخورالشيست وهي صخور طينية ترسبية ذات مسام، وهي الفراغات الصغيرة بين حبات الصخر . والمسام في الشيست منعدمة النافذية أي أن الغاز منحبس فيها، فالغازات والسوائل الموجودة في داخلها لا تنساب خارجها، وهنا يكمن الفرق مع البترول الخام العادي والغاز الطبيعي اللذين يوجدان في صخور مسامية ذات نافذية، وصخور الشيست كامنة في جوف الأرض في عمق يصل إلى 4 و 5 آلاف متر

وبسبب أن الغاز الصخري ينشأ داخل الصخور ويبقى محبوسا داخل تجويفاتها (خلافا للغاز الطبيعي الموجود ضمن بقع مفتوحة واسعة يتجمع فوق طبقة البترول أو في وحده)  يتم استعمال تقنيات معقدة لاستخراجه تجمع بين الحفر الأفقي لمسافات كبيرة قد تصل 3 كيلومترات من أجل التوصل إلى أكبر مساحة أفقية ضمن الصخور ثم يشرع في تكسير تلك الصخور هيدروليكيا بضخ كميات كبيرة جدا من الماء ( 400 لتر في الثانية) ممزوج بالرمل والمواد الكيمياوية تحت ضغط عال جدا (600 بار) لتحطيم الصخور أو إحداث شقوق من مساماتها لتحرير الغاز المحبوس فيها. وتتطلب هذه التقنية حفر أعداد كبيرة جدا من الآبار العمويدية فإذا تم الحصول على الغاز يتم الحفر أفقيا لاستخراجه إلى سطح الأرض.

وتمثل هذه الطرق غير التقليدية في ثلاث تحديات كبرى هي:

ـ التحديات العلمية و التكنولوجية لتحديد الاحتياطات والخصائص الجيولوجية والتحكم في الاستكشاف والاستغلال. إلى الآن لا تزال تقديرات الاحتياطات تُراجع، والعديد من الدول حينما باشرت الاستكشاف أدركت أن تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية كانت مضخمة، ومن ذلك تراجع تقدير الاحتياطات في أمريكا نفسها ب 42%  بين احصائيات 2010 و 2013. وبسبب عدم الدقة في التقديرات تحققت خسائر كبيرة في الاستثمارات التي باشرتها بعض الدول مثل جنوب افريقيا التي راجعت فيها إدارة معلومات الطاقة احتياطاتها ب 20 % سنة بين 2011 و2013 وقدرت الوكالة البترولية لجنوب افريقيا الاحتياطات بأقل من ذلك بكثير. ونفس الشيء في بولونيا حيث قدر المعهد البولوني للجيولوجيا الاحتياطات 10 مرات أقل من تقديرات المؤسسة الأمريكية، وبالإضافة إلى الكمية المقدرة اتضح أن العوائق الجيولوجية والعمق الشديد للآبار مكلف جدا مما جعل عمالقة الشركات النفطية الأمريكية والفرنسية والبريطانية تراجعون عن الإنتاج في بولونيا. وقد جعلت هذه الاضطرابات في التقديرات وعدم التأكد من الخصائص الجيولوجية كثيرا من الدول تتريث في الاستغلال وتركز على الاستكشاف ومن هذه الدول الصين التي تملك أكبر مخزون من الغاز الصخري في العالم. وأما ما يتعلق بالتحكم في تقينات وآلات وآليات الحفر والاستكشاف والاستغلال فإنه لا تزال أمريكا هي المحتكر الأساسي لهذه التكنولوجيات ولا تزال كل الدول والشركات تعتمد عليها في التعامل مع احتياطاتها ويتطلب الأمر سنينا طويلة لتعميم التكنولوجيا وتوفر مصانع آلات الحفر بالقدر الكافي للطلب الدولي الكبير. وإذا تذكرنا المستوى المتدني للتطور التكنولويجي للجزائر فإن إنتاجها للغاز الصخري سيكون تحت رحمة الشركات البترولية الأجنبية وخصوصا الأمريكية خلافا لإنتاج الغاز الطبيعي ( وكذا البترول) الذي أضخت سونطراك بسبب طول الممارسة البترولية العريقة متحكمة في تقنياته ومتطلباته التكنلوجية إلى حد كبير، مما يجعلنا نعتقد بأن السيادة على إنتاج الغاز الصخري ستكون بعيدة إذا تم الاستعجال في التوجه لها كما سنبين لا حقا.

ـ التحديات المالية وإشكالية المردودية: قد أشرنا أعلاه بأنه يصعب تحديد دراسات الجدوى على أساس تحديد دقيق للاحتياطات القابلة للاستخراج بشكل آمن يحفظ الموارد المالية التي تستعمل في الاستثمار في هذا النوع غير التقليدي من المحروقات، وهناك مخاطرأخرى أكبر تتعلق بالمردودية حيث أن كلفة الإنتاج عالية جدا فالبئر غير التقليدية الواحدة تساوي بين 8 إلى 10 مليون دولار وكلفة البرميل الواحد انطلقت بأكثر من 50 دولارا. علما بأن فوارق الكلفة تتحكم فيها الطبائع الجيولوجية للحقول والتحكم التكنولوجي وهذا الذي بينته الدراسات الميدانية وفق مجلة كراريس وكالة الأنباء الجزائرية لجانفي 2015  نقلا عن دراسات أمريكية فعلى سبيل المثال جاء في المجلة أن البئر العمودي ب3.200 م متصل ببئر أفقي ب 1.200 متر يكلف 8 ملايين دولار في أمريكا وبين 14-16 مليون دولار في بولونيا، فكيف تكون الكلفة في الجزائر؟.

ولفهم مخاطر هذه المغامرة المالية  يجب أن نلقي نظرة على تجارب بعض الدول التي واجهتها مشاكل مردودية كبيرة بعد زهو كبير في البداية.

ـ نبدأ بالتجربة  الأمريكية التي تتوفر على كل الإمكانيات التكنولوجية والخبرة وعامل السبق بالنسبة لباقي العالم: حددت الولايات الأمريكية المتحددة هدفا واضحا مند سنوات للوصول إلى الاستقلالية التامة عن غيرها في مجال المحروقات والتحول إلى القوة الطاقوية الأولى في العالم، وأهم خيار كان بين يديها هو الغاز غير التقليدي (الوصول بين 2020-2025 أول منتج عالمي للمحروقات نصفها من الشيست). بالرغم من أنها حققت تطورا كبيرا في المجال التكنولوجي لاستغلال هذا الكنز الذي تحويه أراضيها بقي المشكل الكبير الذي يعيقها هو رؤوس الأموال حتى جاءت الطفرة البترولية التي تسبب فيها ارتفاع الطلب على الطاقة خاصة من الدول الصاعدة وعلى رأسها الصين فدعمت هذه الفرصة  بتعويم نقدي من خلال سياسة نقدية موسعة غير اعتبرها خبراء غير منطقية ارتكزت على الإصدار النقدي للدولار الأمريكي المستند هو ذاته على الإنتاج الأمريكي القوي والمتنوع. وفرت هذه الظروف المالية فرصة كبيرة للمؤسسات المشتغلة في مجال الطاقة للاتجاه إلى مزيد من الحفر غير التقليدي معتمدة على قروض ضخمة من المؤسسات المالية أخذت في التصاعد فزادت ثلاث مرات بين 2006 و 2014 وفق بنك التسويات الدولية الأمريكي ( من 1100 إلى 3000 مليار دولار) إضافة إلى عقود ائتمانية كبيرة من الخزينة الأمريكية . غير أن الانهيار الكبير لأسعار البترول والغاز في 2016 الذي وصل إلى 75 % بالنسبة ل 2014 ( 115.5 دولار في جوان 2014 و 27.8 دولار في جانفي 2016) أدخل شكوكا كبيرة لدى الدائنين أثر على الأسواق المالية التي اضطربت مؤشراتها ( سعر الفائدة، المؤشرات الائتمانية..)، فتراجعت دفوعات القروض بالثلث فتضررت شركات قطاع المحروقات واضطرت إلى خفض ميزانياتها وعمالتها ونفقاتها وباعت الكثير من موجوداتها ومنها الآلات التي اشترت الجزائر نصيبا منها، وحدّت من مشاريع الحفر وهناك قرابة  48  شركة أمريكية أفلست في الولايات الأمريكية المتحدة ولم ينجو إلا الشركات ذات القوة المالية الكبيرة بالرغم من الضرر الذي لحقها، سواء تلك التي عملت في أمريكا أو في بلدان أخرى.

مع هذه التحولات كادت تقع كارثة مالية عالمية أخرى أخطر من أزمة 2008 حيث أن القروض الائتمانية التي وجهت لقطاع البترول والغاز أكثر من التي توجهت للرهن العقاري ب25 % . ولو لا تحسن الأسعار بين 45 إلى 50 دولار منذ نوفمبر 2016 لأدى انفجار فقاعة غاز الشيست في نهاية 2015 وبداية 2016 إلى انهيار كبير في القطاع المالي تصل آثاره إلى العالم بأسره مثلما وقع مع انفجار فقاعة السوق العقاري التي لم تجد ما يحد آثارها سنة 2008 خلافا لفقاعة غاز الشيست.

يعتبر رقم 50 دولارا للبرميل هو الرقم السحري الذي جعل الشركات البترولية تسترجع الثقة في العودة إلى الاستثمار في الغاز الصخري وفق الموقع المتخصص ” سعر البرميل” (prixdubaril.com)،  حيث ارتفع الإنتاج الأمريكي في خريف 2016  من جديد بنسبة 6 %وهو يتجه حسب الكسندر آندلاور من مؤسسة ” ألفا فاليو” (Alpha value) للباحثين الأوربيين المستقلين لينمو بنصف برميل يوميا ( تنتج أمريكا 4.5 مليون  برميل يوميا من الشيست أي نصف إنتاجها الإجمالي تقريبا). إن سعر 50 دولارا للبرميل يساعد أمريكا دون غيرها لأنه لو ارتفع سعر الطاقة أكثر سيساعد ذلك الدول المنتجة للغاز والبترول التقليديين للاستثمار في الغاز والبترول غير التقليدين، فتُضيع أمريكا صدارتها لسوق الطاقة كما هو مخطط، ومع انتشار الاستغلال في كل العالم تنهار الأسعار من جديد فيصبح الاستثمار غير مجد. ولمعالجة هذه الدائرة الجهنمية تشتغل الولايات الأمريكية المتحدة بالاعتماد على قدراتها التكنولوجية على تقليص كلفة استخراج الغاز الصخري من ناحية الكلفة المالية وكلفة الوقت. لقد استطاعت الشركات الأمريكية أن تقلص من كلفة الإنتاج حتى لا يؤثر على مردودية إنتاج الغاز الصخري هبوط أسعار النفط في الأسواق العالمية فاستطاعت حسب وكالة بلونبرغ  (Bloomberg)  أن تصل إلى مردودية جيدة بسعر 50 دولارا بعد ما كان يجب أن يكون السعر في الحدود 70-80 دولار ، بل هناك بعض الحقول في ولاية داكوتا حسب الوكالة المذكورة أصبح الإنتاج فيها مجديا ب 45 دولار، وفي بعض حقول التكساس ب 25 دولارا. غير أنه بالرغم من أن هذه الشركات استطاعت أن تحقق في 2017 نتائج جيدة على مستوى الوقت ومردودية البئر الواحد لا تزال، حسب الخبراء منهم  أرتام أبراموف  من وكالة ريستاد إينرجي (Rystad Energy) مخاوف وتحديات تهددها إذ يعتبرون أن هذه العملية قد تكون ضحية نجاحها حين يصعب عليها الحصول على الموارد البشرية والمواد والآليات المتعددة المستعملة في زمن المنافسة التي قد ينشئها النجاح، علاوة على مفاجآت الصخرة الصلبة إذا كثر عليها التفجير في أعماق الأرض، تلك الصخرة التي لم تقل كلمتها إلى الآن.

وبالإضافة إلى أمريكا ثمة عدد من الدول اضطرت للتخلي عن استغلال الغاز الصخري ولو مؤقتا لأسباب اقتصادية، منها بولونيا التي تأكد جيولوجيوها بعد بداية الاستغلال بأن المردودية هي أقل مما صرحت به الإدارة الأمريكية لمعلومات الطاقة. تخلت شركات كثيرة عن رخص الاستغلال التي حصلت عليها في بولونيا منها شركات تالسمن وماراثون أويل وتوتال (Exxon, Talisman etMarathon Oil) وصرحت شركة توتال بأنه يجب اختبار 50 بئرا للتأكد من الجدوى و 300 بئر للتأكد من المردودية. وفي المملكة المتحدة لا تزال معركة المردودية قائمة رغم إصرار هذا البلد المتحرر من القيود البيئية الأوربية على المضي في مغامرة الغاز الصخري تأسيا بحليفته أمريكا، فقد صرحت شركة غاز فرنسا السويس ( GDF gaz de France Suez) الفرنسية المشتغلة في بريطانيا، أن سعر كلفة الغاز الصخري تتراوح بين 8 و 12 دولار/ مليون وحدة حرارية (8-12/ million BTU) في حين أن سعر الغاز في السوق الأوربية 10 دولارا. وعن الصين فبالرغم من أنها تملك أكبر احتياطي من الغاز الصخري ولها قدرات تكنولوجية هائلة وهي بلد في طليعة الدول المستهلكة للطاقة لا تزال تعتمد على استيراد الطاقة التقليدية بسبب قلة جدوى استغلال غازها الصخري في هذه المرحلة حيث عقدت اتفاقا مع روسيا لاستيراد ما قيمته 400 مليار دولار من الطاقة التقليدية خوفا من الخطأ في تحديد الاحتياطات وفي تقدير المردودية.

كل هذه الدول تملك إمكانيات مالية واقتصادية معتبرة وهي تعمل جاهدة على خفض الكلفة بالاعتماد على قدراتها العلمية والتكنولوجية الكبيرة.  أما الجزائر فهي لا تملك المقدرات المالية التي تمكنها من الاستثمار في هذا القطاع الجديد، ولا تملك الصلابة الاقتصادية التي تمكنها من تحمل هذه الكلفة الكبيرة أو الصمود في وجه الصدمات التي قد تتسبب فيها. ومن التحديات المالية والاقتصادية  التي تواجه استغلال الغاز الصخري في الجزائر ما يلي:

ـ يقدر الخبراء منهم نزيم زويوش المدير السابق لسونطراك ومحمد السعيد بغول الخبير في الطاقة والمدير السابق لقسم الاستكشاف بسونطراك أن تكلفة حفر بئر واحدة في الجزائر لاستخراج 50 مليون متر مكعب سنويا  تصل إلى 20 مليون دولار في الجهة الشرقية من الصحراء حيث يعتقد تمركز الغاز الصخري، مما يجعل سعر الغاز حسب بغول في حدود 15 دولار / مليون و ح ب (15 dollars/million BTU) بالنسبة للغاز الخام و20 بالنسبة للمسال في حين أننا نجد صعوبة كبيرة في بيع الغاز الطبيعي في الأسواق الأوربية ب 10 دولار/ مليون وح ب خصوصا مع دخول منافسين جدد يعرضون أسعارا تنافسية كقطر وأستراليا (بغلول).

ـ من خصائص الغاز الصخري أن مردودية البئر تتراجع ب 50 % منذ العام الأول ضمن الظروف الأمريكية المثالية التي تستطيع استرجاع المخلفات بنسبة 40 %، فقد تتبع الخبير الاقتصادي الجزائري فرحات آيت علي النشرات الإنتاجية للغاز الصخري التي  أصدرتها الوكالة الأمريكية للطاقة فرسم جدولا بين فيه أن في السنة الأولى ينتج البئر الواحد 650.000.000 قدم مكعب بمردودية مالية في حدود 3.068.064 دولار وينزل في العام الأول إلى 300.000.000 قدم مكعب بمردودية في حدود 3.416.029 دولار وفي العام العشرين من عمره يصبح إنتاجه 40.000.000 بمردودية في حدود 188.804 دولار، فكيف بوضع الجزائر التي لا يستطيع البئر الواحد إنتاج ما ينتجه البئر الأمريكي للأسباب التي ذكرناها أعلاه وقدرة الاسترجاع عندنا لا تتجاوز 15 %.

ـ للوصول لوتيرة إنتاج 50 مليار متر مكعب في السنة لمدة عشرين السنة كما تريد الحكومة يجب حفر 10 آلاف بئر في العشرين سنة المقبلة، وقد أكد عطار وزويوش لجريدة الخبر أن  عطار وزويوش إلى أن الولايات المتحدة قامت باستغلال الغاز الصخري بحفر 45 ألف بئر، وإجمالا تم تسجيل حفر أكثر من 500 ألف بئر صغير ومتوسط وكبير منذ 2004، بينما قمنا نحن في مجال المحروقات ككل بحفر 12 ألف بئر منذ الاستقلال، مشيرين إلى أن المشكل المطروح لاستغلال الغاز الصخري هو المساحات التي يتطلبها ذلك، فضلا عن ضرورة تجنيد موارد مالية معتبرة.

ـ للجزائر إكراهات جيولوجية خاصة بها وفق ما يؤكده الخبراء الجزائريون منهم د. محمد السعيد بغول لذي يعتبر أن خصائص الصخرة الصلبة التي تكونت من الطمي ليست لها الخصائص المعدنية لنجاح التكسير الهيدروليكي بسبب نقص تركيبها الجيولوجي من المعادن المُكسِرة، و هذه الطبيعية اللينة القابلة لانتفاخ – كما يقول –  يعرفها خبراء سونطراك وعانوا منها في الآبار التقليدية، وفي نفس الوقت يعتبر بغول  أن مؤشر إنتاجية الغاز ضعيف داخل الصخر الشيستي بسبب التمركز الضعيف للغاز الذي هاجر من هذه الصخور قبل 150 مليون سنة لملء الحقول التقليدية التي نستعملها.

ـ الكلفة التكنولوجية  حيث أن الجزائر ستكون مضطرة إلى استيراد مئات الأجهزة بشكل غير منقطع لإمداد الحفارين ( يجب 100 آلة لتحقيق ما ينتج بآلة واحدة للغاز العادي) وهذا يتطلب ميزانيات كبيرة لا تتوفر للجزائر بالنظر للأزمة المالية التي تعيشها، مع أخذ بعين الاعتبار غياب  الكفاءة  والمرونة الإدارية والجمركية للتعامل مع هذا الحفل غير المنقطع من البضائع المستوردة.

ـ غياب الموارد البشرية المؤهلة لاستعمال هذه التكنولوجيات الجديدة وفق ما يؤكده شمس الدين شيتور مدير مخبر الطاقات المتجددة ومستشار رئيس الورزاء السابق. لا شك أن نوعية وكثافة الآبار التي يجب حفرها تمثل تحديا  يتطلب كلفة مالية كبيرة لشراء المعرفة والتجربة، وكذا يتطلب الأمرتوفير ظروف ومؤسسات التكوين المناسبة لتأهيل مهندسين وتقنيين سامين في ميادين الجيولوجيا والجيوفيزياء والتنقيب والميكانيك والإلكترونيك و خبراء البيئة بما يتوافق مع متطلبات استغلال الغاز الصخري.

لم نسمع من الحكومة أي حديث عن كيفية رفع هذه التحديات سوى الاستعداد لتعديل قانون المحروقات بما يجعله أكثر جذبا للمستثمرين. ويعتبر هذا التعديل نسخة جديدة لتعديل مارس 2013 الذي لم تحفز الامتيازات التي عرضها الشركات البترولية، وقد اتضح ذلك بعد فشل عملية فتح الأظرفة في 30 سبتمبر 2014 على إثر قرار رئيس الجمهورية التوجه لاستغلال الغاز الصخري في مجلس الوزراء الذي انعقد 21 ماي 2014 إذ من بين 31 موقعا عرض على المستثمرين لم يتم أخذ سوى أربعة من شركات تعرف الساحة الجزائرية (Repsol, Shell, Statoil)، لم تتحفز أي منها لاستغلال الغاز الصخري مما جعل الرئيس يشير إلى تجميده في جانفي 2015. وحسب وزير الطاقة سيوفر التعديل القادم امتيازات ضريبية كبيرة، وقد يكون المقصود إلغاء الضريبة على الأرباح الاستثنائية التي اشتكت منها الشركات البترولية والتي لجأت بشأنها شركة توتال الفرنسية لمقاضات الجزائر عن طريق التحكيم الدولي، ويشير هذا إلى أن الحكومة تعتزم تسليم الأرض للشركات التي تقبل الاستثمار ضمن الوضع الجديد مع اقتسام الريع على قاعدة 51/49 التي لا يظهر أنها معنية بالتغيير حسب تصريح رئيس الوزراء. والذي يتضح جليا من خلال مخاطر المردودية العالية لا يتوقع أن الجزائر ستجد شركات كبيرة تقبل الاستثمار الجاد في حقول غاز الشيست الجزائرية رغم التخفيف الضريبي لأنها تعرف القدرات المالية لبلادنا وأنها لن تستفيد من الضمانات الائتمانية كالتي توفرها الخزينة الأمريكية للمستثمرين في أمريكا ضمن خطة الريادة الطاقوية. ربما ستُقدم بعض الشركات، خصوصا الصغيرة منها، على المجيئ للجزائر لتعويض الهزات المالية التي تعرضت لها في بلادها في انفجار فقاعة غاز الشيست حين هبطت أسعار المحروقات في 2014-2015-2016  في السوق العالمية، وقد يكون رهانها الأول ليس النجاح في الاستغلال ولكن لتحقيق أرباح كبيرة من بيع معدات أدوات ومواد الحفر والإدارة المرافقة، وقد يتدخل الفساد مع مسؤولين جزائريين لتسيير هذا الخداع الكبير. ومن مؤشرات عدم حماسة الشركات الأمريكية للاستثمار في الغاز الصخري الجزائري عدم الاهتمام بزيارة وزير الطاقة والمناجم السابق السيد نور الدين بوطرفة لأمريكا في ديسمبر 2016 إذ لم يظهر معه أي مسؤول مهم، عكس سنة 2013 التي كان فيها وهم الغاز الصخري مسيطرا فأرسل أوباما وزيره للطاقة للجزائر ثلاث.

إن الذي يجب الانتباه إليه في هذا الصدد مما صار واضحا للمهتمين والمتابعين أن الولايات الأمريكية المتحدة تتجه نحو تحقيق مردودية الغاز والنفط الصخريين في أمريكا وبالتكنولوجية الأمريكية وأن ريادتها لسوق الطاقة يكون باحتكارها لإنتاج الطاقة غير التقليدية لأطول فترة ممكنة تحقق فيها مكاسب مالية واقتصادية خيالية، فيبدو فعلا بأن إنتاج الغاز الصخري في هذه المرحلة سيكون أمريكيا على الأرض الأمريكية. ولا يتصور حسب ما ذهب إليه الخبير الاقتصادي ورئيس الحكومة السابق بن بيتور عبى قناة البلاد بأن أمريكا تسمح بسهولة للجزائر باستغلال احتياطها الكبير من الغاز الصخري في هذه المرحلة.

ـ التحديات البيئية: بالإضافة إلى الشكوك الكبيرة في مردودية استغلال الغاز الصخري ثمة مخاطر أخرى أكثر أهمية وهي المخاطر البيئية ، فلئن كانت التحديات الاقتصادية والمالية ضاغطة على أصحاب القرار ومسؤولو الشركات البترولية الذين سيتوقفون عن الإنتاج بإرادتهم إن تأكدت عدم المردودية كما وقع في السنوات الأخيرة في العديد من الدول وفي أمريكا ذاتها حين انهارت أسعار المحروقات، فإن المخاطر البيئية تهم السكان الذين لا يملكون اتخاذ القرار إلا بقدر تأثيرهم على المسؤولين من خلال الضغط عليهم عبر المجتمع المدني ووسائل الإعلام والبرلمانيين المقتنعين بالمخاطر البيئية، فقد رأينا في الولايات الأمريكية شركات استمرت في استغلال الغاز الصخري رغم الآثار السيئة على السكان مثل ما وقع في بنسيلفانيا على سبيل المثال. فالمستثرون لا تهمهم إلا الأرباح والحكام يبحثون دائما عن الحلول السهلة الآنية إذا أتيحت ولم يجدوا مقاومة مجتمعية، ولو على حساب البيئة والمستقبل كما هو حال الرئيس الأمريكي ترامب الذي رجع لدعم شركات التنقيب عن البترول وغاز الشيست دون مراعاة لاحتجاجات السكان والمدافعين عن البيئة . لقد تشكلت حركة واسعة في الجزائر ضد الغاز الصخري، تجند لها مناضلون مدنيون في العديد من ولايات الجنوب بأشكال احتجاجية عديدة، وساندتهم في نضالهم أحزاب وشخصيات المعارضة، اعتبرت القضية قضيتهم كذلك، من خلال تنظيم العديد من الندوات وإصدار البيانات وتنظيم مسيرات ووقفات في كل ولايات الوطن، غير أن كل هذا لم يكن هو السبب الحقيقي الذي جعل الحكومة توقف الاستغلال، وإنما كان السبب الأساسي هو تأكد عدم المردودية، خصوصا بعد ان انهارت أسعار المحروقات. ولو تفحص المسؤولون طبيعة الأخطار البيئية في الجزائر الناجمة عن الغاز الضخري لما حاولوا الاستغلال في هذه المرحلة إذا كانت لهم ضمائر وحرص على مصير السكان ومستقبل الطبيعة في الجزائر ، ومن هذه الآثار ما يلي:

ـ  مخاطر تعرض المياه الجوفية الموجودة في المناطق التي تتوفر على احتياطات الغاز الصخري في الجنوب الجزائري للتلوث، علما بأن الجزائر تنعم بالكمية الأوفر من المياه الألبية التي نتقاسمها مع ليبيا وتونس، واستغلال الغاز الصخري يتسبب في تلويث هذه المياه بسبب تسرب انبعاثات غاز الميثان والمواد الكيمياوية التي تضاف إلى الماء والرمل بغرض التكسير الهيدروليكي للصخور (أكد تقرير رسمي لمجلس النواب الأمريكي حسب جريدة لوموند الالكترونية في 19-04-2011 أن التكسير الهيدروليكي الذي تم بين 2005 و 2009 من قبل 14 شركة تم فيه استعمال 750 مادة كيمياوية 29 منها مسرطنة، وهناك مواد رفضت الشركات البوح عنها بحجة حق سرية الابتكار). والتطمينات التي يقدمها المسؤولون الجزائريون غير كافية حين يقولون بأن التكسير يكون بعيدا تحت أماكن المياه الجوفية وأنهم سيستعملون الاسمنت لتدعيم الآبار بشكل حلقي، أي يقومون بصب الاسمنت بين الصخور وبطانة جدار البئر لمنع التلوث. إن استغلال الغاز الصخري يتطلب حفر آبار بالآلاف مما يجعل المرور على المياه الجوفية في مواقع نقائها بمواد دخيلة تحمل التلوث آلاف المرات بما يعظم احتمالات الانشقاقات والتسربات الملوثة أثناء دخولها أو استرجاعها. كما أن كميات الأسمنت التي يتطلب استعمالها ضخمة جدا والتعامل معها ليس بالأمر الهين. علاوة على أن المياه الملوثة بالمواد الكيمياوية لا يتم استجاع إلا جزء منها والباقي يبقى داخل الصخور وقد تتسرب في أي وقت إذا حدثت أنشطة زلزالية تحرك الصخور.

ـ يتطلب التكسير الهيدروليكي كميات كبيرة جدا من المياه وقد قدر الخبراء أن البئر الواحد يلزم 10 – 20 ألف متر مكعب، وقد صرح المسؤولون بأنهم سيوفرون المياه المطلوبة في التكسير الهدروليكي من المياه الجوفية في المنطقة وأن تلك المياه قليلة بالنسبة لضخامة المخزوم الألبي، رغم علمهم أن هذه المناطق جافة وذات مستويات عالية من الإجهاد المائي بما لا يسمح بتجديد المياه الجوفية، فكيف يمكن المجازفة بثروة مائية مؤكدة وغير متجددة، من أجل ثروة غير مؤكدة المردويدة. كيف نفرط في الماء الذي هو الحياة والذي سيكون موضع تحولات جيوسياسية وهجرات سكانية وتطورات ديموغرافية كبيرة من أجل مغامرة لا يستطيع أحد ضمان عواقبها؟ كيف يستطيع نظام سياسي أن يقرر مصير الإنسان والطبيعة والتوازن البيئي بهذه السهولة وهذا الاستعجال؟ كيف نفرط في الفلاحة التي تحتاج إلى هذا الماء، والتي هي قاعدة التنمية ورمز سيادة الأمم من أجل تكرار تجربة البحث عن المال السهل الفاشلة التي أوصلتنا إلى ما نحن عليه؟ . أما عن الحديث الذي يقدمه المسؤولون عن استرجاع المياه ومعالجتها فهو  حديث لا معنى له، فلو كانت الجزائر لها الامكانيات المالية لمعالجة المياه لعالجت مياه البحر لأغراض الشرب بالقدر الكافي. وحتى وإن عولجت المياه المسترجعة فماذا عن كثيرها الذي يبقى في جوف الأرض ملوثا؟

ـ تلويث سطح الأرض بالمياه المرتجعة الملوثة بالمواد الكيمياوية التي يتطلب معالجتها سرعة كبيرة وإمكانيات معتبرة وهو أمر يصعب تصوره في الجزائر وستكون النتيجة هي تلويث التربة والإضرار بالثروات الحيوانية والنباتية والمائية القريبة من السطح.

ـ انبعاثات غاز الميثان المكون الأساسي للغاز الطبيعي والذي يعتبر من أكبر المواد المسببة في الاحتباس الحضاري وتسربه في الهواء بالنسبة للغاز الصخري أكثر من الغاز الطبيعي بنسبة 200 % .

ـ زيادة النشاط الزلزالي بسبب التكسير الهيدروليكي، وقد أكدت ذلك دراسات رسمية في أمريكا وكندا من حيث ازدياد الهزات الأرضية في المناطق التي تم فيها التفجير التكسير الهيدروليكي، مع التأكيد بأن كثرة تكسير الصخور في عمق الأرض قد يؤدي إلى انزلاقات أرضية كبيرة بسبب الزعزعة غير الطبيعية للطبقات الأرضية.

الخلاصة:

لا شك أن الغاز الصخري ثروة مهمة للجزائر باعتبار الوفرة التي ننعم بها والتي قد تتحول إلى كنز كبير يحفظ الجزائر في المستقبل ويساهم في صناعة نهضتها، والتفكير في استغلال هذه الثروة والاهتمام بها أمر طبيعي لا حرج فيه بل ذلك هو المطلوب. غير أن الظروف المالية والتكنولوجية غير متوفرة للجزائر لاتخاذ قرار مستعجل في هذه المرحلة. وبسبب المخاطر الكبيرة التي تتعلق بالمردودية من حيث الدراسات العلمية والتجربة العملية في العديد من البلدان يصبح الإنفاق الضخم المطلوب في الاستثمار في الغاز الصخري تفريط في حق المقدرات المالية المتبقية للجزائر بعد التفريط الكبير في احتياطات البترول والغاز التقليديين واستنزافها في السنوات 16 الماضية بدون تحقيق نتائج مكافئة في التنمية الاقتصادية.  كما أن تعريض مقدراتنا المائية الجوفية في الجنوب للخطر بالاستغلال المفرط والتلويث في التكسير الهيدروليكي لصخور الشيست قبل وصول التطور العلمي الذي يجنب ذلك بشكل مؤكد هو تفريط في الثروة المائية التي نحن في أمس الحاجة إليها للشرب والفلاحة وتحقيق التنمية في جنوبنا الكبير لصالح سكان المنطقة وللجزائر كلها ولجيراننا. كما أن قرار استغلال الغاز الصخري قرار كبير يهم جميع المواطنين والأجيال المستقبلية فلا يحق للسلطة الحاكمة أن تستفرد به دون رأي سكان الجنوب، خصوصا أنهم هم من  يتحمل العبء البيئي أكثر من غيرهم ودون حوار سياسي ومجتمعي في الجزائر كلها. وعليه فإن القرار الحكيم بخصوص الغاز الصخري هو الاكتفاء بالدراسات ومعرفة الاحتياطات والطبيعة الجيولوجية للحقول وتقدير المردودية والمخاطر البيئية بدقة وتأهيل الموارد البشرية ومحاولة الوصول إلى التحكم التكنولوجي وتأجيل الاستغلال إلى أن تتطور التكنولوجية ويتم تعميمها ويصبح اقتناؤها أرخص والمخاطر البيئية منعدمة. مع التخلي عن النظرة الريعية للغاز الصخري بسبب توفره في مختلف أنحاء الأرض، والتوجه نحو استراتيجة الطاقوية جديدة تقوم على ترشيد الاستهلاك وتنويع المصادر الطاقوية والاعتماد على قيمة العمل في إنشاء الثروة وتحقيق التنمية الاقتصادية، وكل هذا يتطلب الحكم الراشد الذي أساسه الرقابة والمساءلة والديمقراطية والتداول السلمي.

وبخصوص قانون المحروقات التي قررت الحكومة مراجعته والذي سيركز على التخفيف الضريبي دون المساس بقاعدة 49/51 فإن الجدير بالتنبيه أنه يصعب إقناع الشركات البترولية الأجنبية ولو انعدمت الضريبة كلية بسبب عدم اليقين في المردودية، لا سيما وأن استغلال الغاز الصخري في هذه المرحلة صنعة أمريكية بتكنولوجية أمريكية وتريدها الولايات الأمريكية المتحدة أن تبقى أمريكية وتطبق على الأرض الأمريكية لأطول وقت ممكن لتحقيق الرؤية الأمريكية لتحقيق الاستقلالية الطاقوية والريادة في الأسواق العالمية. فإن قبلت بعض الشركات الأمريكية المجيئ للجزائر فبغرض الاستثمار في المواد والآلات أكثر من الإنتاج غير المأمون، وقد تقبل بعض الشركات الأخرى – لا سيما غير الأمريكية – أن تأتي لجزائر لاستغلال الحقول الجزائرية للتجربة وتطوير قدراتها العلمية في الاستكشاف والإنتاج على حساب توازننا البيئي وبأموالنا ومائنا، وحين يقع التطور التكتنولوجي فتتحقق المردودية ويقل الخطر البيئي بعد سنوات يتجه العالم بأسره لإنتاج الغاز الصخري فلا يصبح ريعا أو مادة ذات جدوى تجارية وإنما يستعمل للأغراض المحلية في مختلف البلدان، وأي استثمار كبير في هذا الموضوع من الجزائر  في هذه المرحلة هو لمصلحة الآخرين وليس لمصلحتنا، لمصلحتهم في المستقبل بعد أن خدمنا حاضرهم بتحريك مصانعهم وفلاحتهم بوارداتنا الضخمة من سلعهم بأموال البترول والغاز.

ــــــــــــــــــــــــ

المقالات السابقة:
المقال (5): ردود على ردود.

 

تعليق