هذا القانون هو امتدادٌ للقوانين السابقة الخطيرة والمثيرة للجدل، والتي أوصلتنا إلى هذه الوضعية المالية الصّعبة، وإلى هذه الأزمة الاقتصادية المزمنة والمعقّدة، ويبقى الإصرار دائمًا على تحميل المسؤولية في ذلك إلى العامل الخارجي، وهو عدم استقرار أسعار البترول، ابتداءً من منتصف سنة: 2014م، مما أخلّ بالتوازنات المالية للدولة؟.

ويعترف مشروع هذا القانون بالمخاطر المحتملة على الاقتصاد الوطني، والتي تضعِف توازنه الكلّي والمالي بسبب: استقرار أسعار النّفط بين: 40 و 50 دولار بفعل انخفاض الطلب العالمي وارتفاع إنتاج الغاز الصّخري، وبسبب استمرار انخفاض الموارد المالية الداخلية المخصصة للاستثمار، والتي تؤخّر إنجاز المشاريع الهيكلية، وبسبب استقرار فاتورة الواردات في السّلع والخدمات عند مستوى: 60 مليار دولار مما يؤثر على تآكل احتياطي الصّرف.

كلُّ ذلك سيؤدّي إلى: اللّجوء إلى المديونية الخارجية وسلبياتها، وإلى التباطؤ في تنفيذ الإصلاحات، بسبب تكاليفها المالية والاقتصادية والاجتماعية.

وكغيره من مشاريع قوانين المالية، والتي تُدبّج بأهدافٍ نظرية، وهي أهدافٌ غير واقعية، ولا تزال مجرد شعاراتٍ فارغة، للمزايدة السياسوية أكثر منها لتحقيق رؤيةٍ اقتصاديةٍ حقيقية، وهي لبيع الوَهم، وشراء السّلم الاجتماعي، وتأمين مرحلة ما قبل: 2019م فقط، وهي مخالفةٌ لتقديرات وتوقّعات المؤسسات الدولية، ومن هذه الأهداف:

 1/ تحقيق تطلعات الشّعب الاجتماعية: بالمزايدة دائما بشعار المحافظة على البُعد الاجتماعي للدولة، وهو لا يتحقق بالحشد والحجم الكبير للتحويلات الاجتماعية، بقدر ما يتحقق بتجسيد العدالة الاجتماعية في التوزيع، وذهابها إلى مستحقيها في السّكن والتعليم والصّحة وذوي الحقوق والاحتياجات الخاصة.

2/ رفع نسبة النمو: والتي يتوقّعها هذا المشروع في حدود: 4 بالمائة، وهو معدّلٌ عالٍ، ومخالِفٌ لتوقعات المؤسسات الدولية، والتي تقدّره بـ: 0.8 بالمائة فقط، مع التذكير بأنّ جميع التوقعات لنسبة النّمو في قوانين المالية السابقة مبالغٌ فيها، ولم تتحقق أبدًا، لكونها تقديراتٌ وهميةٌ، وتتجاوز الحقائق والقدرات الفعلية للاقتصاد الوطني.

3/ استحداث مناصب الشغل: مع أنّ معدلات البطالة تتزايد، ولم يتم الحديث عن هذا المؤشر بالأرقام في هذا المشروع، فكيف يتحقّق مع تخفيض وتسقيف نفقات التسيير؟ والجميع يعلم أنّ معدّلات البطالة متزايدة من سنةٍ إلى أخرى، فهو هدفٌ غير واقعي، لعدم فتح مناصب الشغل، وتوقيف التوظيف في العديد من القطاعات، وأنّ قدرات القطاع الخاص محدودةٌ في ذلك.

4/ تنويع الاقتصاد الوطني: وهذا الهدف مجردُ أملٍ وأمنيةٍ منذ الاستقلال، وطموحاتُ تحقيقها لا تزال بعيدة، فلا زلنا في ارتباطٍ مزمنٍ بالمحروقات، مع الإصرار على الذّهاب إلى الغاز الصّخري مجدّدًا، كما أنّ هذا القانون لم يشر إلى أيّ بُعدٍ اقتصاديٍّ، بالتوجّه نحو القطاعات المرتبطة بالاقتصاديات البديلة، وإنما هو قانونٌ جبائيٌّ للّهث وراء السيولة، فهو مملوءٌ بالعديد من العقوبات (الغرامات).

وحسب الظروف الاقتصادية والمؤشرات المالية، فهناك هشاشةٌ ماليةٌ كبيرة للبلاد، بسبب الارتباط المزمن بالمحروقات، مع عدم التركيز على البُعد الاقتصادي للقانون، بقدر ما يركّز على البُعد المالي والتحصيل الجبائي واللّهث وراء السّيولة النّقدية، في ظلّ الرّكود الاقتصادي العالمي، الذي تبقى آفاقه مبهمة بين التقهقر والمعافاة، وهو ما يؤثّر على حجم الصادرات الجزائرية وأسعار المحروقات.

كما أنّ اعتماد  السّعر المرجعي بـ: 50 دولار لبرميل النفط، وهو سعرٌ لا ينسجم مع التوقعات الحقيقية للسّعر الفعلي له في الأسواق العالمية المتقلّبة، وهو أقلّ ممّا يحقّق توازن الميزانية (في حدود: 70 دولار). وأنّ سعر صرف الدينار المقدّر في القانون بـ: 115 دينار للدولار واحد، هو غيرُ واقعيٍّ وغيرُ صحيح، والذي يصل في السوق السّوداء إلى: 173 دينار للدولار الواحد، كما أنّ التآكل المستمر لاحتياطي الصرف قد يصل إلى: 70 مليار دولار نهاية 2018م، يفقد العملة الوطنية عاملا أساسيًّا لاستقرارها.

فرغم الاحتياطي المتنامي للصّرف منذ سنة: 2000م إلاّ أنّ قيمة الدينار تتراجع باستمرار (انتقل من: 70 دينار للدولار إلى: 115 دينار للدولار) فيكف يستقرّ في ظلّ هذا التآكل الرّهيب له، وهو يؤثر بشكلٍ مباشرٍ على القدرة الشرائية للمواطن، سواءٌ لاقتناء السّلع المستوردة أو السّلع الوطنية، التي تستعمل مدخلات السّلع المستوردة، كما يؤثّر سلبًا على قدرات الدولة على الاستيراد (سواءٌ المواد الاستهلاكية الأساسية أو احتياجات القطاع الإنتاجي).

إنّ الزّيادة في نفقات التجهيز والمفاخرة بها هي مهمّةٌ إذا كانت مصحوبةٌ بحركيةٍ اقتصاديةٍ خالقةٍ للثروة، وموفّرةٍ لمناصب الشغل، ومموّلةٍ للخزينة العمومية، ومدعّمةٍ للميزان التجاري، وإلاّ فلا معنى للبُنَى التحتية بدون استثماراتٍ حقيقية، وما هي – في الأخير – إلاّ هَدْرٌ للمال العام.

كما أنّ التراجع في ميزانية التسيير، والتي تُقدّر بحوالي: 4584  مليار ديناري (تراجعت بـ: 07 مليار دينار)، هو إجراءٌ صحيحٌ إذا كان – كما هو معلّلٌ – بغرض ترشيد النّفقات وبالتقدير الحقيقي للاحتياجات، وهو اعترافٌ ضمنيٌّ بعدم الرّشد وسوء التقدير في قوانين المالية السابقة، وهو بالمقابل يثير المخاوف من ارتفاع نسبة البطالة والتراجع في التوظيف وعدم التعويض للموقّفين والمسرّحين والمتقاعدين (يتمّ تعويض: 01 من أصل: 05 فقط).

سيسجّل عجز ميزانية الدولة خلال سنة: 2018م ارتفاعًا يفوق نسبة:  %100، مقارنة مع العجز المتوقّع نهاية: 2017م، والذي بلغ: 2106.1 مليار دينار، بفعل الارتفاع الكبير في نفقات التجهيز، وهو ما يكشف عن مدى احتياج الحكومة إلى طبع وإصدار النقود لتغطية مصاريف الدولة، عن طريق التمويل غير التقليدي، لكنّ الغريب في هذا المشروع أنه لم يتحدّث في باب الإيرادات عن هذا المصدر الجديد، بالرغم من المصادقة على قانون النّقد والقرض، والذي جاءت به الحكومة في حالة الاستعجال، وهو ما يطعن في المصداقية والشفافية في تحصيل وصرف المال العام.

وبالرّغم من اللجوء إلى التمويل غير التقليدي (الاستدانة الداخلية المباشرة)، بعد استنفاذ كل الطرق التقليدية لتغطية عجز الميزانية منها: تسبيقات من البنك المركزي لصالح الخزينة العمومية (276 مليار دينار سنة: 2016م، و: 280 مليار دينار سنة: 2017م)، وكذا فوائد البنك المركزي التي دُفعت كذلك للخزينة (610 مليار دينار سنة: 2016م، و: 910 مليار دينار سنة: 2017م)، إلاّ أنّ ذلك لم يمنع الحكومة من الذّهاب إلى المزيد من الضرائب والزّيادات، والتي تهزّ الجبهة الاجتماعية، وتغتال تلك المكتسبات ودعاوى المحافظة على الطابع الاجتماعي للدولة، ومنها: فرضُ زياداتٍ وضرائبٍ جديدةٍ لتمويل الخزينة العمومية، مثل: فرضُ رسمٍ على متعاملي الهاتف النّقال، سيدفعهم إلى الزّيادة في تسعيرة المكالمات.

ورَسْمٍ على مختلف أنواع الوقود، لتصبح بداية شهر جانفي المقبل في مستوى: 38.64 دينار للبنزين العادي (زيادة: 06 دج للتر)، و: 41.67 دينار للبنزين الممتاز، و: 41.28 للبنزين دون رصاص، و: 22.80 بالنسبة للمازوت (زيادة: 02 دج للتر) من أجل تحصيل: 61  مليار دينار، وهو ما سيؤثّر مباشرةً في كلّ الزّيادات على تكلفة الإنتاج وارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية.

كما سيتم إعادة النّظر في الرّسم على الاستهلاك الذّاتي للطاقة برفعه بنسبة: 50 بالمائة، ويتمّ مراجعة رفع التعريفات الخاصة بمجمل الرّسوم الموجّهة للحفاظ على البيئة (رفع الرسوم على النشاطات الملوثة والمياه الصناعية المستعملة والزيوت المستعملة والأكياس البلاستيكية)، وفرضِ ضريبةٍ على الثروة، والتي سيخضع لها الأشخاص الحائزون على ثروة تتجاوز قيمتها: 50 مليون دينار جزائري (05 ملايير سنتيم)، واحتفاظ الموثق بكامل قيمة صفقة البيع والشراء المبرمة عنده (بدل الخمس)، يتمّ سحبها بعد مدة شهرين، تبعًا لإجراء مصالح الضرائب للتحقيق والتدقيق بخصوص المتعاقدين، وهذا الإجراء فيه ظلمٌ، فبأيِّ حقٍّ يتمّ حجز هذه الأموال كلّ هذه المدة لصالح الخزينة؟

وهو ما يجعل الفئات الضعيفة والأجيرة هي مَن تتحمّل هذه الأعباء (الضرائب المباشرة أو غير المباشرة على الدّخل والاستهلاك، وضرائب التسجيل والطابع)، مما يؤدّي إلى هشاشة الوضع الاجتماعي، والذّهاب رأسًا إلى انهياراتٍ وتوتّراتٍ اجتماعية وأمنية خطيرة، تتحمّل هذه الحكومة والأغلبية البرلمانية من أحزاب الموالاة مسؤولية هذه النتائج الكارثية.

تعليق