بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله .

14/البديل (6)

 الانتقال الطاقوي هو الحل

مقدمة:

إن كان ثمة أمر من الأمور يتفق عليه الجميع في الجزائر فهي الآفاق المستقبلية المقلقة المتعلقة بالأمن الطاقوي التي تنتظر الجزائر في آفاق 2030، والتي ستبدأ إرهاصاتها قبل ذلك، وبعضها قد بدأ. لقد حذر الخبراء الجزائريون والأجانب من هذه المخاطر مرارا منذ سنوات طويلة. ثم تحمل الساسة في المعارضة مسؤولية التحذير والتنبيه من خلال  خطابهم السياسي وبتنظيم الندوات الموضوعاتية التي حضرها أولئك المتخصصون الجزائريون. وقد تميزت حركة مجتمع السلم أكثر من غيرها في الطبقة الحزبية بتحمل مسؤولية إدراج هذه المخاطر في خطابها السياسي معتمدة على مؤشرات تراجع الإنتاج وارتفاع نسبة الاستهلاك.كما تميز في الشخصيات السياسية رئيس الحكومة السابق د. أحمد بن بيتور في التحذير السياسي المسنود بالعلم في وقت مبكر. وبعد أن تراجعت أسعار البترول أصبح التحذير عاما من كل الأحزاب والشخصيات السياسية. وكان آخر من أقر بذلك واعترف به، بل رفع السقف عاليا في التحذير من مغبة انهيار الوضع الطاقوي، السلطة الحاكمة ذاتها، ليس لتجنيد كل القوى الوطنية في الدولة والمجتمع للتوجه نحو الحلول الصحيحة، بل لتبرير التوجه نحو التمويل غير التقليدي والغاز الصخري، ضمن ثقافة الريع المسيطرة على عقلية الحاكم، بعيدا عن الإبداع وتشغيل الفكر وإتعاب النفس وتحمل الأعباء من أجل حلول دائمة وآمنة.

لقد صرح رئيس الوزراء أحمد أويحيى بأننا “نتجه نحو الجحيم” ، وأن ” الموس وصل للعظم” ، وصرح وزير الطاقة ومسؤولو سنوطراك  بأننا لن نستطيع تصدير البترول والغاز (وربما سنضطر لاستيرادهما) في حدود 2025. 2030 .كان من المفروض أن تكون هذه التصريحات دافعة للتوجه نحو استراتيجية طاقوية وطنية لتحقيق الانتقال الطاقوي بالارتكاز على الفعالية الطاقوية والتوجه الجاد والفعلي للخليط الطاقوي الذي تجد فيه الطاقات المتجددة مكانتها كاملة للمحافظة على ما تبقى من طاقة احفورية ولتحقيق التنمية المستدامة التي تبعث النهوض الاقتصادي وتحفظ البيئة وحقوق الأجيال المستقبلية. لكنهم للأسف الشديد لم يُقرّوا بهذه الوضعية المأساوية الحقيقية إلا لارتكاب أخطاء أخرى جسيمة تُضيّع لنا مزيدا من الوقت والمال  وتفسد البيئة والمحيط. كان من المفروض أن يصححوا خطأ التأخر الفضيع في الاهتمام بالطاقات المتجددة وعدم انطلاقهم الفعلي إلى الآن في الاستثمارات الكبيرة في هذا المجال منذ أن كانت الامكانيات المالية وافرة تساعد على تحقيق النتائج التي حققتها دول أخرى أقل امكانيات منا في المغرب العربي وافريقيا، ولكنهم لم يفعلوا، وما زادتهم الحقائق التي اعترفوا بها إلا إصرارا في المضي في السبل الخاطئة.

ولتأكيد هذا التوجه المخيف بخصوص أمننا الطاقوي الذي بات يمثل إجماعا وطنيا، مهما كانت خلفيات الخطاب السياسي لدى كل طرف، نجمع ونحلل ونُجمل لمن يتابعنا وتهمه آراؤنا ما تفرق في كثير من الدراسات والمقالات في هذا الأمر بأسلوب جديد سهل ومبسط لنجعل الإجماع ليس على مستوى النخب السياسية والعلمية فقط بل ليكون شاملا للرأي العام الوطني، وذلك بغرض تسهيل النقاش والحوار حول الطرائق الصحيحة لتحقيق الانتقال الطاقوي، مع عرض مساهماتنا ووجهات نظرنا في مختلف محاور الموضوع.

أولا: مكونات الانتقال الطاقوي (تبيان المصطلحات والمعاني).

منذ أن خلق الله الإنسان وهو في حالة تطور مستمر ، وكانت الطاقة دوما هي أساس حياته، فقد كان يستعمل في بادئ الأمر طاقته الجسدية لتحريك الأشياء، وسخر الله للناس الدواب المختلفة ليحملوا عليها  أمتعتهم  ويركبوها، وسخر لهم الأشجار للنار التي يورون، والرياح لتحريك سفنهم وطحن قمحهم، ثم استعملوا الفحم ومواد معدنية متعددة لأسباب فردية وجماعية محدودة إلى أن جاءت الثورة الصناعية في القرن السابع عشر الميلادي في انكلترا  فصار الفحم هو الوقود الأساسي لكثير من الاستعمالات وخاصة صهر الحديد، وبقي الفحم قرونا طويلة مصدرا أساسيا للطاقة حتى الحرب العالمية الأولى حين اكتُشف البترول والغاز وصارت مصادر الطاقة ثلاثة إلى جانب الفحم، ولكن مع مرور الزمن توسع استعمال البترول والغاز في دول شمال غرب أوربا والولايات الأمريكية المتحدة، ومع توالي اكتشافهما في العديد من أنحاء العالم والتطور التكنولوجي والازدهار الاقتصادي، من الحرب العالمية الثانية إلى الآن، هيمن البترول والغاز وتراجع استعمال الفحم مع بقائه جزء مهما من مصادر الطاقة، خصوصا عند بعض الدول الصناعية الصاعدة  ذات الاحتياج الطاقوي الكبير على رأسها الصين التي تنتج  40 % من الإنتاج العالمي. وفي أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي ظهرت الطاقة النووية الذي استعملت لأغراض عسكرية استعمالا تدميريا شاملا في الحرب العالمية الثانية، بعد تطور علمي في مجال الذرة دام نصف قرن. ثم بدأت تُستعمل في الأغراض السلمية في السبعينيات من القرن الماضي في العديد من الدول المتقدمة والناهضة، خصوصا لتوليد الكهرباء حيث تبلغ نسبة الكهرباء المنتجة من الطاقة النوويية في العالم 14 % .

وبالرغم من أن استعمال الطاقات المتجددة قديم جدا في تاريخ البشرية إلا أن الاهتمام بها والعمل على توسيع استعمالها تأكد بعد أزمة الطاقة سنة 1973 . وبعد ظهور الآثار البيئية السلبية وخصوصا مشكلة الاحتباس الحراري صارت الدعوة إلى التوجه إلى الطاقات المتجددة النظيفة والصديقة للبيئة ثقافة عالمية تكافح من أجلها شرائح كبيرة في مختلف المجتمعات على مستوى المنظمات غير الحكومية والبرلمانات والمثقفين والنشطاء.

وقبل التفصيل في أنواع الطاقة المتجددة وشرح معنى الانتقال الطاقوي الذي هو الهدف الأساسي من موضوعنا نحدد معنى بعض المصطلحات المهمة الضرورية لفهم المضمون.

ـ التنمية المستدامة (Développement durable ): هي التنمية التي تمكن من إشباع احتياجات الأجيال الحالية بما  فيهم الفقراء والوصول إلى الرفاهية في مختلف المجالات دون المساس بحقوق الأجيال المستقبلية وذلك بالاستغلال العقلاني للموارد الطبيعية والمحافظة على الأنظمة البيئية التي تمكن الأرض من منح خيراتها للإنسان جيلا بعد جيل.

وقد استعمل هذا المصطلح لأول مرة من قبل الاتحاد الدولي من أجل حماية البيئة في أحد منشوراته سنة 1980 ، ثم تحول إلى مصطلح شائع في الدوائر العلمية والمنظمات الدولية والحكومات والمنظمات غير الحكومية بعد ظهوره في تقرير برودتلاند (Brudtland) الذي أعدته اللجنة العالمية للبيئة والتنمية سنة 1987 الذي عرّف التنمية المستدامة على أنها: “التنمية التي تلبي الاحتياجات الحالية الراهنة دون المساس بحقوق الأجيال القادمة في تلبية احتياجاتهم”. ثم جاء مؤتمر ريو ديجانييرو الذي عقد في البرازيل سنة 1992 وسمي ” قمة الأرض” فحدد أبعادها الثلاثة: الاقتصادية وتطوير القدرات الإنتاجية، الاجتماعية بالتوزيع العادل للثروات، والبيئية بعدم الإضرار بالمحيط من خلال التقليل من استعمال الطاقة الملوثة والتوجه نحو الطاقة المتجددة.

والجدير بالذكر هو التفريق بين التنمية والنمو، حيث أن التنمية تعني حسن استغلال الموارد الطبيعية والبشرية لنقل الإنسان والمجتمع بكامله وفي مختلف مجالاته إلى وضع تراكمي أفضل ومستمر، أما النمو فهو يتعلق بتحقيق قيم مضافة مستمرة من خلال الإنتاج الاقتصادي في الصناعة والفلاحة والخدمات، وهو جزء من التنمية ولكن لا يعني بالضرورة تحقيقها، فقد يتحقق النمو الاقتصادي بفاعلية قلّةٍ من المؤسسات الاقتصادية التي تضمن التوازنات الاقتصادية الكبرى للدلوة دون أن تتحقق الرفاهية للجميع أو التوزيع العادل للثروة، إذ تستأثر فئة من المبجلين بخيرات البلد عن طريق الفساد وسوء الإدارة وغياب الحكامة فيقع استنزاف كبير للثروات وتتعمق الفروق الاجتماعية وينتشر الفقر والحرمان بشكل دائم، وقد يؤدي ذلك إلى حالة عدم استقرار قد تتحول إلى انفجار اجتماعي في أي وقت. وقد فصّلتُ في كل هذه المفاهيم والأبعاد في أطروحتي لرسالة الماجستير سنة  2008 الموسومة : مشاكل التنمية والبيئة في العالم والقانون الدولي، وهي مطبوعة في كتاب عن دار الخلدونية.

ـ الطاقة الأحفورية (Energie fossile): هي الطاقة التي تشكلت طبيعيا عبر ملايين السنين من خلال كائنات حية دُفنت عبر أزمة طويلة تحت قشرة الأرض حيث تعرضت لدرجات حرارة عالية وضغط مرتفع جدا مع انقطاع الهواء مما أدى إلى تفكيكها وتركيز الكربون فيها وتحويلها إلى وقود لإنتاج الطاقة. وتشمل الطاقة الأحفورية الفحم والبترول والغاز الطبيعي. وعبر عمليات كيميائية متواصلة ترتفع هذه المواد الهيدروكربونية التي تصبخ أخف وزنا من الطبقات الحجرية التي فوقها لتستقر تحت الطبقات الجيولوجية بدرجات عمق متفاوتة عن سطح الأرض قد تصل إلى 3000 م. وتسمى احفورية لأنها من الأحفوريات التي تُستكشف وتستخرج عن طريق الحفر (الحفريات). ومن خصائص الطاقة الأحفورية أنها تمتلك كثافة طاقة عالية ويمكن تخزيها ونقلها بسهولة، كما أنه يمكن تحويلها إلى مواد بيتروكيمياوية عديدة منها الوقود السائل والغازي لوسائل النقل والمصانع والمساكن وتوليد الكهرباء وغير ذلك. ولكن من سلبياتها أنها تتسبب في تلوث البيئة حيث أن احتراق الوقود يؤدي إلى انبعاثات تغلّف المجال الجوي وتمنع الانعكاس الحراري المتدفق من الأرض من الانتقال إلى خارج الكوكب الأرضي وهو ما يسمى بالاحتباس الحراري الذي يؤدي إلى ارتفاع درجات حرارة الأرض ويزيد في التصحر والجفاف والاضطرابات البيئية الكثيرة، بالإضافة إلى انتشار الأمراض التي تصيب الإنسان بسبب تلوث الهواء. ومن خصائص الوقود الأحفوري كذلك أنه طاقة غير متجددة قابلة للنضوب حسب حجم الاستغلال، ويؤكد العلماء أن البشرية استهلكت من الوقود في 200 سنة ما تراكم عبر ملايين السنين بسرعة مليون مرة أضعاف عدد السنوات التي تشكلت فيها الاحتياطات الهيدروكربونية.

يتم معرفة الاحتياطات المتوفرة من خلال المسح والدراسات الجيولوجية والجيوفيزيائية، وبقدر تطور العلم وشساعة عمليات الاستكشاف يتغير تقدير الاحتياطات من مرحلة إلى مرحلة مما جعل النقاش حول الذروة البترولية (Peak oil ) من حقل إلى حقل ومن بلد إلى بلد وعلى المستوى العالمي غير دقيق، ولكنه مفيد جدا في الدراسات البترولية المستقبلية. والذروة البترولية معناها أقصى معدل إنتاج النفط التي بعدها يبدأ في التراجع، ويكون صعود كميات الإنتاج من بداية الاستغلال إلى الذروة ثم النزول إلى التوقف الكلي عن الإنتاج وفق منحنى مكافئ، والمدة الزمنية من بداية الإنتاج إلى الذروة هي نفس المدة من بداية التراجع إلى الزوال. وتسمى الذروة البترولية ” قمة هوبرت” نسبة إلى عالم الجيولوجيا الأمريكي “ماريون كينج هوبرت” (Marion King Hubert) الذي تحققت توقعاته في تحديد ذروة إنتاج البترول في أمريكا في الخمسينيات إذ تنبأ سنة 1956 أن السقف البترولي الأمريكي سيكون سنة 1970 وتأكدت توقعاته: حيث وصل الإنتاج الأمريكي إلى 11.3 مليون برميل في هذه السنة ورغم جهود الاسترجاع ومحاولات الاستكشاف لم يرجع الإنتاج إلى نقطة الذروة إلى أن ظهر النفط غير التقليدي فارتفع الانتاج من جديد إلى 11.6 مليون برميل سنة 2014 ثم نزل من جديد إلى 8.4 مليون برميل سنة 2016. وهناك من يعتقد بأن تحديد الذروة صعب لعدة أسباب إذأن تراجع الإنتاج قد لا يكون بسبب تراجع الاحتياطي ولكن لأسباب تتعلق بقدرات إنتاج البلد المعني ومدى تمكنه من التكنولوجية وتجديد الآليات المستعملة، وقد يكون تراجع الإنتاج لأسباب سياسية أو استراتيجية للمنتجين، كما أن بعض الدول لا تعطي الأرقام الحقيقية عن إنتاجها البترولي لأسباب استراتيجية أو بسبب الفساد حسب واقع كل دولة، وهناك منظمات بيئية تعتبر أن الدول والشركات المهيمنة على القطاع البترولي في العالم لا تعطي أرقاما دقيقة عن الذروة البترولية بسب رغبتها الجامحة في الاستغلال المفرط للطاقة الأحفورية مما قد يؤدي إلى سقوط مفاجئ للإنتاج العالمي دون وجود بدائل كافية وسريعة. ويضاف إلى ذلك أن التطور التكنولوجي قد يحسن نسب الاسترجاع، كما أن بداية استعمال النفط غير التقليدي قد يرفع مستوى الذروة ويؤجلها.

لا يمكن تصور حصول الاتفاق بين المعنيين بالدراسات البترولية حول زمن الذروة، بل هناك من يعتبر بأن تحديد الذروة لن يكون إلا بعد مرورها بسنوات طويلة حين يتأكد التراجع، غير أن الوكالة الدولية للطاقة (EIA) اعتبرت أن الذروة البترولية للإنتاج العالمي تأكدت سنة 2006. وقد تتأكد هذه الذروة نسبيا بسبب عدم اكتشاف حقول ضخمة جديدة منذ السبعينيات إذ رغم الاستكشاف الموسع جدا عبر العالم لم تكتشف إلا حقول صغيرة. وهذا ما يفسر التوجه العالمي الكبير للانتقال إلى الطاقات المتجددة والتأكد من قبل الجميع بأن الطاقة الأحفورية ستفقد مكانتها في آجال متوسطة.

تسمى الطاقة الأحفورية السائدة طاقة تقليدية لتمييزها عن الطاقة الأحفورية غير التقليدية التي تسمى غاز وبترول الشيست والفرق بينهما كما بيناه في مقال سابق هو مكان التواجد وطريقة الاستغلال، حيث يعتبر البترول والغاز التقليديين هما المادة الهيدروكربونية التي استطاعت أن تنتقل من أعماق الأرض إلى الطبقات الجيولوجية وبقيت كميات أخرى مسجونة في الصخور العميقة (la roche mère) التي لا يمكن الوصول إليها إلا عبر الحفر العمودي والأفقي وعبر تكسير الصخور هيدرولوكيا لتحرير الغاز والبترول. لهذه الأسباب يسمى وقود الشيست غير تقليدي، ويقدر أغلب الخبراء أن غاز وبترول الشيست لا يمكنهما أن يحلا محل البترول والغاز التقليديين بسبب قلة الجدوى والمخاطر البيئية.

الطاقة النووية (l’Energie nucléaire): هي الطاقة التي يتم توليدها عن طريق التحكم في تفاعلات انشطار أو اندماج الأنوية الذرية. وتستغل هذه الطاقة في محطات توليد الكهرباء النووية، حيث تتحول الطاقة النووية إلى طاقة حرارية، وتتحول الطاقة الحرارية إلى طاقة ميكانيكية وتتحول الطاقة الميكانيكية إلى طاقة كهربائية. يتسبب الانشطار في إطلاق حرارة عالية تؤدي إلى تسخين الماء لإنتاج البخار بدرجة حرارة عالية جدا (نحو 480 درجة مئوية) وضغط مرتفع جدا(نحو 380 ضغط جوي). يقوم البخار بتحريك محور توربينات بخارية مربوطة بمحور مولد كهربائي (َAlternateur) فتنتج الطاقة الكهربائية. وتتولد الحرارة نتيجة انشطار ذرات اليورانيوم ( أو البلوتونيوم) بضربات النيوطرونات. ويتم ذلك في المحطات النووية داخل المفاعلات النووية (المحطة فيها العديد من المفاعلات) ضمن منظومات حماية عالية جدا من حيث بناء المفاعلات لمنع الإضرار بالعمال والبيئة المحيطة، ومن حيث التحكم في عملية الانشطار التسلسلي ليكون بطيئا فلا يؤدي إلى الانفجار.

أول ما استعملت علوم الذرة كانت في صناعة القنبلة الذرية التي تنفجر من خلال التسبب في عمليات انشطار تسلسلية سريعة جدا. وقد تم ذلك في سنة 1945 بصناعة قنبلتين ذريتين أطلقتا على المدينتين اليبانيتين هيروشيما ونجازاكي. من خلال هذه الجريمة البشعة عرف العالم خطورة استعمال السلاح النووي والكوارث العظيمة التي يتسبب فيها. منذ ذلك الحين لم تستعمل أي قنبلة نووية ولكن العديد من الدول اكتسبت هذه القنبلة كسلاح ردع وهي الولايات الأمريكية المتحدة وروسيا وفرنسا والمملكة المتحدة والصين وباكستان والهند. وكذلك إسرائيل التي يعلم الجميع امتلاكها للقنبلة النووية رغم عدم تصريحها بذلك، وعكس ذلك صرحت كورية الشمالية امتلاكها السلاح النووي دون أن يتم التأكد من ذلك دوليا. وهناك مجهودات دولية صارمة للحد من انتشار السلاح النووي ومنع امتلاكه من دول أخرى.

منذ بداية السبعينيات أصبح الاستعمال الأكثر للطاقة النووية في الأغراض السلمية وخصوصا  إنتاج الكهرباء، وقد توصل 35 بلدا إلى التحكم فيها ويوجد في العالم حسب موقع ” معارف الطاقات” (connaiscancedesenergies.org) 441 مفاعل نووي إلى غاية ماي 2016 منها 99 في الولايات الأمريكية المتحدة و58 في فرنسا. وتمثل الطاقة النووية قرابة 11%  من خليط الإنتاج الكهربائي العالمي  (19.5 %  في أمريكا، و76 %  في فرنسا)، ولكن تمثل 5 % من الطاقة الأولية المستهلكة في العالم.

وأصبحت هناك استعمالات عديدة للطاقة النووية سوى صناعة القنبلة الذرية وتوليد الكهرباء أهمها في المجال العسكري الطاقة النووية التي تستعملها الغواصات في أعماق البحار وحاملات الطائرات في أعالي البحار لعدم القدرة على التزود الدائم بالوقود الأحفوري. وفي الاستعمال السلمي هناك استعمالات كثيرة في المجال الطبي (إنتاج النظائر المشعة، للعلاج عن طريق الأشعة، التصوير الطبي ..) وفي مجال الفضاء ( دفع الصواريخ …) والعديد من الاستخدامات الأخرى في الزراعة والبيولوجيا وعلوم التربة والمياه والصناعة وغير ذلك.

وللطاقة النووية إيجابيات وسلبيات بقيت محل تدافع بين المؤيدين والمعارضين عن الحجم الذي يجب أن تأخذه في الخليط الطاقوي، وهل يجب إبقاؤها مع الاستمرار في تطوير احتياطات السلامة، أم يجب إنهاء عصر الطاقة النووية.

ومن أهم إيجابياتها استهلاكها المنخفض للوقود مقارنة مع محطات توليد الكهرباء بالوقود الأحفوري، إنتاجها لكميات ضخمة من الطاقة الكهربائية، عدم تسببها في الانبعاثات الملوثة في الهواء (الدخان الأبيض الذي يرتفع فوق المفاعلات النووية هو بخار مائي)، طول أمد تشغيل المحطات، وإمكانية تكرار الانشطار التسلسلي مع كثرة وفرة اليورانيوم (مما جعل الكثير يعتبر الطاقة النووية طاقة متجددة). أما عن السلبيات فإن أخطرها الحوادث مثل ما وقع في تشيرنوبيل وتهديد سلامة الأرض وسكانها، وصعوبة التخلص من النفايات المشعة التي أصبحت تحول إلى بلدان ضعيفة لتدفن فيها من خلال التواطؤ مع حكام محليين فاسدين، وبالإضافة إلى هذا احتياجها لكميات كبيرة من الماء لتشغيل المفاعلات النووية.

ـ الفعالية الطاقوية (l’efficacité énergétique ): وهي عبارة تتعلق بقواعد وكيفيات استعمال الطاقة بما يجعل منظومة ما تقدم نفس الخدمة باستهلاك أقل للطاقة، وقد اختصرتُ مختلف التعريفات الموجودة بما يلي: “الحصول على نفس الخدمة باستهلاك أقل للطاقة، سواء على المستوى الفردي أو المنزلي أو على مستوى المؤسسات الصناعية والفلاحية والخدمية”. وتسمى كذلك النجاعة الطاقوية، والطاقة الذكية، و الاستعمال الذكي للطاقة. وهي تهدف إلى توفير الطاقة وخفض تكاليف استعمالها باعتبار أنها غير مستدامة ومكلفة، وإلى المحافظة على البيئة باعتبار أن 80 % من الاحتباس الحراري سببه الطاقة. ولتحقيق الفاعلية الطاقوية تضع الحكومات برامج عديدة لتقليص الاستهلاك الطاقوي في مختلف المجلات خصوصا النقل والبناء والصناعة والحد من التبذير والاستعمال غير الضروري، ولكن دون أن يؤدي ذلك إلى خفض الفاعلية الاقتصادية ما أمكن. وبالإضافة للأغراض البيئية والاقتصادية تهتم الدول المستوردة للطاقة بالفعالية الطاقوية للتحرر من التبعية للدول المصدرة، وتهتم الدول المصدرة بالفاعلية الطاقوية لتوسيع هوامش التصدير وما ينجم عنها من مداخيل للبلد.

ـ  الخليط الطاقوي (Le mix énergétique): وُيقصد به مختلف النسب المئوية التي تمثل مختلف مصادر الطاقة الأولية التي يستعملها بلد ما في احتياجاته الطاقوية. ويسمى كذلك المزيج الطاقوي أو الباقة الطاقوية أو السلة الطاقوية. ويتشكل من كل مصادر الطاقة المعروفة ( البترول، الغاز الطبيعي،  الفحم، الطاقة النووية، مختلف أنواع الطاقة المتجددة) وتتحكم في تشكيلته، حسب موقع “الكوكب والأرض” التابع لشركة توتال (planete-energies.com)،  عدة عوامل مختلفة من بلد إلى بلد وهي: وفرة المصادر القابلة للاستهلاك المنتجة محليا أو المستوردة، أهمية ونوعية الاحتيجات التي يجب تغطيتها، الخيارات السياسية التي تؤثر فيها السياقات التاريخية والاقتصادية والاجتماعية والديموغرافية والبيئية والجيوسياسية. على أساس هذه العوامل تختلف نسب وطبيعة المزيج الطاقوي من بلد إلى بلد كما تبينه الأمثلة التالية وفق الموقع المتخصص “معارف وطاقات” ( 2015CDE ) عن الاستهلاك الاولي للطاقة: الولايات الأمريكية المتحدة ( بترول 36.9%، غاز طبيعي 29.2%، فحم 14.6%، نووي 8.6%، طاقات متجددة 10.7)، الصين ( فحم 64 %، طاقات متجددة 1 %، نووي 1 %)، فرنسا ( نووي 42.5 %، بترول 30.6 %، غاز 14.2 %، فحم 3.3 %، طاقة متجددة 9.4 %)، الجزائر ( طاقة أحفورية غاز وبترول: 98 %، طاقة كهرومائية: 1.80 %، طاقة شمسية ورياح: 0.20 %).

ـ الانتقال الطاقوي (La transition énergétique ): يمثل الانتقال الطاقوي الانتقال من نظام انتاج واستهلاك للطاقة يرتكز على الطاقة الأحفورية غير المتجددة إلى خليط طاقوي بكثافة كربونية أقل، وبنسب نامية  للطاقات المتجددة.  وهو حالة وقعت مع الفحم عند اكتشاف البترول والغاز ومع البترول والغاز مع بداية استعمال الطاقة النووية لأغراض سلمية. وعند الانتقال إلى استعمال أنواع جديدة من الطاقة تبقى الأنواع القديمة مستعملة حسب وفرتها وميزان منفعتها ومضارها، وثمة كلمة تحولت إلى مثل شائع في عالم الطاقة قالها وزير الطاقة السعودي السابق أحمد زكي يماني:  “عند الخروج من العصر الحجري لم ينته الحجر، وحين ينتهي عصر البترول لن يتنهي البترول” . ومن خصائص الانتقال الطاقوي أنه يختلف من بلد إلى بلد حسب الخليط الطاقوي والإمكانيات الاقتصادية والتكنولوجية والسياسات المتبعة من البلدان. وهو مسار تغيير صعب وطويل يرتبط بالإرادة السياسية والواقع الاقتصادي والبيئي ونوعية الحكم والإدارة وثقافة المجتمع وتحولات أسواق الطاقة الأحفورية والبديلة. وقد حدد المجلس العالمي للطاقة الذي يجمع مسيري قطاع الطاقة من مائة بلد ثلاثة أبعاد للانتقال الطاقوي  يجب التوازن بينها رغم تناقضها وهي: الأمن الطاقوي لتحقيق نجاعة توفير الطاقة للأجيال الحالية والمستقبلية، العدالة الطاقوية لتوفير الطاقة لكل شعوب العالم، خصوصا الدول الصاعدة بأسعار معقولة، صيانة البيئة بشكل دائم من خلال الفاعلية الطاقوية وتطوير الطاقات المتجددة. ويعتبر مؤتمر باريس في ديسمبر 2015 محطة تاريخية في مسار التوجه العالمي نحو خفض مستويات الاحتباس الحراري من خلال التزام كل الدول بتحقيق انتقال طاقوي يضمن معدل ارتفاع حراري للكرة الأرضية لا يتجاوز 2 %. وبعد مؤتمر باريس نشرت الوكالة الدولية للطاقة تقريرها ” توقعات الطاقة العالمية “World Energy Outlook 2016″ فتوقعت انخفاض كبير لنسبة الكاربون في النمو العالمي من خلال انتقال طاقوي ترتفع فيه حصة الغاز الطبيعي على حساب البترول والفحم (الغاز يتسبب في انبعاث ثاني أكسود الكاربون مرتين أقل في توليد الكهرباء)، وكذلك بالتحول المهم نحو الطاقة المتجددة، والتطوير التكنولوجي في التعامل مع الانبعاث الكاربوني بما يقلل آثاره السلبية.

وعلى هذا الأساس يتوقع WEO 2016 أن يقع الانتقال الطاقوي من هنا إلى غاية 2035 على النحو التالي: تنخفض نسبة الفحم في الخليط الطاقوي العالمي من 25 % (سنة 1990) إلى 16 % ( سنة 2035)، والبترول من 37 % إلى 25 %، وترتفع نسبة الغاز الطبيعي من 19 % إلى 23 % . فتصبح نسبة الطاقة الأحفورية بشكل عام 64 % بدل 81 % . وترتفع نسبة الطاقة النووية من 6 % إلى 10 %، وترتفع نسب الطاقات المتجددة كما يلي: الطاقة المائية من من 2 إلى 4 %، والكتلة الحيوية والوقود الحيوي من 10 إلى 14 % و الباقي من 0 إلى 9 %.

ثانيا: الطاقات المتجددة (Les energies renouvelables):

الطاقة المتجددة هي الطاقة التي تَستمد من موارد طبيعية لا تنفذ أبدا، فهي مصادر دائمة، ما دامت الحياة قائمة، ليس لها عمر افتراضي ولا يؤدي استعمالها إلى الإضرار بالبيئة، كما أنها متوفرة على سطح الأرض في كامل المعمورة يمكن الاستفادة منها مباشرة دون تنقيب، وهي بهذه الخصائص تختلف عن مصادر الطاقة الأحفورية والنووية التي لها عمر افتراضي وتنقص بقدر حجم ووتيرة استغلالها، ويؤدي استعمالها إلى الإضرار بالتوازن البيئي وسلامة الإنسان، ويتطلب الحصول عليها اكتشافها والتنقيب عنها.

وبالرغم من أن استعمال كلمة الطاقة المتجددة حديث فإن مضمونها قديم قدم الإنسان، إذ لم يكن الإنسان يستعمل غيرها قبل اكتشاف الفحم ثم البترول والغاز والطاقة النووية. فحين خلق الإنسان كان يعتمد على عضلاته لقضاء حاجاته ثم استعمل الحيوان في الحرث وفي جر أمتعته، ثم استعمل طاقة الرياح لتحريك السفن وطاحونات الماء والهواء لخبزه، واستعمل كذلك الأعشاب والأشجار وفضلات الحيوانات للتدفئة وطهي طعامه، واستعمل الشمس مباشرة لتسخين مائه. ولكن مع ظهور الآثار السلبية للطاقة الأحفورية والنووية، والخوف من نضوب البترول والتطور التكنولوجي أخذت هذه الأنواع الطاقوية المتجددة أبعادا صناعية كبيرة حيث أصبح يمكن أخذ الطاقة منها بأحجام كبيرة لأغراض عامة وللاستعمال الفردي الموسع.

مصادر الطاقة المتجددة كثيرة، منها ما يسمى مصادر متجددة عصرية لاستعمال أدوات وآليات عصرية لتوليدها من مصادرها الطبيعية كالطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة الحرارية الأرضية والطاقة الكهرومائية والاستعمالات العصرية للطاقة الحيوية، ومنها ما يسمى طاقة متجددة تقليدية وأساسها طاقة الكتلة الحيوية التقليدية ويمكن تعريف هذه المصادر الطاقوية المتجددة على النحو التالي:

1 ـ الطاقة الشمسية (ُEnergie Solaire ):

الشمس هي أصل كل أنواع الطاقات المتجددة وغير المتجددة وهي مصدر الحرارة والضوء على سطح الأرض، لا تتوقف الاستفادة منها ما دامت تسطع من مشرقها، واختلال نظامها كليا هو من الأمارات الكبرى لقيام الساعة. إشراقها على كل الأرض دائم، وكلما كان المكان أقرب إلى خط الاستواء كانت الاستفادة منها أكبر وهي تستعمل إما لتوفير الحرارة مباشرة أو لوتوليد الكهرباء. ويوجد نوعين من الطاقة المستمدة من الشمس:

ـ الطاقة الشمسية الكهروضوئية (Energie Solaire photovoltaïque)وتستعمل فيها الخلايا الضوئية (الألواح الضوئية) لتلويد الكهرباء مباشرة. تسمح هذه التقنية بتوليد الطاقة الكهربائية مباشرة من الأشعة الشمسية بواسطة المواد شبة الموصلة التي تتكون منها الخلايا وأهمها مادة السيليكون. تقوم المواد شبه الموصلة بامتصاص الفوتونات وتحويلها مباشرة إلى كهرباء بواسطة التأثير الضوئي الجهدي (Effet photovoltaïque ) .

ـالطاقة الشمسية الحرارية (Energie Solaire Thermique): وتتعلق بالطاقة التي تتولد من تسخين سائل بواسطة حرارة أشعة الشمس، إما بشكل بسيط ومباشر بوضع صحون أو ألواح مسطحة باتجاه ثابت لالتقاط أشعة الشمس التي تسخن السائل لاستعماله في مختلف احتياجات التدفئة والتسخين ، أو بطريقة غير مباشرة بواسطة محطات الطاقة الحرارية الشمسية أو ما يسمى أنظمة التركيز الحرارية الشمسية (Système solaire à concentration thermodynamique) التي يتم من خلالها تسخين السائل ( ماء أو غاز) بدرجات عالية لتحويله إلى بخار يقوم بتحريك توربينات بخارية لتوليد الكهرباء التي تربط بالشبكة الكهربائية.

2 ـ طاقة الرياح (Energie éolienne) وهي طاقة مستخرجة من الطاقة الحركية للرياح التي تتحول إلى طاقة كهروبائية أو طاقة ميكانيكية لاستعمالات عديدة كضخ المياه وطحن الحبوب وتسيير السفن. يعتبر توليد الكهرباء هو أهم استعمال ويتم ذلك من خلال دوران شفرات توربينات هوائية عملاقة مركبة على أعمدة في أماكن تتميز بوفرة الرياح، فتحرك التوربينات مولدات تنتج الكهرباء للاستعمالات المنزلية أو ربطها بشبكة كهربائية.

3 ـ الطاقة الكهرومائية (Energie hydroélectrique) : وهي طاقة كهربائية مستخرجة من الطاقة المائية. تتحول الطاقة الكامنة للمياه من خلال المساقط المائية إلى طاقة حركية تشغل توربينات مائية تربط بمولدات كهربائية. وتتكون هذه الطاقة المائية في الأوضاع الطبيعية للمياه (الشلالات الوديان والمجاري المائية المختلفة، المد والجزر..) أو بإنشاء فروق علوية اصطناعية عن طريق السدود. وتعتمد كمية الكهرباء المولدة على مستوى ارتفاع الماء المنحدر وعلى حجم المياه في التوربينات.

4ـ الطاقة الحرارية الجوفية (Energie géothermique) :وهي الطاقة التي تستخرج من أعماق الأرض باعتبار أن باطن الأرض يتميز بحرارة مرتفعة جدا تزداد حرارتها كلما ابتعدنا من سطح الأرض ( بين 2 إلى 7 درجات كل مائة متر نحو العمق) كما يوجد بها مياه ساخنة وبخار شديد. ويتم استعمال هذه الطاقة الحرارية الجوفية من خلال استخراجها وتخزينها بواسطة أنابيب عميقة، وتستعمل لأغراض التدفئة خصوصا، ولتوليد الكهرباء من خلال محطات خاصة عالية التقنية. ويمكن الاستفادة من الطاقة الحرارية الجوفية المنبعثة مباشرة إلى سطح الأرض من خلال البراكين والمنابع المعدنية.

5 ـ طاقة الكتلة الحيوية(Biomasse) : وهي الطاقة الناتجة من المخلفات العضوية الحيوانية والنباتية والبشرية صلبة كانت أم سائلة، وذلك من خلال التخمير البكتيري أو الاحتراق الحراري أو تحلل الكائنات الحية المجهرية، ومن أهم منتجات هذه الطاقة الميثان والإتانول (الكحول) والأسمدة الكيميائية السائلة، ومن أهم مخرجاتها الدييزل الحيوي (Biodiesel) الذي يمكن تصنيعه من الزيوت النباتية أو الشحوم الحيوانية ويستعمل لمحركات السيارات والشاحنات والمولدات الكهربائية بدل الوقود الأحفوري ويمكن مزجه به. ومن إيجابيات طاقة الكتلة الحيوية توفير فرص واسعة للتخلص من النفايات المنزلية والفلاحية والصناعية، وهو يعتمد على محاصيل خاصة سريعة النمو، ومناسبة للوقود النظيف كالشمندر السكري والصويا والذرى وغير ذلك. وباعتبار استعمالاتها التقليدية لأغراض التدفئة والطهي ( حرق الأخشاب والأعشاب وفضلات الحيوانات) لا تزال الطاقة الحيوية مصدرا وحيدا للطاقة لأكثر من 02 مليار نسمة يعيش معظمهم في جنوب آسيا وفي أوساط إفريقيا ولهذا تشكل حوالي%10 من المصادر الأولية للطاقة العالمية.

تتميز الطاقة المتجددة في عمومها بخصائص إيجابية كثيرة منها المحافظة على البيئة كما ذُكر آنفا، ومنها ما يتعلق بوفرتها وديمومتها وانتشارها في كل مكان في العالم ومصاحبتها للإنسان حيث كان، مما يساعد على التنمية المحلية في الأماكن النائية وإمكانية تحسن أسواقها العالمية وتبسيط تكنولوجيتها وانخفاض أسعراها، وتوفيرها لمهن جديدة وتشغيل يد عاملة كثيرة. غير أن فيها بعض السلبيات المتعلقة بكل نوع من الأنواع، منها صعوبة التخزين والنقل واستعمالها لمساحات واسعة بالنسبة للطاقة الشمسية، ويضاف إلى ذلك تباين أماكن وسرعة الرياح وعدم تواصل الهبوب بالنسبة لطاقة الرياح، وبالنسبة للطاقة الحرارية الأرضية من سلبياتها قلة نسبة الطاقة المستفاد منها وصعوبة التقنيات المستعملة. وبالنسبة لطاقة الكتلة الحيوية الآثار السلبية على المحاصيل الزراعية والغابات إذا لم يكن الاستعمال عقلانيا، كما أنه قد تكون  ثمة صعوبات بالنسبة للطاقات المتجددة العصرية تتعلق بالتمويل والموارد البشرية. ومهما يكن من أمر  فإن حسن إدارة استعمال الطاقات المتجددة واستغلال الفرص يجعلها بديلا مناسبا جدا ودائما لتحقيق الانتقال الطاقوي في أي بلد من بلدان العالم حسب ظروف وخصائص كل بلد.

ثالثا: طبيعة وأبعاد أزمة الطاقة الأحفورية في الجزائر.

انتهجت الجزائر سياسة طاقوية بخط مستقيم واحد: وهو استخراج أكبر قدر ممكن من البترول والغاز وبيعه في الأسواق العالمية لتحويله إلى موارد مالية نجحت في تثبيت السلطة الحاكمة ولكنها فشلت في تحقيق التنمية المستدامة ولا حتى النمو الاقتصادي إذ لم يصل النمو 4 % رغم الإنفاق العظيم والمداخيل التاريخية التي تجاوزت 1000 مليار دولار، حيث كان يجب أن يصل إلى رقمين بالنظر إلى هذه الأموال الطائلة التي أنفقت والاستقرار الذي تحقق، وهي حالة نادرة في التاريخ إذ استطاعت دول كثيرة تحقيق نهضتها بأقل من هذا بكثير، سواء الدول السابقة في التطور كالست عشرة دولة أوربية التي نهضت بعد التدمير الكلي الذي تعرضت له في الحرب العالمية الثانية ب 16.5 مليار دولار ضمن مخطط مارشال المعروف ( ما يعادل 230 مليار دولار بقيمة سنة 2012)، أو الدول الصاعدة التي صارت تنافس الغرب كالصين والهند وفييتنان والبرازيل وجنوب افريقيا وبولونيا وتركيا وإيران وماليزيا واندنوسيا التي نهضت أو في طريق نهضتها بميزانيات أقل مما أنفقنا في الجزائر. لم تكن ثمة استراتيجية البتة لتثمين المداخيل الكبرى التي صبت على الجزائر من صادرات الموارد الأحفورية الآيلة للزوال، لا من حيث استغلالُ تلك الموارد بالقدر الذي يضمن بقاء نصيب الأجيال المستقبلية، ولا من حيث تحويلها إلى ثروة إنتاجية تقوم على أساس العمل والمؤسسة الاقتصادية، ولا من حيث صيانتها لتنمية نسب الاسترجاع، ولا من حيث جهود الدراسات والتنقيب والاستكشاف، ولا من حيث التخفيف عنها بالمزيج الطاقوي المشكل من نسب مناسبة من الطاقة المتجددة والطاقة النووية السلمية. ومن دلائل غياب الاستراتجية الطاقوية التخبط في التشريعات المتعلقة بالمحروقات، بشكل يدل بأن صاحب القرار لم يشكل رأيا خاصا به يتحمل مسؤوليته، بسبب قلة العلم في الموضوع وعدم أخذ الوقت للفهم والإدراك، وعدم الاستناد على مراكز دراسات لدعم القرار وشرح البدائل المختلفة، وإنما ثمة حدس عام تسيره الرغبات والمخاوف السلطوية، وتؤثر فيه الضغوطات المتعارضة من خارج الوطن ومن داخله. ولا أدل على هذه الحالة من التناقض الرهيب في التشريع المتعلق بقانون المحروقات في خلال سنة واحدة حيث تم التراجع على قانون المحروقات الصادر في 28 أفريل 2005 في سنة واحدة بعد جدل كبير في الساحة السياسية وبين إطارات الطاقة والمسؤولين داخل الدولة. وبعد هذا تم تعديلان أخريان ونحن نتجه إلى التعديل الخامس في أوقات متقاربة. وهي حالة مؤسفة ومضحكة في نفس الوقت بينت هشاشة المؤسسات وضعف الطبقة السياسية إذ نفس البرلمان والكتل البرلمانية التي صادقت على القانون الأول سنة 2005 صادقت على نقيضه  سنة 2006 في خلال شهور معدودة، وكأن القوم لا رأي لهم ولا عقل في جماجمهم وإنما هي أيادي تُرفع للتصويت بالموافقة، تحركها الرغبة في الغالب والرهبة أحيانا. ويضاف إلى ذلك التردد الكبير في تشريعات ومشاريع الطاقة المتجددة والفاعلية الطاقوية كما سنرى لاحقا.

لم يكن قدوم الأزمة مجهولا عند العارفين، كل المؤشرات متوفرة لدى شركة سونطراك ووزارة الطاقة ومصالح الحكومة، وتحدث عنها الخبراء الجزائريون بلا توقف، وهي منشورة دوريا في المواقع الدولية للمؤسسات المتخصصة في الطاقة وأهمها وأشهرها المؤشرات الدورية للوكالة الدولية للطاقة (iea)، ومراكز دراسات الشركات البترولية الكبرى، وإدارة معلومات الطاقة الأمركية (eia).

تبين هذه المؤسسات على اختلافات طفيفة في الأرقام نهاية سنة 2015 بأن الاحتياطي المؤكد للبترول في الجزائر في حدود 1.5 مليار طن أي ما يعادل 12.2 مليار برميل. وهو احتياطي يمثل 0.7 من الاحتياطي العالمي في المرتبة °17 دوليا والرابعة أفريقيا بعد ليبيا ونيجيريا وانغولا. وأنتجت الجزائر من هذا الاحتياطي في نفس السنة 68.5 مليون طن أي بمعدل 1.59 مليون برميل يوميا، بتراجع 20.3% منذ 2005 ، وهو يمثل 1.6 % من الإنتاج العالمي في المرتبة °18 عالميا، والثالثة افريقيا بعد نيجيريا وانغولا، متقدمة على ليبيا بسبب الأوضاع الأمنية في هذا البلد. وتستهلك الجزائر 26.6 % من إنتاجها البترولي بزيادة مطردة كل سنة وصلت إلى 69.5% منذ 2005.  أما عن الغاز الذي هو أوفر حيث تعتبر الجزائر دولة غازية أكثر منها بترولية  فإن الاحتياطات المؤكدة في سنة 2015 في حدود 4500 مليار متر مكعب (159.1 تريليون قدم مكعب)، في المرتبة العاشرة عالميا بنسبة 2.4 % من الاحتياطي العالمي ، والثانية افريقيا بعد نيجيريا وقد أنتجت من هذا الاحتياطي سنة 2015 في حدود 83.00 مليار متر مكعب (74.7 مليون طن مكافئ بترولMtep) بتراجع 6 % منذ 2005. في المرتبة التاسعة عالميا بنسبة 2.3 من الإنتاج العالمي والأولى في افريقيا. وتستهلك الجزائر 39.0 مليار متر مكعب مما تنتجه أي ما يعادل بنسبة 47 % . ويؤكد د. مبتول في العديد من مساهامته في الجرائد الوطنية بأنه قدم للحكومة في يوم 25 فبراير 2015 دراسة من 620 صفحة حذر فيها من عدم تجديد الاحتياطات وتراجع الإنتاج وارتفاع الاستهلاك المحلي وأكد على ضرورة الانتباه في موضوع الغاز الصخري إلى مسألة المردودية والإشكاليات البيئية وشدد على ضرورة تحقيق الانتقال الطاقوي والاهتمام بالطاقات المتجددة. وقد عاد إلى الموضوع في آخر مقال له يوم 08 نوفمبر 2017 بجريدة يومية وهران  (Le quotidien d’Oran)حيث شرح أسباب رجوع الحكومة للغاز الصخري فأكد ما نقوله ونصرح به في عدة مناسبات من أن السبب هو تراجع احتياطات الصرف بعد انهيار صندوق ضبط الموارد بسبب الأزمة الطاقوية إذ تراجعت الاحتياطات من 144.1 مليار دولار نهاية سنة 2015 إلى 114.1 مليار دولار نهاية 2016 لتسقط تحت خط المائة مليار دولار نهاية هذه السنة إلى 97 مليار دولار (كما صرح بذلك كذلك وزير المالية عبد الرحمن راوية أمام نواب مجلس الأمة بمناسبة عرضه تعديل قانون القرض والنقد). ورغم التحسن الطفيف في نهاية 2017 لا تزال الاختلالات متواصلة حيث قدرت الواردات  ب 60 مليار دولار ومداخيل سونطراك 28 مليار دولار سنة 2016 ، وفي سنة 2017 بقيت الواردات بين 55/60 مليار دولار والصادرات ب 31 مليار دولار . وفي المقال الذي أشرنا إليه أظهر د.مبتول أسفا كبيرا على هذه النفقات الضخمة التي تراوحت بين 950 و 1000 مليار دولار بين سنتي 2000- 2016 دون أن تصل إلى تحقيق نسبة نمو ب 3%، وتركت الجزائر بعد أكثر من خمسين سنة من الاستقلال تابعة للمحروقات بنسبة 97/98% ، بنسبة بطالة في حدود 10% ولكن أغلبها في مناصب غير منتجة، مع وجود 50 % من الطبقة السكانية الشغيلة في القطاع الموازي، وبعد أن نبه بأن نسبة الاستهلاك المحلي للطاقة ستتضاعف بثلاث مرات في حدود سنة 2030 وأربع مرات في حدود سنة 2040 (بالايتنااد إلى تصريحات وزير الطاقة) أكد بأنه إذا بقي الحال كما هو عليه من حيث ضعف الاستكشافات الجديدة فإن الجزائر قد تضطر لاستيراد البترول سنة 2025، والغاز سنة 2030 لضمان الاحتياجات المحلية.

تبين هذه الأرقام أن الجزائر ليست من البلدان الغنية كثيرا بالنفط والغاز كما يعتقد الكثير، وأن مشكل الطاقة في الجزائر لا يتعلق بهبوط أسعار البترول فقط كما يحاول المسؤولون ترويجه بين الجزائريين، وأن المشكل الذي هو أكبر من مشكل تراجع الأسعار هو تراجع الإنتاج وعدم تجديد الاحتياطات منذ أكثر من عشر سنوات، وأن مخاطر تراجع الاحتياط سيصيب الجزائر قبل أغلب الدول المنتجة الأخرى المهددة بنفس الظاهرة، وأن المشكل الأكبر الآخر الذي لا يقل خطورة عن مشكل تراجع الإنتاج هو مشكل ارتفاع الاستهلاك المحلي بسبب ارتفاع عدد السكان وقلة الفعالية الطاقوية. إن طبيعة هذه الأزمة وأبعادها الثلاثية هذه هي التي تهدد تحول الجزائر من دولة مصدرة للطاقة إلى دولة مستوردة في آفاق 2030 إن لم تتغير السياسات. فكل المؤشرات تدل على ذلك كما قال عبد اللطيف بن أشنهو الخبير الاقتصادي ووزير المالية الجزائري السابق في كتابه” الجزائر: الخروج من الأزمة”،  موضحا أن ما سيُنتج في حدود 2030 سيتم استهلاكه محليا، حيث أن الاستهلاك المحلي للغاز سيأخذ 85 % من الانتاج. بل أكد في حديث له سنة سنة 2016 بأنه إن لم يتم اتباع إجراءات صارمة في الفاعلية الطاقوية لن يمكن بعد 2025 تلبية احتياجات الاستهلاك المحلية من البترول ومواجهة مستويات الإنفاق المتبعة ولو صعد سعر البترول إلى 140 دولار. وأكد هذا قبله د. بن بيتور بأن توازن الميزانية وفق السياسات المتبعة لن يتحقق ولو رجع سعر البترول إلى أعلى مستوياته، في حدود 120 دولار.

وقد أكد هذا العديد من الخبراء الآخرين منهم الخبير محمد السعيد بغول الذي اهتم بمستقبل الطاقة في الجزائر بعناية علمية كبيرة، اعتمادا على قاعدة “ذروة هيبرت” في مساهمته “الذروة البترولية في الجزائر: حقيقة أم خيال” في جريدة “le Soir” يوم 21 أوت 2016 من خلال تحليل معطيات الإنتاج والاستهلاك المتعلقة بالبترول الخام من 1963 إلى 2015، ونسبة تجديد الاحتياطات منذ سنة 2000. بين بغول في مقاله أن إنتاج البترول كان في سنة 1963 في حدود 24 مليون طن، ثم صعد إلى سقفه الأول إلى 54 مليون طن سنة 1978، وبعد ذلك نزل إلى 34 مليون بين 1983 و 1995. تبين بعد ذلك أن الذين اعتقدوا بأن الذروة البترولية الجزائرية كانت سنة 1978 كانوا خاطئين لأن الإنتاج وصل إلى أعلى مستوى سنة 2006 في حدود 64 مليون طن بمعدل 1,2 مليون برميل يوميا، ثم تراجع الإنتاج إلى 49 – 50 مليون طن بين 2013 – 2014 بتراجع 22 % في ثمان سنوات (بين 2006 و 2014).

بعد ذلك عرض بغول سيناريوهين وبدأ بالسيناريو المتشائم الذي أعتبره أكثر واقعية حيث أكد أن سقف 2006 يمثل مجمل ما تحصلت عليه الجزائر من مصادرها المعدنية المختلفة، ولن يكون السقف الجديد المتوقع سنة 2020 أعلى من سقف 2006 وربما سيكون أقل من 50 طن، آخذا بالاعتبار إمدادات الاكتشافات الجديدة التي ستبدأ في الإنتاج بين 2016 و 2019 ، علما بأن أغلبها اكتشافات غازية وأن زيادة إنتاج البترول ستكون غير معتبرة إلى غاية 2020. ووضح أن تلك الاكتشافات لن تستطيع وقف التراجع إلا لسنة أو سنتين ثم يكمل التراجع طريقه.

وسيكون من الصعب العودة من جديد إلى سقف 2006 ، حسبه، إن بقيت الاكتشافات محدودة كما هي عليه الآن. وإن بقي الإنتاج يتراجع بمعدل 2 إلى 3 % في السنة كما هو عليه منذ عشر سنوات فإن الإنتاج سيكون في 2020 في حدود 35 مليون طن، وسيتجه 60 % منه إلى الاسهلاك المحلي. مع التذكير بأن نسبة الاستهلاك المحلي نمت بشكل مفاجئ ب 2 % بين 1980 و 2000 إلى 8 % بين 2000 و 2015 . وباعتبار أن كمية الاستهلاك المحلي للطاقة اليوم هي في حدود 18 مليون طن وستكون سنة 2025 في حدود 25 مليون طن فستكون تلك السنة هي سنة وقف التصدير لأن عند هذا الأجل سيكون الإنتاج كذلك 25 مليون طن، وهي الكمية التي تغطي الاحتياجات الداخلية دون هامش إضافي للتصدير. ثم يأتي وقت استيراد الطاقة في حدود سنة 2030 حين ينزل الإنتاج إلى 12 مليون طن في السنة أي ما يغطي 40 % فقط من الاحتياجات الوطنية التي ستبلغ في هذا الأجل 32 مليون طن، أي بعد أقل من عشرين سنة.

ثم واصل تحليله ليسقط مختلف المعطيات على نظرية الذروة البترولية، وفق منحنى هوبرت المكافئ (parabole symétrique) فتوصل إلى أن نهاية البترول في الجزائر ستكون في حدود سنة 2040 في أحسن الأحوال، وفي 2035 في الآجال الأكثر واقعية. وحينما تحدث عن السيناريو المتفائل الذي تتمسك به شركة سونطراك باعتقادها أن الأرض الجزائرية غير مستكشفة بالقدر المطلوب ترك أمر الحكم على ذلك لعشر سنوات مقبلة وفق قاعدة علمية أخرى في مجال النفط حيث أن الرقم القياسي للسقف التاريخي إذا لم يكسر في عشر سنوات لن يكسر أبدا.

 رابعا: أزمة الفاعلية الطاقوية في الجزائر:

إن من أكبر ما يهدد الأمن الطاقوي الجزائري إذن هو الاستهلاك المحلي المفرط للطاقة، خصوصا الغاز الطبيعي (47 % من الإنتاج الآن) المرتبط بالنمو الديمغرافي وسوء الاستعمال وغياب الفاعلية الطاقوية، وعدم استغلال هذه الثروة لخلق ثروة أخرى دائمة في المجالات الإنتجانية وعلى رأسها القطاع الصناعي أو في مجالات الطاقة المتجددة. وحسب الوكالة الدولية للطاقة (2014) فإن جل استهلاك الطاقة في الجزائر (75.9 % ) هو للاستعمالات المنزلية (29.5 %) وللنقل (46.4 %)، ولا يأخذ القطاع الصناعي سوى 17.4 % ، و قطاع الخدمات 6.1 % والقطاع الفلاحي 0.6 % . ويرى الخبير في مجال الطاقة توفيق حسني الإطار السامي السابق في شركة سونطراك في مشاركته لندوة جريدة الخبر يوم  4 فبراير 2015 أن الاسهلاك في قطاعات الإنتاج لا يتجاوز 5 إلى 10 %، وأكد ذلك في نفس الندوة  د. الشيخ مجيد من مركز الطاقات المتجددة من وحدة بوسماعيل موضحا الفرق مع الدول الأوربية التي تستعمل 45% من الكهرباء والغاز في القطاع الصناعي و 10 % في الاستهلاك المنزلي،  وحذرا كلاهما بأن الجزائر إذا واصلت بهذه الوتيرة ستتحول إلى بلد مستورد  للطاقة في آفاق 2030 . وحذر من ذلك كذلك د.شيتور الذي ركز كثيرا على خطورة الاستهلاك المحلي غير المتناسبة مع وتيرة الإنتاج حيث أن الإنتاج ينقص والاستهلاك المحلي يزيد مما يبين بأننا نتجه حقيقة نحو بلد غير مصدر للطاقة، ثم سنكون بلدا مستوردا لها إن لم توضع استراتجية طاقوية يكون لها صدى حقيقي على أرض الواقع. ستمثل هذه الحالة المتوقعة وضعية اجتماعية واقتصادية وسياسية محرجة جدا لأي حكومة حالية أو مقبلة، لأن سياسة شراء السلم الاجتماعي التي انتهجها المسؤولون لمدة طويلة بواسطة الرفاه الريعي يصعب وقفها خوفا من التوترات الاجتماعية التي ينتجها التراجع عنها، وفي المقابل سيؤدي الاستمرار فيها كذلك إلى اهتزازات اقتصادية كبرى تنتج توترات اجتماعية خطيرة بعد حين. لقد أصبح الحصول على الطاقة الرخيصة بالنسبة للجزائريين حقا مكتسبا لا يمكن التراجع عنه، سواء ما يتعلق بالاستهلاك المنزلي ولأغراض النقل أو غير ذلك، تماما مثل مكسب السكن والمواد الغذائية المدعمة من طرف الدولة. وقد تسببت الأسعار الرخيصة للأسعار في نشر ثقافة التبذير على كل المستويات فتجاوزنا الحد الضروري من الاستهلاك بكثير دون أي تقدير لمحدودية هذه النعمة إذ يقدر المتخصصون أننا لا نحتاج في حقيقة الأمر إلا إلى 30 % من الطاقة التي نستهلكها. فلو نظرنا إلى استهلاك الكهرباء التي يُنتج جلها من الطاقة الأحفورية (85 %) وكلها تقريبا من الغاز وفق تقارير وكالة الطاقة الدولية (97 .8 TWh من الغاز و 1.8 TWh من البترول) سنجد أن نصيب العائلة الجزائرية من الكهرباء سنويا حسب الوكالة الوطنية لترقية وترشيد استعمال الطاقة بين 1800 و2000 كيلواط ساعي (Kwh)، أكثر بكثير من المعدل الدولي الذي يتراوح بين 200 و 250 كيلواط ساعي أي قرابة 10 مرات أكثر. وبخصوص الكلفة تدفع الأسرة الجزائرية 10 مرات أقل من المعدل العالمي، ويعتبر د.شيتور أننا نبذر 25% من الطاقة التي ننتجها. ومما يزيد في رفع كمية الاستهلاك الأدوات الكهرومنزلية التي تستهلك الطاقة أكثر والتي يفضلها أغلب الجزائريين بسبب انخفاض سعرها وعدم قدرة السلطات ضبط فئة الاستهلاك في الأدوات الكهرومنزلية من الفئة (A) إلى الفئة (G) بسبب الغش والفساد على مستوى صفقات الواردات في الخارج وعلى مستوى الجمارك، وفي مواقع البيع بالجملة والتجزئة.

وهو نفس الشيء  بالنسبة لوقود السيارات إذ أن تظافر تدني أسعار الوقود وخلل سياسة النقل وسياسة تشجيع شراء السيارات عن طريق القرض الاستهلاكي جعل نسبة استهلاك الوقود ترتفع بشكل مطرد يزيد في الاستنزاف الطاقوي، وقد زادت حضيرة السيارات في الجزائر من 2.6 مليون مركبة سنة 2006 إلى 8 مليون سنة 2016 وفق نشرة احصاءات عالم الطاقة التابعة لمجموعة بريتيش بتروليوم. وكمثال يوضح هذا في فترة زمنية محددة أعلنت وزارة الطاقة بخصوص المنتجات النفطية أن السوق الوطني استهلك ما يفوق 13 مليون طن خلال الشهور التسعة الأولى من 2015  أي بارتفاع 5.7 % بسبب ارتفاع الطلب على البنزين ب (7.5%) والمازوت (5.6 %)، واضطرت سوناطراك بفعل هذه الزيادة إلى اللجوء لاستيراد كميات معتبرة لتغطية حاجيات السوق المحلية حيث بلغ حجم الواردات في هذه الفترة 3.4 مليون طن أي بزيادة 64 %، منها أكثر من 80 % من البنزين والمازوت. والذي يعمق هذا المشكل هو الإخفاق في المجال المروري حيث لا يتوفر للناس بدائل منضبطة وفاعلة ونظيفة في النقل الجماعي على مستوى المدن الكبرى خاصة، كما لا توجد تدابير لتنظيم دخول المركبات الفردية للمدن مما يتسبب في ازدحام كبير يتسبب في تبذير كبير للطاقة من حيث كثرة استعمال السيارات وبسبب الازدحام الذي تُضيّع فيه الجزائر حسب الدراسة التي تحدث عنها د. شيتور 150 مليون دولار، حيث اعتبر أن عدد السيارات الإجمالي الذي يسير في كل وقت هو 500.000 سيارة تضيع كل سيارة لترا من الوقود في الانتظار أثناء الازدجام يجعلنا نضيع 500.000 لتر يوميا. وبشكل مجمل اعتبر بأن كل صاحب سيارة  يستهلك 1200 لتر وقود في السنة أي طن من البترول بسعر منخفض جدا علاوة على الوقود الذي يُهرب خارج الوطن. وبشكل مجمل ما يستهلكه قطاع النقل يمثل ثلث الاستهلاك النهائي للطاقة، ويعتبر النقل البري هو المهيمن على هذه الحصة (88 % سنة 2012) بسبب عدم تطور السكك الحديدية ووسائل النقل الأخرى كالنقل البري والنقل البحري، وهو المصدر الرئيسي للتلوث في الجزائر.

لا يمكن لأي حزب سياسي أن يسند الحكومة في تقليص أسعار الطاقة دون رؤية شاملة تهدف إلى رفع مستوى الدخل الفردي لترتفع القدرة الشرائية مهما غلت الأسعار. لا يتعلق الأمر بالنسبة لنا برفع نسبة نمو الناتج المحلي الخام كما يقول منتدى رؤساء المؤسسات وما تسعى إليه الحكومات المتعاقبة، ولكن كذلك بتحسين معيشة الناس بطريقة عادلة، لينمو الناتج الإجمالي الخام على أساس الاستهلاك الداخلي للإنتاج الوطني الذي يجعل شبكة المؤسسات تنمو وتتطور ويتحقق التوزيع العادل للثروة والتنمية المستدامة، وليس على أساس الريع والمضاربة. إن مراجعة الأسعار مطلوب لمعالجة التبذير في الاستهلاك وتحقيق الفاعلية الطاقوية ولكن يجب أن يندرج ذلك في إطار إصلاح شامل وفق معايير التنمية المستدامة ومعايير الحكم الراشد.

خامسا: أسباب الفشل: إنه المرض الهولندي.

قد يعتبر البعض أن هذا التحدي غير ممكن التحقق، وكيف يمكن لنظام سياسي عجز على تحقيق التنمية في زمن البحبوحة أن يحققها في زمن غياب الموارد التمويلية. وقد أجبنا عن هذا التساؤل المشروع مرات ومرات وقلنا بأن الجزائر تملك من الإمكانيات ما لا يُحصى لتحقق التنمية المستدامة بدون ريع البترول والغاز بشرط أن يتغير نمط الحكم، ويمكننا أن نقول بأن البترول والغاز هما اللذان منعا من التطور بسبب الاعتماد الكلي عليهما، وقد يكون أفولهما كمصدر تمويلي ريعي كبير هو طريق التطور والازدهار من زاوية ما. إن هذه الحالة ليست خاصة بالجزائر فقط، هناك كثير من الدول تسببت الوفرة المالية الريعية في تأخرها عن ركب الأمم وفق ما يسمى ” المرض الهولندي” أو ” لعنة المواد الأولية”. فما هو المرض الهولندي؟

يعرف المرض الهولندي بأنه حالة مرضية مجتمعية تصيب الحكام والشعب في البلدان التي تتوفر على موارد طبيعية كبيرة. فهي ظاهرة اجتماعية وسياسية واقتصادية وثقافية تتميز بحالة من الاسترخاء والكسل والتواكل وقلة الإبداع وانهيار الفاعلية الإنتاجية في مختلف المجالات الصناعية التحويلية والزراعية في بلدان تتوفر على موارد طبيعية غنية ووافرة مطلوبة في الأسواق العالمية وجاهزة  للتصدير تؤدي إلى الاعتماد التام على الواردات التي تسمح بها عوائد الريع لتوفير الاحتياجات الاستهلاكية. وهي حالة رُصدت في هولندا بعد اكتشاف البترول والغاز في بحر الشمال في بداية القرن الماضي، إذ قعد الهولنديون عن العمل وركنوا إلى الراحة واكتفوا بإعانات الدولة وتوسعوا في الإنفاق الاستهلاكي وأصبحت منح البطالة والإعاقات المفبركة أفضل لهم من العمل، وبسبب الاستغلال المفرط وغير الراشد لآبار البترول والغاز التي تراجع إنتاجها في آخر المطاف أصيب الاقتصاد الهولندي بصدمة كبيرة في الستينيات. وأول ما نُشر هذا المصطلح في مجلة الإيكونوميست في 26 نوفمبر 1977 ، وعرف به البروفيسور جوزيف ستيغلر الذي أخذ جائزة نوبل عن دراسته لهذا المرض والعلاقة بين التوسع في استغلال الموارد الطبيعية معدنية كانت أم زراعية وبين الانكماش في مجالات الصناعات التحويلية. وبالرغم من أن هذا المرض نُسب إلى هولندا فإن كثيرا من الدول أصيبت به قبل هولندا وبعدها، ومن هذه الدول اسبانيا في القرن السادس عشر بما حصلت عليه من ذهب بكميات كبيرة من مستعمراتها في أمريكا اللاتينية اكتنزتها كرصيد لقوتها الاقتصادية وفق النظرية الميركانتيلية فأدى ذلك إلى تخلفها في المجال الانتاجي فسبقتها بعد ذلك الدول الأوربية الأخرى وخصوصا بريطانيا بعد الثورة الصناعية. وكذلك استراليا منذ منتصف القرن التاسع، وبعد هولندا أصاب هذا المرض دولا أخرى بعد اكتشافها البترول والغاز ومنها المكسيك  وأذربيجان ونيجيريا وعموم الدول العربية، ومنها الجزائر الذي يبدو أنها ستتحمل الصدمة الأكبر جراء هذا المرض بسبب المبالغة التي فاقت الحدود في اعتمادها على الريع رغم قلة احتياطاتها وسرعة تراجع انتاجها. والجدير بالذكر أن المرض الهلوندي مرض عضال يصيب المجتمعات بالكسل والخمول ولكن يصيب قبل ذلك  السياسيين بالفساد المعمم والاستبداد والنزاع السلطوي والزواج غير الشرعي بين السلطة والمال كما بين ذلك الباحثان في مركز النمو الاقتصادي في جامعة ييل الأمريكية “ريكي لام” و ليونارد ونتشيكون” في بحثيهما عن المرض الهولندي وأثره على الساحة السياسية. غير أن هذا المرض ليس قدرا لا يتبدل، ولا مصيرا محتوما على الدول التي توفرت لها موارد طبيعية كبيرة، فقد استطاعت هولندا أن تنهض من كبوتها بعد تراجع الريع بالاعتماد على العمل وتغيير الثقافة المجتمعية والإصلاح السياسي وتوفير الرقابة والشفافية والتنافسية الاقتصادية، وها هي اليوم من الاقتصاديات العشرين في العالم بمداخيل أعلى من المعدل الأوربي، ولها مكانة دولية كبيرة إذ اختيرت عاصمتها لاهاي لتكون مقر العديد من المنظمات الدولية وصُنفت من طرف اليونيسيف الدولة الأكثر سعادة في العالم سنة 2011. كما أن هناك دولا تجنبت المرض الهولندي رغم توفرها على ريع كبير وأبرز هذه الدول النرويج التي تعد من أكبر الدول المنتجة للبترول في العالم ورغم ذلك لا تشكل عائداتها البترولية أكثر من 20 % من ناتجها المحلي الإجمالي، و هي تضع نسب عالية جدا من إيراداتها النفطية في صندوقها السيادي الذي يُعد من أضخم الصناديق السيادية في العالم ولا تسحب منه إلا قدرا قليلا لا يتجاوز 4 % لدعم ميزانياتها التي تعتمد كلية على الضرائب، وتستعمله في الاستثمارات المحلية وفي الطاقات المتجددة، وهي تحرص بشكل دائم على المحافظة على احتياطاتها من الاستنزاف لمصلحة الأجيال المستقبلية، فحفظت نفسها من تقلبات الأسواق البترولية وأزمات الطاقة الأحفورية وبنت بلدا مستقرا من أفضل البلدان في مختلف المجالات. وقد حرصتُ أن أضرب هذه الأمثلة لأبين بأن الحلول ممكنة ما دام غيرنا وجدها وتعامل معها بحسن تسيير الموارد الطاقوية وتحقيق الانتقال الطاقوي و الانطلاق لكسب رهان التنمية بعد انكسارها، لنؤكد مجددا بأنه قد يكون تراجع مداخيل البترول والغاز نعمة على الجزائر. وقد آن الأوان للنظر إلى الطاقة باعتبارها أداة لإنتاج الثروة ودعم وتمويل الاقتصاد وليس ريعا للاستهلاك دون إنتاج، أو لدعم الأنظمة الفاسدة والفاشلة والمتسلطة.

سادسا: تحول الجغرافيا الطاقوية العالمية:

لقد أدرك العالم أن زمن هيمنة الثروة الطاقوية الأحفورية التقليدية يسير نحو الزوال وأنه على الجميع الحد من الاعتماد على هذه الطاقة بسب طبيعتها غير الصديقة للبيئة وباعتبارها موردا غير قابل للاستمرار، ومن حيث أنها غير موزعة بشكل متوازن في مختلف أرجاء المعمورة. ستبقى الطاقة محورا أساسيا لمستقبل البشرية بالإضافة إلى الماء والغذاء ولذلك وجب التفكير في البدائل الدائمة وتحقيق الانتقال إلى خليط طاقوي متوازن.

إنه مهما تحقق من تقدم على صعيد البدائل الطاقوية ستبقى الطاقة الأحفورية مهمة ضمن هذا الخليط الطاقوي بسبب خصائصها الإيجابية المتمثلة في الكثافة الطاقوية وسهولة الاستغلال والنقل وسعرها المعقول بالنسبة لغيرها. لقد مكنت هذه الخصائصُ  من تحقيق طفرة غير مسبوقة على المستوى المعيشي في العالم المتقدم طيلة نصف قرن، إذ أن كل التطورات التكنولوجية التي سهلت الحياة للناس في شؤونهم الأساسية والجوانب الترفيهية باتت مرتبطة بالطاقة. غير أن هذه المكاسب الكبيرة أضحى لها ثمن ستدفعه البشرية كلها غاليا إن لم تراجع مشهدها الطاقوي.

إن من الخصائص السلبية للطاقة الأحفورية المتمثلة في الفحم والبترول والغاز هو نفاذها ومحدوديتها في تلبية الطلب، وتهديدها للبيئة وسلامة الإنسان إذا استعملت بقدر وطرق غير عقلانية، وتسببها في التوترات والحروب بسبب توزيعها غير المتوازن في الكرة الأرضية.

أما عن محدوديتها فإن الطلب العالمي على الطاقة الأحفورية ينمو أكثر من نمو إنتاج البترول والغاز، فمقدار الإنتاج سنة 2016 وصل إلى 97.166 مليون برميل في اليوم، وفي حدود 2035 لا يمكن إنتاج سوى 10 مليون برميل إضافي يوميا، وهو في حدود 9 مليون برميل في سبتمبر 2017 وفق التقارير الدولية. وقد أكد هذا الاتجاه العديد من مراكز الاستشارات والدراسات منها مجموعة Wood Mackenzie  للأبحاث والاسنشارات وفق ما نقله موقع (marketsvoice.com) إلى أنه في الفترة ما بين عامي 2008 و2011 اكتشفت شركات النفط حقول تنتج حوالي 19 مليار برميل جديد سنوياً، وقد انخفضت هذه الإنتاجية إلى 8 مليارات برميل سنوياً ما بين عامي 2012و2014، حتي وصلت إلى 2.9 مليار برميل فقط عام 2015.

ويتوقع المحللون في مجموعة Wood Mackenzie، أن يصل العجز إلى 4.5 مليون برميل يومياً بحلول عام 2035. في حين يبلغ الاستهلاك العالمي حالياً 95 مليون برميل يومياً، أي ما يُعادل 35 مليار برميل سنوياً. فرغم المجهودات الكبيرة المبذولة لتحسين إمدادات الطاقة من مخزون النفط العالمي لم تتحسن بالقدر المرغوب، مما يدل بأن الاحتياطات النفطية تتعاني كثيرا من الاستنزاف الذي تعرض له وسيأتي اليوم الذي تعجز فيه نهائيا عن الاستجابة للضغط الحاصل عليها. مع العلم أن وكثير من البلدان كانت مصدرة للطاقة  وصارت مستوردة منها هولندا وبريطانيا ومن منظمة الأوبك اندنوسيا، وغيرها والجزائر تسير نحو هذا الاتجاه كما بيناه أعلاه.

وبخصوص المخاطر البيئية فقد تتبعت هذا الموضوع بإسهاب كبير في رسالة الماجستير عن مشاكل التنمية والبيئة في العالم والقانون الدولي سنة 2008 وبينت بأن النمط الإنتاجي العالمي أصبح يكوّن خطرا على البيئة وأن ثمة استغلالا مفرطا للموارد الطبيعية يهدد التوازن البيئي، وتحدثت عن مختلف المؤتمرات الدولية التي عقدت للحد من كل هذا دون تحقيق الأهداف المرجوة، وبعد ما كان الحديث عن ثقف الأوزون والاحتباس الحراري حديث علمي يسجل في خانة الخيال أو التخمينات المستقبلية البعيدة أصبحت آثار ذلك تمس كل إنسان في العالم وأضخت صور الأضرار البيئية تصور على المباشر، كحالات ارتفاع درجات الحرارة والتراجع المزمن لطبقات الثلوج والتسحر وتوسع مساحات القحط وارتفاع وتيرة وشدة الأعاصير  وذوبان جبال الجليد في القطب المتجمد، وتلوث المياه والهواء، وانقراض بعض السلالات الحيوانية والنباتية، وانتشار الأمراض المرتبطة بالتلوث وغير ذلك. ويتفق العلماء بأن أسباب هذه المشاكل البيئية هو تمركز ثاني أوكسيد الكاربون في الفضاء الناتج عن احتراق الطاقة الأحفورية ( البترول، الغاز، الفحم). وحينما نتحدث عن المخاطر البيئية فإن ثمة المصدر الآخر للطاقة الذي يمثل مخاطر بيئية أكبر من الطاقة الأحفورية من حيث حجم الكوارث التي تصيب الإنسان والطبيعة خصوصا من حيث إفرازاتها وفضلاتها وعند الحوادث، وهي الطاقة النووية التي باتت هي الأخرى تمثل هاجسا مرعبا للشعوب التي تتواجد مفاعلاتها على أراضيها، وقد تسببت هذه المخاوف في ظهور منظمات غير حكومية قوية تلاحق الصناعة النووية وتضغط من أجل إلغائها نهائيا، وقد زاد في حدة هذه المطالب الحوادث الكبيرة التي وقعت في تشرنوبيل بأوكرانيا في أبريل 1986 التي تسببت في 3500 قتيل و95000 معطوب، والتسرب النووي الذي وقع في فوكوشيما باليابان على إثر زلزال عنيف في مارس 2011 والذي تسبب في مقتل 2000 قتيل، ناهيك عن آثار التلوث والتشوهات البيئية المرصودة في العديد من الدول، وقد أصبح التراجع عن الطاقة النويية وغلق المفاعلات سياسة متبعة تتجه إليها العديد من الدول خصوصا في أوربا.

أما عن الصراعات التي يتسبب فيها عدم التوازن في توزيع هذه الموارد الأحفورية فهي غير خافية عن المهتمين بالدراسات الجيوسياسية، إذ أصبح باديا في الساحة الدولية أنه حيثما يوجد البترول والغاز توجد الاضطرابات والصراعات، بل إن ممرات أنابيب الطاقة صارت تتسبب في الحروب وإبرام التحالفات الدولية على أساسها، وكثير من التوترات حول المضايق البحرية سببها حمولات البترول والغاز. ومما زاد في أسباب إشعال الفتن عدم التوازن في القوة بين الدول المستهلكة القوية بإمكاناتها الاقتصادية والعسكرية والدول المنتجة الضعيفة التي لم تستعمل مواردها لتحقيق التنمية وكسب أسباب القوة فصارت في حاجة لحماية الدول القوية دون أن تدرك بأنها تتجه إلى الاضمحلال والتفكك حين تنفذ مواردها الطبيعية. إن بعض هذه الدول في حالة احتلال غير مباشر وبعضها ربما هي في طريق احتلال  مباشر جديد بسبب مواردها الطبيعية. لقد رأينا كيف أن كثيرا من الدول كانت ضحية مواردها الطبيعية وموقعها الجيوستراتيجي في الشرق الأوسط وافريقيا وآسيا وأمريكا الشرقية،  كالعراق وليبيا وسوريا واليمن وأفغانسان وليبيريا ونيجيريا ورواندا والصومال وفنيزويلا.  وقد عبر عن هذا الخبير في الجغرافيا الاقتصادية للطاقة لوران هورفات ( Laurent Horvath ) حين قال: “إذا لم تستطع أمة أن تنتج محليا كمية الطاقة التي يحتاجها مواطنوها فإنها ستجد نفسها مضطرة لشرائها أو التوسل لأخذها أو تبديلها بمنفعة أخرى أو سرقتها من جهة ما، وإلا ستجد نفسها تواجه انهيارها وتفشي المجاعة التي تقضي على السكان حتى لا يبقى منهم إلا العدد الذي يستطيع العيش بالقدر المتاح من الطاقة”. وحينما نرى وضع العالم نجد بأن كل هذه الحالات موجودة.

لقد أدت هذه المخاطر المتنوعة الكبيرة إلى شعور مكونات الساحة الدولية بأن ثمة  مصلحة مشتركة بين الجميع للتوجه إلى الطاقات المتجددة، فالدول المتطورة المستوردة أصبحت تخاف من نضوب الطاقة الأحفورية وتقلبات أسعارها على أمنها الطاقوي ومصير اقتصادها، فأضحت تسارع إلى التحكم في البديل الطاقوي المتجدد حتى تتجنب الوقوع في فجوة طاقوية في المستقبل. والدول المصدرة أصبحت تخشى من ضياع الريع الذي كانت تُسيّر به ميزانياتها وتضمن من خلاله تموين سكانها بالطاقة فأصبح بعضها يرى أنه يجب التوجه دون تأخر إلى الاستثمار في الطاقة المتجددة قبل أن تضيع الفرصة نهائيا بتراجع مداخيل طاقتها الأحفورية، كما أن المنظمات الدولية المشكلة من ممثلي الحكومات والمنظمات غير الحكومية التي تتحدث باسم سكان الأٍرض  أصبحت قلقة أكثر من أي وقت مضى عن البيئة والمحيط السكاني وعن مصير الإنسان والكرة الأرضية كلها جراء التلوث الذي تسببه انبعاثات الطاقة الأحفورية. لهذا السبب تعددت المبادرات والتظاهرات والأبحاث والمؤتمرات الدولية الحكومية وغير الحكومية للبحث عن الحلول للحد من المخاطر وإيجاد الحلول المناسبة التي يشارك فيها الجميع. لقد بيّن هذا الانشغال المشترك بأن المحافظة على البيئة والموارد الطبيعية هي مسؤولية كل سكان الأرض، ابتداء من أبسط مواطن بالتزامه الاستهلاك العقلاني للطاقة واتباع برامج الفاعلية الطاقوية، إلى الحكومات التي يجب أن تتحكم في ابنعاثاتها الحرارية عن طريق الانتقال الطاقوي والمزيد من استعمال الطاقة المتجددة، إلى المنظمات الدولية التي عليها مواصلة الاهتمام بالموضوع ووضع الخطط وأخذ الالتزامات من الجميع وضمان المرافقة والمتابعة مع كل الحكومات، خصوصا مع الدول ذات النسب الأعلى في التلويث والمسؤولة عن الاستعمال المفرط للطاقة.

لم تكن المؤتمرات الدولية ذات أهمية بهذا الصدد من قبل، ولم تكن الدول تهتم بمخرجاتها إلى أن أصبحت اليوم أكثر جدية وفاعلية، وذلك بسبب وضوح وتعاظم المخاطر على الجميع. ومن أهم المؤتمرات الدولية بهذا الشأن مؤتمر ستوكهولم بالسويد سنة 1972، ومؤتمر ريو ديجانيريو بالبرازيل ” قمة الأرض” سنة 1992 ، وأخيرا مؤتمر باريس ” كوب 21″  سنة 2015 الذي أخذ التزامات دقيقة من الحكومات بضرورة خفض الانبعاثات الحرارية والتوجه أكثر نحو الطاقات المتجددة.

سابعا: التوجه العالمي نحو الطاقات المتجددة في العالم.

أمام هذه المخاطر الكبرى صار واضحا بأنه لا بد من التوجه نحو طاقات بديلة تضمن التوازن بين استمرار التنمية والتطور الاجتماعي والمحافظة على البيئة والاستقرار العالمي، وبالرغم من أن النتائج ليست بالقدر المطلوب فقد تقدمت كثير من الدول في تطوير استغلالها للطاقة المتجددة، خصوصا الدول المتطورة المستوردة للطاقة، وقد رسمت الهيئات الدولية المتخصصة في مجال الطاقة (الوكالة الدولية للطاقة، الأوبك، الشركات البترولية كبريتيش بتروليوم، توتال، أليبرتن..)  سيناريوهات مستقبلية تصف تراجع نسبة الطاقة الاحفورية التقليدية (بالرغم من أنها ستبقى جزء أساسيا في الأسواق العالمية) مع تقدم كبير للطاقة البديلة والغاز غير التقليدي. وقد بين تقرير (World Energy Outlook 2012) بأن استثمارات العالم في مجال الطاقات المتجددة هي 88 مليار دولار وستصل في حدود 2035 إلى ما مقداره 240 مليار دولار.

لقد أصبح التوجه للطاقات المتجددة وتحقيق الفاعلية الطاقوية ( تقليص استعمال الطاقة لنفس الخدمة بطاقة أكثر) شأنا دوليا نظمت بشأنه مؤتمرات كثيرة منذ عدة سنوات آخرها اتفاقيات ” أهداف التنمية المستدامة” التي صادقت عليها الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2015 بحضور 195 دولة والتي تتضمن 17 هدفا تعمل عليها الحكومات إلى غاية 2030 لمحاربة الفقر وعدم المساوات ومواجهة تغير المناخ والتي ينص الهدف السابع فيها على حق الجميع للوصول إلى طاقة نظيفة. وكذلك التزامات مجموعة السبعة ومجموعة العشرين للتسريع للوصول إلى الطاقة النظيفة والفاعلية الطاقوية. والإنجاز المهم في هذا الصدد هو الاتفاق التاريخي ” اتفاق باريس حول المناخ” أو ” كوب 21″  الذي ابرمت فيه 195 دولة اتفاقا بباريس يوم 12 ديسمبر 2015 لاحتواء الاحتباس الحراري (أو الاحترار) وضمان عدم ازدياد حرارة الأرض أكثر من 2 درجة مائوية بغرض تحقيق أهداف التنمية المستدامة وذلك من خلال خفض الإنفاق على الوقود الأحفوري، والتزام الحكومات بسياسات الانفاق على الطاقة المتجددة وتوجيه القطاع الخاص لذلك.

إن التوجه العالمي نحو الطاقة البديلة أصبح ظاهرة ملموسة يجد دعما وتأييدا في الأوساط الرسمية والشعبية في مختلف أنحاء العالم، وبعد أن كانت الصين سابقا من الدول المتحفظة على الضوابط الدولية للانبعاث الحراري أصبحت أكثر الدول سعيا للطاقة البديلة، وحتى الولايات الأمريكية المتحدة المتحفظة عادة لم يجد رئيسها الجديد دونالد ترامب تأييدا كبيرا على اعتراضاته على نتائج قمة باريس في داخل أمريكا ذاتها. يؤكد هذا التوجه التطور التصاعدي للاستثمار في مختلف أنواع الطاقات البديلة منذ 2002 إلى أن بلغ الذروة التاريخية سنة 2015 كما تبينه الوكالة الدولية للطاقة (iea) حيث تحقق إجمالي الاستثمار العالمي في الطاقة النظيفة طفرة واضحة في عام 2004 حين سجل إجمالي الاستثمار 61.8 مليار دولار، وفي 2005 كان 88 مليار دولار، ثم 128.2 مليار دولار في 2006، و174.7 مليار في 2007. ثم 205.2 مليار دولار في 2008. وفي 2009 وصل إجمالي الاستثمار إلى 206.8 مليار دولار، و176.1 مليار دولار في عام 2010، و317.5 مليار دولار في عام 2011، ثم في 2012 حقق 290.7 مليار دولار، ووصل إلى 268.6 مليار دولار في 2013، وفي 2014 وصل إلى 315 مليار دولار. وفي سنة 2015 حقق رقما تاريخيا ليتخطى التقدير البالغ 348.5 مليار دولار، وشملت الأرقام السنوية احتساب جميع فئات الاستثمار كتمويل الأصول، واستثمارات المشاريع الصغيرة، ورأس المال الاستثماري والأسهم. ورغم التراجع في حجم الاستثمار سنة 2016 بسبب تراجع كلفة الإنتاج والطفرة الكبيرة سنة  2015  فإن التوجه نحو مزيد من الاستثمارات في مختلف مجالات الطاقة المتجددة متواصل، ويقدر خبراء مجموعة بلومبرغ للمعلومات الاقتصادية والمالية (Bloomberg LP) بأنها ستزيد إلى 7.8 تريليون دولار بين عامي 2016 و2040، متفوقة على الطاقة الاحفورية التي ستذجب 2.1 ترليون دولار في نفس الفترة. ومن التوقعات التي تدل عليها تقارير السنوات الماضية لصالح الطاقة المتجددة انخفاض تكاليف الإنتاج حيث ستنخفض تكاليف توليد الطاقة عن طريق الرياح بنحو 41 في المائة بحلول عام 2040، وتكاليف الخلايا الكهروضوئية الشمسية بنحو 60 في المائة، مما يجعل هذه التقنيات أرخص الطرق لإنتاج الكهرباء في كثير من بلدان العالم بدء من عام 2020 إلى 2030، لتنتشر حول العالم بحلول عام 2040. ويرى جون جوبل، خبير الطاقة المتجددة في دونسكي لاستشارات الطاقة، في حديثه لـ«الشرق الأوسط» في أوت 2016 ، أن توقعات مسار المستقبل لاستثمارات الطاقة المتجددة أقل بكثير من توقعات أسعار الوقود الأحفوري، لكن اللافت للنظر دائما هو معدل التحول السريع نحو الطاقة النظيفة خلال الـ12 سنة الماضية والـ25 سنة المقبلة. وأضاف جوبل أن التوقعات المستقبلية لا تُظهر أي «عصر ذهبي» جديد للوقود الأحفوري، فعلى سبيل المثال سيتم تجاوز استخدام توليد الطاقة عن طريق الغاز لصالح مصادر الطاقة المتجددة في عام 2027، وستحل الطاقة المتجددة محل الفحم في 2037. وتبين التقارير الدولية بأن الاستثمار في الطاقات المتجددة نما بالضعف بالنسبة للطاقة الأحفورية رغم تراجع أسعار الطاقة في 2014.

إن الإشارة المهمة التي يجب الوقوف عندها أن العالم وصل إلى مستوى قياسي في القدرات الإنتاجية للكهرباء عن طريق الطاقة المتجددة رغم تراجع الاستثمرا ب 23 % بالنسبة لسنة 2015 حسب التقرير الذي أصدرته الأمم المتحدة في ابريل 2017 تحت عنوان ” التوجهات العالمية للاستثمار في الطاقة المتجددة”.
إن عدد الدول التي حددت أهدافا للوصول إلى الطاقات المتجددة وصل إلى 176 دولة سنة 2016 وفق تقرير شبكة سياسة الطاقة المتجددة للقرن الواحدة والعشرين REN21 الذي أصدره المركز الإقليمي للطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة (RCREEE).  وتقدر الوكالة الدولية للطاقات المتجددةInternational RenewableEnergy Agency. IRENA) ) بأن هذا العدد تضاعف أربع مرات منذ 2005 فقط . وبعد ما كانت الدول المتقدمة هي الميهمنة على الاستثمارات في الطاقة المتجددة أصبحت الدول الصاعدة تنافسها بل استطاعت الصين أن تتصدر المجال حيث استثمرت 102.9 مليار دولار في سنة 2015 بنسبة 36 % من إجمال الاستثمار العالمي  وبنمو 17 % على استثمراتها السنة الماضية، تأتي بعدها  أوربا 48.8 مليار دولار بتراجع -21 %،  ثم الولايات الأمريكية المتحدة ب 44.1 مليار مليار دولار بنمو 19 % ،  ثم الهند ب 10.2 مليار دولار  بنمو 22 % .

ومن حيث الإنتاج الطاقوي من المصادر المتجددة فقد وصلت القدرات الطاقوية إلى 1849 جبغاوات (GW) في نهاية 2015 مع ازدياد في النمو في 2016 رغم تراجع الاستثمارات. وتأتي الصين في المرتبة الأولى ثم الولايات الأمريكية المتحدة ثم البرازيل ثم كندا ثم روسيا ثم   الهند  ثم النرويج ثم ألمانيا ثم اليابان ثم السويد وفق تقرير مؤسسة كهرباء فرنسا (EDF).

وحسب منظمة الأمم المتجدة للبيئة في تقريرها المنشور في جوان 2017 على موقعها فقد سجلت إضافات الطاقة المتجددة أرقاماً قياسية جديدة فى عام 2016، بلغت 161 جيجاوات، مما رفع إجمالى الطاقة العالمى بنسبة 9٪ تقريبا مقارنة بعام 2015. وتمثل الطاقة الشمسية الكهروضوئية حوالى 47٪ من القدرة المضافة، تليها طاقة الرياح بنسبة 34٪ والطاقة الكهرومائية بنسبة 15.5٪. وأصبحت مصادر الطاقة المتجددة الخيار الأقل تكلفة، كما شهدت الصفقات الأخيرة فى كل من الدانمرك ومصر والهند والمكسيك وبيرو والإمارات العربية المتحدة بيع الكهرباء المتجددة بسعر 0.05 دولار للكيلو وات/ساعة أو أقل، أى أدنى بكثير من التكاليف المكافئة للوقود الأحفورى والقدرة على توليد الطاقة النووية فى كل من هذه البلدان.

ووفق تقرير الوكالة الدولية للطاقة (eia) الصادر في  ماي 2016 تأتي الصين في المرتبة الأولى في مجال القدرات المركبة للطاقة الشمسية ب 43.5 جيغاواط ثم ألمانيا ب 39.7 وبعدها اليابان ب 34.4 . ومن حيث الحصة الطاقوية لكل فرد تأتي ألمانيا في المرتبة الأولى ب 491 واط  لكل ساكن ثم إيطاليا ب308 واط/ساكن  ثم بلجيكا 287 واط/ساكن. وبالنسبة لطاقة الرياح فهي الأكثر أهمية وفق تقرير المجلس العالمي لطاقة الرياح (Global Wind Energy Council) سنة 2015 وتأتي الصين في المرتبة الأولى كذلك ب 145.4 جيغاواط بنسبة 33.6  % من الحصيلة العالمية تأتي بعدها الولايات الأمريكية المتحدة ب 74.5 جياغاواط بنسبة 17.2 % عالميا، وبعدها ألمانيا ب 50 جيغاواط ونسبة 10.4 % عالميا. أما عن الحصيلة الفردية للسكان فتأتي في المرتبة الأولى الدانمارك ب 852 واط ثم السويد ب 557 ثم اسبانيا ب 494. وعن الطاقة الحرارية الأرضية، وهي طاقة غير منتشرة تأتي أمريكا الأولى ب 3.4 جيغاواط ثم الفيليبين ب 1.9 ثم اندنوسيا ب 1.3. و من حيث حصة الفرد الواحد تعتبر اسلندا حالة متميزة حيث تمثل الطاقة الحرارية 30 % من إنتاجها الطاقوي الوطني ب 2058 واط للفرد وبعدها نيوزلندا ب 225 ثم كوستاريكا ب 42 واط. وبخصوص الطاقة المائية فهي تمثل 19 % من الإنتاج العالمي للكهرباء وتأتي الصين دائما في المرتبة الأولى حسب تقرير 2015 للوكالة العالمية للطاقة  ب 920 تيتراواط/ساعة (TWH) ب23.8 % من الإنتاج العالمي وبعدها كندا ب 392 بنسبة 10.1 %عالميا ثم البرازيل 391 بنسبة 10.1 % ثم الولايات الأمريكية المتحدة ب 290 بنسبة 7.5 عالميا. وتأتي النرويج في المرتبة الأولى من حيث مصدر الطاقة الوطني ب 96.1 % ثم البرازيل 68.6 % ، ثم فنيزويلا  67.8 %ثم كندا 60.1% . وأما عن طاقة الكتلة الحيوية وهي أقدم طاقة عرفها الإنسان فإن أمريكا تأتي في المقدمة عالميا بنسبة 15.9 % ثم ألمانيا ب 11.2 % ثم البرازيل ب 11% .

وأما عن الدول التي توشك أن تحقق الانتقال الطاقوي بنجاح كبير فهي: اثيوبيا (93.6 %) ، واسلندا (70 %) من استهلاكها الطاقوي يأتي من الطاقة الكهرومائية ومن الطاقة الحرارية الأرضية، ، النرويج ( 60 % من الاستهلاك الطاقوي من الطاقة المتجددة)، ، البرازيل  وهو البلد المصنع الذي لا يستعمل سوى 11.8 % من الطاقة ذات المصدر الأحفوري أو النووي خلافا للدول الصناعية الأخرى التي تعتمد عليها بنسبة 87 %، وكوستاريكيا الآرغواي ويعتبران أنهيا الانتقال الطاقوي بنجاح.

وفي المجمل وصل الاستهلاك النهائي من الطاقة المتجددة وفق شبكة الطاقة المتجددة 21 (REN21)سنة 2015 إلى 19.3 %من الاستهلاك النهائي العالمي للطاقة ( 78.4 % من الطاقة الأحفورية و 2.3 % من الطاقة النووية). مع نمو 2.8 % للطاقات المتجددة مقابل 1.8 % للطاقة الأحفورية والنووية، والمقدر أن تصل نسبة الطاقة المولدة من المصادر المتجددة إلى حدود 26 % سنة 2020  و37 % في سنة 2040 وفق الوكالة الدولية للطاقة.

لقذ دحضت هذه التطورات مسلمة هيمنة الدول المتطورة والغنية وحدها على الطاقة المتجددة، كما بينت بأن الأسعار تتجه لتكون في متناول الجميع وتحت تصرف قرى نائية فقيرة، كما بينت نجاحات دول غير مشمسة كثيرا مثل الدانمارك وألمانيا  في إدارة ذروة الإنتاج بأنه يمكن الاعتماد كلية على الطاقة الشمسية وتجاوز عدم انتظامها، وبقي السؤال الكبير المطروح هل سيصل العالم إلى الاعتماد كلية على الطاقات المتجددة في يوم من الأيام؟

أجرت شبكة سياسة الطاقة المتجددة في القرن  21 (ren21) استبيانا بهذه الصدد نشرته في أبريل 2017 بينت فيه أن أغلبية خبراء الطاقة (71 %) يوافقون على أن الوصول إلى الاعتماد الكلي (100 %) على الطاقات المتجددة ممكن وواقعي، في حين رأى 17 % منهم خلاف ذلك، وتحفظ عن الجواب الباقون (12 %). غير أن الوصول إلى هدف الاعتماد التام على الطاقة النظيفة لن يتأتى في العقد أو العقدين المقبلين حسب الاستطلاع حيث لا يرى سوى 8 % فقط بأن ذلك يمكن أن يتحقق في حدود عام 2050، ويرى 56 % أن نسبة التغطية بالطاقة المتجددة في هذه السنة ستكون بين 40 و 70 % . وفي مقابل هذا ترى منظمة غرينبيس المدافعة على البيئة أن الوصول إلى الاعتماد الكلي على الطاقة الصديقة للبيئة ممكن في حدود منتصف القرن إذا تمت مواجهة لوبي صناعات الوقود الأحفوري.

لقد أدرك العالم بأن المستقبل هو في الطاقة المستخرجة من المصادر المتجددة، وأن هذا المستقبل سيكون لصالح الجميع، لصالح البشرية حيث أن هذه الطاقة النظيفة ستحفظ الكرة الأرضية والكائنات الحية من التلوث المتصاعد بسبب الاستعمال المفرط للطاقة الأحفورية والطاقة النووية، ولصالح الدول المنتجة لهذه الطاقة من بترول وغاز وفحم حيث أنها تمكنها من التوقف من استنزاف هذا الريع غير المتجدد ويحفظها من انهيارات اقتصادية متوقعة ويؤهلها للتطور في مختلف المجالات من ناحية توفير القدرات التمويلية، وفي صالح الدول المستوردة للطاقة الملوثة بما يجعلها تستمر في تطورها الإنتاجي خصوصا في مجال الصناعة دون تبعية للدول المصدرة، ويساعد هذا على تحقيق الاستقرار والأمن في العالم، كما يكون ذلك في صالح الشعوب الفقيرة للوصول إلى الطاقة مثل ما حددته قمة الطاقة الأخيرة في باريس لا سيما أن تكلفة استخراج الطاقة تعرف تراجعا كبيرا خصوصا الطاقة الشمسية التي تراجعت معداتها الضوئية إلى حد 80 % في السنوات العشر الماضية مع ارتفاع محسوس لمردوديتها، وقد أصبح واضحا بأنه بات ميسورا جدا لكل السكنات في العالم أن تنتج طاقتها مباشرة من الطاقة الشمسية حيث من المتوقع أن تعمم التكنولوجية ويُبسّط استعمالها كما حدث لكثير من الاستعمالات التكنلوجية الأخرى عبر الزمن.

ثامنا: هل تسير الجزائر على خطى العالم؟

للأسف الشديد عرفت الجزائر تأخرا كبيرا في مجال الطاقة المتجددة رغم سبقها لذلك بالنسبة لكثير من الدول في العالم خصوصا في افريقيا والعالم العربي. ولا شك أن كل مدرك لهذه الحقيقة يعلم بأن التأخر سيكلفها ثمنا كبيرا إذ ضيعت فرصة القدرات التمويلية الكبيرة التي كانت تنعم بها أثناء فترة ارتفاع أسعار البترول في السنوات الماضية. لم يصبح سهلا على الجزائر رصد أموال كبيرة للاستثمار في هذا المجال المهم في الاستراتجية الطاقوية كما فعلت العديد من الدول بما يجعلها قادرة على تحقيق انتقال طاقوي يرتكز على مزيج يحتوي على نسبة عالية من الطاقة المتجددة حتى توفر على نفسها الاستغلال المفرط للطاقة الأحفورية بما يمنح لها هوامش تمويلية واسعة لتمويل اقتصادها من عوائد النفط والغاز ويمكنها من تغطية احتياجات السكان في مختلف أنحاء الوطن وضمان مستقبل طاقوي آمن للاقتصاد والاستهلاك المنزلي عبر الآجيال المتلاحقة. والمؤسف أن الجزائر ليست متخلفة في مجال الطاقة المتجددة عن الدول المتطورة كأمريكا وأروبا أو الدول الصاعدة كالصين والبرازيل فقط، بل هي متخلفة كذلك عن العديد من الدول الأفريقية والدول العربية. فبالنسبة لأفريقيا تأتي الجزائر في المرتبة الثامنة عشر بعد دول أغلبها أقل امكانيات مالية ومن حيث  الموارد البشرية، وحسب تقرير الوكالة الدولية للطاقة تحت عنوان “إحاصئيات القدرات الطاقوية المتجددة 2017″ تأتي اثيوبيا في المرتبة الأولى من حيث القدرات المركبة وهو بلد ينافس على المراتب الأولى عالميا كما رأينا أعلاه وهو قصة نجاح حقيقية تصل قدراته الطاقوية المركبة من مصادر متجددة عديدة أهمها الطاقة الكهرومائية إلى 4188 ميغاواط، وبعدها جنوب افريقيا ب 4064 ثم مصر ب 3660 ثم جمهورية الكونغو الديمقراطية ب 2579 ثم زمبيا ب 2436 ثم المغرب ب 2309 ثم الموزمبيق ب 2200 ثم نيجيريا ب 2057 ثم كينيا ب 2057  ثم السودان ب 1793 ثم غانا ب 1612 ثم انغولا  ب 936 ثم زمبابوي ب 898  ثم أوغندا  ب 796 ثم الكاميرون ب 730 ثم تنزانيا  ب 659 ثم ساحل العاج  ب 604 ثم الجزائر 536 ميغاواط. وبالرغم من أن الجزائر تحتل المرتبة الأولى مع دول شمال افريقيا (مصر، المغرب وتونس وليبيا) من حيث التغطية الكهربائية ب 100 %حسب تقرير 2017 لمؤشر هندسة الطاقة العالمية (Global Energy Architecture Performance Index Report ) فإن  اعتماد توليد هذه الطاقة على الغاز بنسبة 85 % تجعل هذه التغطية هشة للغاية بالنظر لتوقعات الصعوبات الطاقوية الأحفورية المنتظرة علاوة على المشاكل البيئية المصاحبة.

وبالنسبة للعالم العربي فإن الجزائر كغيرها من الدول العربية متأخرة في القدرات الطاقوية المتجددة المركبة، حيث لم تتجاوز النسبة العربية 6 % من مصادر الطاقة الإجمالية بعيدا عن المعدل العالمي الذي وصل قرابة 20 %، وفي إطار هذا الواقع العربي المتخلف تحتل الجزائر المرتبة الخامسة في مؤشرات الطاقة المتجددة في البلدان العربية ضمن التقرير الذي أصدره المركز الإقليمي للطاقة المتجددة و كفاءة الطاقة (RCREEE)   بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ( pnud) لعام 2016 (AFEX)   الذي يقيّم واقع المنطقة العربية بالاعتماد على أربعة عوامل رئيسية و هي بنية السوق ،الأطر السياسية ، القدرات المؤسساتية ، التمويل و الاستثمار. يحتل المغرب الشقيق المرتبة الأولى في النتيجة النهائية بنسبة 71 % تليه الأردن بنسبة تصل إلى 66% ثم مصر بنسبة 55  % ثم الإمارات العربية المتحدة بنسبة 54 % ثم فلسطين ( التابعة لإدارة السلطة الفلسطينية) ب 51 % ثم تأتي الجزائر في المرتبة الخامسة ب 47 % . ويُعد المغرب من الدول الأكثر فاعلية في كسب رهان الطاقة المتجددة وقد رتب ضمن الخمسة الأوائل عالميا في حجم الاستثمارات في الطاقات المتجددة والمرتبة الأولى في الأسواق الأكثر حيوية في مجال تخطيط وإنشاء محطات الطاقة الشمسية وفق شبكة (ren21)، فالبرغم من تراجع الاستثمارات دوليا سنة 2016 واصل المغرب تقدمه من خلال زيادة السعات المركبة و تشغيل مشاريع جديدة في مجال الرياح و محطات الطاقة الشمسية متمثلة بمحطة نور 1 (160ميغاواط ) التي تعد من أكبر المحطات الشمسية في العالم و التي تعد المرحلة الأولى من مشروع نور-ورزازات و الهادف بعد الانتهاء من مراحله الأربعة من إنتاج 580 ميغاواط . ويتربع مشروع نور ورززات الذي سيتنهي سنة 2018  على مساحة 3 آلاف هكتار، وهو أكبر مشروع من نوعه في العالم لإنتاج الطاقة الشمسية ولو استمر المغرب على هذه الوتيرة سيحقق الهدف الذي رسمه للوصول إلى 52 % من احتياجاته الكهربائية من مصادر الطاقة النظيفة سنة 2030 كما سيساهم بتخفيض انبعاثات الكربون، علما بأنه يعتمد حاليا على استيراد حاجته من الطاقة الأحفورية بنسبة 90 %. وقد تنقلب المعادلة ويصبح مصدرا للكهرباء لجيرانه.

تعاملت الجزائر مع مشاريع الطاقة المتجددة كما تتعامل مع باقي المجالات، أي أنها تنتج نصوصا جيدة ولكنها لا تعمل على تحقيق مضامينها، وفي كثير من الأحيان تسير في الاتجاه المعاكس لها. أدركت الجزائر أهمية الطاقة المتجددة في وقت مبكر جدا إذ بدأت التفكير في استغلال الطاقات المتجددة منذ العام 1980، عندما انتقل سعر برميل النفط في السوق العالمية من 11 دولاراً للبرميل إلى 35 دولاراً، فرأت بأن القدرات التمويلية الجديدة تمكنها من تحقيق الانتقال الطاقوي بإدخال الطاقات المتجددة في تشكيلتها الوطنية للطاقة، وأنشأت المحافظة السامية للطاقات المتجددة عام 1982، مكونة من خمسة مراكز ومحطة تجريبية للأجهزة الشمسية، وشرعت في استغلال هذه الطاقة، بالموازاة مع استغلال الطاقة النووية في المجال الطبي والزارعة، وكذا للكهرباء، ولو استمر الحال على تلك النية وتلك الخطط لكانت الجزائر من الدول الرائدة في الطاقة البديلة ولكانت دولة نووية بحق، ولكن ذلك كله لم يتحقق. باغتت الأزمة الاقتصادية الجميع بسقوط أسعار البترول سنة 1986 وحاول الشادلي بن جديد الذي كان صاحب حكمة في السياسة ولكنه لم يكن على قدر من الكفاءة في المجال الاقتصادي ولم يكن حوله نخب نافذة قادرة على تحقيق الانتقال اقتصادي من خلال الانتقال الديمقراطي. اشتد الصراع حول الشادلي بين كل التيارات المتطرفة داخل السلطة وفي المجتمع واشتغل الجزائريون بالصراعات الأيديولوجية والصراع على الحكم ولم يدركوا أنهم ذاهبون بالبلد كله إلى حتفه. حينما فشلت الجزائر في الانتقال الديمقراطي في بداية التسعينيات فشلت في الانتقال السياسي والانتقال الطاقوي والانتقال الاقتصادي، وأصبح الصراع صراعا غريزيا على البقاء والنفوذ، ولو لا تضحيات رجال وطنيين صادقين من داخل الدولة وفي المجتمع، ومنهم قادة ومناضلي حركة مجتمع السلم عل رأسهم الشيخ محفوظ نحناح لانهار البلد انهيارا تاما.

ها نحن اليوم نعود لنفس المسار: جهة حاكمة لم تقدر تضحيات الرجال الذين كانوا في مقدمة الصفوف في زمن المحنة، ولم تراع آلام الشعب الجزائري أثناء مواجهة الأزمة في فترة عنفوانها، سيطرت على السلطة فلم تستصحب معها إلا جوانبها السلبية، وها هي الأزمة البترولية تعصف بالاقتصاد الوطني مجددا، بشكل أخطر وأعمق من فترة الثمانينيات.

حينما ارتفعت أسعار البترول وتماشيا مع التوجهات الطاقوية الدولية سطرت الجزائر سنة 2011 برنامجا جيدا بالرغم من أن طموحه لم يتناسب مع الامكانيات المالية الكبيرة آنذاك ، ولكنه مرة أخرى انتكس مع توجهات الغاز الصخري الأخيرة كما سنرى لاحقا. كان برنامج الطاقات المتجددة والفعالية الطاقوية (2011 – 2030) الذي تبنته الحكومة في مارس 2011  قاعدة جيدة لاستدراك الانقطاع الطويل منذ المحاولة الأولى في الثمانينيات لجعل الطاقات المتجددة في عمق السياسة الطاقوية والتوجهات الاقتصادية الجزائرية من خلال تطوير الطاقة الشمسية الضوئية والحرارية وطاقة الرياح وإدخال مختلف فروع الكتلة الحيوية، والطاقة الحرارية الأرضية، ثم جاء البرنامج الوطني المتمم والمعدل لتنمية وتطوير الطاقات المتجددة (2015-2020-2040)  الذي صادقت عليه الحكومة في فيفري 2015 فكان اعترافا ضمنيا لعدم التوفيق في البرنامج الذي سبقه ولكنه أعطى نفسا جديدا تسببت فيه الهزة البترولية بعد انهيار أسعار النفط.

حدد البرنامج الأول وفق مركز تنمية الطاقات المتجددة (cder.dz) أهدافا عديدة مبثوثة في مختلف فصوله منها:

ـ تأسيس قدرات ذات أصول متجددة مقدرة بحوالي 22.000 ميغاواط في الفترة الممتدة بين 2011 – 2030 . منها 12.000 موجهة لتغطية الطلب الوطني على الكهرباء، و10.000 موجهة للتصدير للوصول إلى إنتاج 40 % من الإنتاج الإجمالي الوطني للكهرباء من المصادر المتجددة سنة 2030 ( 37 % من الطاقة الشمسية، 3 % من طاقة الرياح).

ـ يشمل البرنامج من 2011 إلى غاية 2022 إنجاز ستين محطة شمسية كهروضوئية وشمسية حرارية وحقول لطاقة الرياح ومحطات مختلفة تهدف إلى تطوير صناعة الطاقة الشمسية وتطويرها مرفقة ببرنامج تكويني وتجميع المعارف واستغلال المهارات المحلية وترسيخ النجاعة الفعلية على مستوى الهندسة والإدارة عبر المراحل التالية:

° المرحلة الأولى: بين 2011 –2013 : تخصص لإنتاج المشاريع الريادية (النموذجية) لاختبار مختلف التكنولوجيات المتوفرة.

° المرحلة الثانية: بين 2014 –2015 : وتتميز في المباشرة في نشر البرنامج.

° المرحلة الثالثة: بين 2015 –2022 : خاصة بالنشر على المستوى الواسع.

ـ يعرف برنامج الطاقات المتجددة بالمراحل التالية:

° من 2011 إل غاية 2013: يتوقع تأسيس قدرة إجمالية تقدر ب 110 ميغاواط.

° في آفاق 2015 يتم تأسيس قدرة إجمالية تقارب 650 ميغاواط.

° إلى غاية سنة 2020 ، ينتظر تأسيس قدرة إجمالية بحوالي 2.600 ميغاواط للسوق الوطني واحتمال تصدير ما يقرب من 2.000 ميغاواط.

° إلى غاية 2030 من المرتقب تأسيس قدرة تقدر بحوالي 12.000 ميغاواط للسوق الوطني و من المحتمل تصدير ما يقرب من 10.000 ميغاواط.

ـ تطوير القدرات الصناعية ببلوغ نسبة إدماج 60 % في مجال الطاقة الشمسية كهروضوئية و80 % في 2020، ونسبة إدماج ب 50 % إلى غاية 2020 بخصوص الأجهزة الخاصة بفرع الطاقة الشمسية الحرارية.

ـ وتم تأسيس العديد من الهياكل التنظيمية والمؤسساتية المؤطرة لهذا التوجه منها: مركز تطوير الطاقات المتجددة (CDER)، وحدة تطوير التجهيزات الشمسية (UDES)، وحدة البحث التطبيقي للطاقات المتجددة بغرداية (URAER)، وحدة بحث الطاقة المتجددة في المناطق الصحراوية في أدرار، مركز بحث وتطوير الكهرباء والغاز (CREGEG) وكالة ترقية وعقلنة استعمال الطاقة (APRUE). وبالموازاة مع هذا تم وضع ترسانة من التشريعات المرافقة.

حينما نقيم ما أنجز من هذه المخططات نجدها بعيدة عن الطموح المأمول. ما أنجز إلى حد الآن ما يلي: تفعيل محطة هجينة لتوليد الكهرباء ( غاز – طاقة شمسية)SPPI بقدرة إنتاجية إجمالية تصل 150 ميغاواط منها 25 ميغاواط من الطاقة الشمسية وهي لا تنتج إلى حد الآن سوى 100 ميغاواط، تفعيل حقل طاقة الرياح بولاية أدرار التابع للمؤسسة الجزائرية لإنتاج الكهرباء (SPE)ذي قدرة إجمالية 10 ميغاواط في جوان 2014، المحطة النموذجية الكهروضوئية في غرداية في جويلية 2014 بقدرة إنتاجية 1.1 ميغاواط (SPE) ، 22 محطة كهروضوئية تابعة لشركة الكهرباء والطاقات المتجددة بقدرة إجمالية تقدر ب 343 ميغاواط . فالنتيجة الإجمالية للطاقة في الجزائر من المصادر المتجددة في حدود 400 ميغاواط فقط.

تم تقييم هذا البرنامج وقامت الحكومة في فيفري 2015  بإصدار البرنامج الوطني المعدل لتنمية وتطوير الطاقات المتجددة ( 2015 – 2020 – 2030 )الذي توجه نحو التركيز على الطاقة الشمسية الكهروضوئية وطاقة الرياح وأجل الطاقة الشمسية الحرارية إلى غاية 2021 بسبب الامكانيات التمويلية مع إدخال مصادر الكتلة الحيوية والطاقة الحرارية الأرضية والطاقة الهجينة على النحو التالي (إلى غاية )2030:

ـ الطاقة الشمسية الكهروضوئية: 13575 ميغاواط.

ـ طاقة الرياح: 5010 ميغاواط.

ـ الطاقة الشمسية الحرارية: 2000 ميغاواط.

ـ الكتلة الحيوية: 1000 ميغاواط.

ـ التوليد المشترك غاز و طاقة شمسية: 400 ميغاواط.

ـ الطاقة الحرارية الأرضية: 15 ميغاواط.

لم يدفع إلى إعادة الاهتمام بالطاقة البديلة في سنة 2015 سوى الفزع الذي أصاب المسؤولين جراء انهيار أسعار البترول وانهيار صندوق ضبط الموارد وانكماش احتياطي الصرف، وفي ظل هذه الهبّة الاضطرارية رفع الوزير السابق للطاقة بوطرفة السقف عاليا بدعوته إلى مناقصة دولية لإنتاج 405O  ميغاواط ، غير أن الحكومة الجديدة تحت قيادة أحمد أويحيى ألغت المناقصة ورجعت فجأة للاهتمام بالغاز الصخري بالرغم من أن المعلومات عن احتياطات الغاز الصخري غير دقيقة والمردودية غير مؤكدة والمخاطر البيئية عالية، وفي هذا الإطار أكد الخبير  توفيق حسني، خلال استضافته بمنتدى ”الخبر” يوم 15 أفريل 2015 أن الاستثمار في الغاز الصخري يجب أن يكون على المدى البعيد، أي لتلبية الاحتياجات الوطنية لـ50 سنة مقبلة. وأكد في هذا السياق أنه يكلف إنفاق 40 مليار دولار في حين أن استخراج الطاقة من الموارد المتجددة لا يكلف سوى 10 ملايير دولار. إنه يصعب حقيقة على الإنسان أن يفهم هذه السياسات التي تبدو مناقضة للمصلحة الوطنية، إذ كيف يعقل أن تُترك المشاريع النافعة للوطن والمجربة في كثير من الدول، ويُتوجه إلى إنفاق أموال طائلة على مشاريع لا تزال عديمة المردودية وغامضة الأفق تتعامل معها الدول المتطورة بحذر شديد إلى حد الآن مثل ما بيناه سابقا.

إن هذا الإخفاق الكبير والدوران في حلقة مفرغة والتخبط في القرارات في مشاريع الطاقة المتجددة وفق ما  تبينه تقارير الوكالة الدولية للطاقة (iea.org) ويتحدث عنه كثير من الخبراء الجزائريين أفقدنا الوقت فتجاوزتنا كثير من الدول التي بدأت تهتم بعدنا بهذه الطاقة التي سيكون لها دور كبير في المستقبل، ومن هذه الدول دول شقيقة كالمغرب ودول افريقية أقل امكانيات منا كأثيوبيا كما بينا أعلاه. كما أفقدنا التأخر فرصة القدرات التمويلية الكبيرة لإنجاز استثمارات كبرى في المجال تتطلب كما نص عليه البرنامج ذاته 120 مليار دولار،  ضاع أكثر منها بكثير  في مشاريع شراء الذمم وتسكين الجبهة الاجتماعية بغير هدى ولا بصيرة ولا مقاصد نبيلة، وقد يفقدنا ذلك الإخفاقُ المستقبلَ كذلك لا قدر الله.

ومن الأسباب الثابتة في إخفاقات الحكومات الجزائرية، ومنه هذا الإخفاق، هو ميزاجية الحكام، والاشتغال بأولوياتهم الشخصية بدل أولويات الوطن، وقلة الكفاءة، وعدم وجود الحكم الراشد، وغياب الشفافية، واستحالة الرقابة على الشأن العام والمساءلة. وقد أدى هذا السلوك اللاديموقراطي واللاتشاركي واللاتوافقي إلى خروج القوى الوطنية التي لا تتفق مع الحكومة من دائرة التأثير، ولم تجد مجالا للتصحيح وتقديم الرأي الآخر خصوصا على مستوى الهيئة التشريعية والرقابية في المجلس الشعبي الوطني غير المؤهل لأي نقاش سياسي وعلمي نافع للبلد. فالحكومة تعد برامج ضخمة ثم تتركها أو تخفق في إنجازها والكثير لا ينتبه إلى ذلك ولا أحد يحاسبها على الإخفاق. فما حدث على مستوى الصفقات الكبرى في مجال الطاقات المتجددة بقي غامضا لا يكاد أحد يعرف ما الذي يحدث، وأعني بذلك خصوصا المشروع التاريخي الضخم ديزارتيك لإنتاج الطاقة الشمسية، الذي أعطى أملا حقيقيا لانطلاقة قوية في تحقيق أهداف البرنامج بسبب وجود الطرف الألماني المتفوق عالميا في مجال الطاقة الشمسية وبسبب توفر القدرات التمويلية آنذاك، وقد حمل بعض الخبراء المفاوض الجزائري مسؤولية الإخفاق، كما صرح بذبك الخبير الاقتصادي الدكتور فارس مسدور لقناة cnn العربية 12 ماي 2016، مرجعا أسباب الإخفاق لضغوطات رجال أعمال ومصالح شخصية ضيقة، لا سيما أن المسؤولين أعمتهم في تلك المرحلة البحبوحة المالية على حد وصفه.

لقد وهب الله هذا البلد نعما عظيمة لم تتوفر لجل بلدان العالم، ومن هذه النعم المصادر الضخمة للطاقة المتجددة، وما يناسبها من قدرات استثمارية ضخمة من مداخيل تصدير الطاقة الأحفورية، ولكن للأسف الشديد لم تقع هذه النعم بين أيادي حكام راشدين، فضيعوا الطاقة الأحفورية وها هم يوشكون على تضييع فرص الطاقة البديلة، بل نخشى أن تتحول هذه الفرصة المتروكة، خصوصا في صحرائنا الكبيرة، إلى مصدر للبلاء جراء المطامع الخارجية.

الخلاصة: الانتقال الطاقوي هو الحل.

لقد أكدنا عبر فقرات هذا الموضوع على ما يلي:

ـ الطاقة ركن من أركان السياسة الدولية السائدة إذ لا شيء يؤثر في التحولات الجيوسياسية الدولية في هذا الزمن كموضوع الطاقة، فكثير من الفتن تُصنع والحروب تُوقد نارُها وكثير من الأرواح تزهق في العالم في مناطق عدة في العالم بسببها، وخصوصا حيث توجد احتياطات الطاقة ومناطق ممرات الأنابيب والحاملات.

ـ  الأمن الطاقوي ركن أساسي من أركان الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والسيادة الوطنية، خصوصا في الدول الريعية، فكل دولة ريعية تفقد أمنها الطاقوي تهتز توازناتها الاقتصادية والاجتماعية وقد تفقد سيادتها على قرارها وإقليمها، وقد تتحول إلى حالة بدائية متخلفة أو تدخل في فوضى تهدد الوحدة الترابية.

ـ لقد تأكد لكل مكونات المجتمع الدولي ( حكومات مصدرة ومستوردة للطاقة، أنظمة حاكمة ومعارضة، منظمات دولية، منظمات غير حكومية …) بأن العالم تجاوز الذروة البترولية وأنه مهما تعددت الاكتشافات الجديدة ومحاولات الاسترجاع بواسطة التطور التكنولوجي، وإدخال الطاقة غير التقليدية  لن تعود الطاقة الأحفورية إلى مجدها، وأنها ستكون جزء من الخليط الطاقوي العالمي ولكنها لن تكون مهيمنة، وقد تزول في أماكن عدة في العالم.

ـ لقد تأكد للجميع كذلك بأن المخاطر البيئية الناجمة عن الاستعمال المفرط للطاقة الأحفورية تجاوزت حدا مخيفا وخطيرا على سلامة الكرة الأرضية، وقد عبرت المؤتمرات الدولية العديدة عن هذه المخاوف، وكان المؤتمر الأخير في باريس (كوب 21) سنة 2015 مؤتمرا تاريخيا من حيث الحضور وعزيمة الحكومات المشارِكة والتزاماتها بضرورة تقليص الانبعاث الحراري بما يضمن عدم زيادة ارتفاع حرارة الأرض ب 2 % ببرامج محددة للفاعلية الطاقوية ورفع نسبة الطاقات المتجددة على حساب الطاقة الأحفورية في الخليط الطاقوي عالميا وفي كل بلد.

ـ لن تكون الطاقة النووية السلمية بديلا للطاقة الأحفورية بسبب مخاطرها البيئية من حيث فضلاتُها وانبعاثاتها وحوادثها المدمرة، ولذلك رغم توقع نموها المحدود نسبيا عالميا فإن كثيرا من الدول متجهة للتخلي عنها، خاصة في أوربا، بإرادة المسؤولين، وخاصة بضغط الرأي العام المحلي والدولي. كما أن الطاقة غير التقليدية ( الغاز الصخري ..) لا يمكن أن تكون بديلا في هذه المرحلة بسبب قلة المردودية والمخاطر البيئية كما بيناه في مقال خاص وفي هذا الموضوع أعلاه.

ـ بسبب هذه الاعتبارات السابقة يتجه العالم بخطى حثيثة نحو توسيع استعمال الطاقات المتجددة كالطاقة الشمسية، وطاقة الرياح، والطاقة الحرارية الجوفية، وطاقة الكتلة الأرضية. وهي طاقات موجودة في كل مكان ولا تتطلب الاستكشاف وصديقة للبيئة، وبإمكان استعمالها من قبل المجتمعات الفقيرة بالتطور الحتمي للتكنولوجيا وتبسيطها المستقبلي لتكون في متناول الجميع وتراجع أسعارها كما هو حال تاريخ أغلب التكنلوجيات مع مرور الزمن . وقد بلغت ذروة الاستثمارات العالمية سنة 2015 في ظل البرامج والمنظومات الحكومية، خاصة في الصين وأوربا، وتحت تأثير الارتباك الكبير في تحولات السوق البترولية. ورغم تراجع نسبة الاستثمارات في الطاقات المتجددة سنة 2016 ارتفعت نسبة الإنتاج، ومن أسباب ذلك تراجع كلفة الاستغلال. كما أن كثيرا من خبراء الطاقة يعتبرون بأن احتمال الوصول إلى الاعتماد التام على الطاقة المتجددة (100 %) في حدود 2050 ممكن وواقعي.

ـ لم تفلح الجزائر في وضع استراتيجية طاقوية، ولم تنجح في تسيير مواردها الطاقوية والمحافظة عليها، واتجهت اتجاها توسعيا في الاستغلال الريعي للطاقة الأحفورية لأغراض تمويلية، بعيدا عن إرادة تحقيق التنمية وخلق ثروة أخرى دائمة بعد الريع، ولم تكن تتفاعل إلا مع تحولات السوق النفطية بدون أي رؤية مستقبلية، ومن مؤشرات ذلك الاضطراب في التشريع والأولويات، حيث غيرت قانون المحروقات خمس مرات في وقت وجيز، وكان تغيير 2006 على قانون 2005  متناقضا تماما، صادق عليه نفس البرلمان. وكذا الاضطراب بين أولوية الطاقة غير التقليدية وأولوية الطاقات المتجددة ومكانة الطاقة النووية، وضعف تطوير الاسترجاع لحقول الطاقة التقليدية وغياب النظرة التكالمية.

ـ يعود سبب عدم النجاح في التنمية الاقتصادية والتوسع في الاستهلاك الطاقوي والاعتماد على مداخيل المحروقات إلى عدم كفاءة المسؤولين وانتشار الفساد في كل مفاصل الدولة، وانتشار الاتكال الكلي على الدولة من قبل المواطنين بسبب سياسة شراء السلم الاجتماعي لأغراض سلطوية. وكثير من هذه الأعراض هي أعراض المرض الهلوندي الذي يصيب الدول التي تنعم بالموارد الطبيعية حيث يصبح الريع مانعا للديموقراطية وينتشر الخمول والكسل لدى المسؤولين والسكان وتنتشر كثير من المظاهر السلبية كقلة الإبداع والاتكالية وكثير من مظاهر الفساد. وقد سُمي هذا المرض بالهولندي لأنه أصاب هولندا في الستينيات وأصاب قبلها اسبانيا وبعدها الدول التي اكتشف فيها البترول كالدول العربية ومنها الجزائر. غير أن هولندا تعافت منه وأصبحت دولة متطورة، وكذلك اسبانيا وغيرهما، وتجنبته بامتيار النرويج المتميزة بتطورها ونظمها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتي تدخر عوائد الطاقة الأحفورية للأجيال المستقبلية والفئاة الضعيفة.

ـ تتجه القناعة لدى العديد من الخبراء نحو اعتبار السقف الذي وصل إليه الإنتاج في الجزائر سنة 2006  ب 64 مليون طن هو الذروة الطاقوية الأحفورية في الجزائر، وأنه يصعب العودة إلى ذلك السقف من جديد إذا بقيت الاكتشافات محدودة كما هي عليه الآن. وإن بقي الإنتاج يتراجع بمعدل 2 إلى 3 % في السنة كما هو عليه منذ عشر سنوات فإن الإنتاج سيكون في 2020 في حدود 35 مليون طن، وسيتجه 60 % منه إلى الاسهلاك المحلي. مع التذكير بأن نسبة الاستهلاك المحلي نمت بشكل مفاجئ ب 2 % بين 1980 و 2000 إلى 8  بين 2000 و 2015 . باعتبار أن كمية الاستهلاك المحلي للطاقة اليوم هي في حدود 18 مليون طن وسيكون سنة 2025 في حدود 25 مليون طن فستكون تلك السنة هي سنة وقف التصدير لأن عند هذا الأجل سيكون الإنتاج كذلك 25 مليون طن، وهي الكمية التي تغطي الاحتياجات الداخلية دون هامش إضافي للتصدير. ثم يأتي وقت استيراد الطاقة في حدود سنة 2030 حين ينزل الإنتاج إلى 12 مليون طن في السنة أي ما يغطي 40 % فقط من الاحتياجات الوطنية التي ستبلغ في هذا الأجل 32 مليون طن، أي بعد أقل من عشرين سنة. وأما عن أجل نهاية الإنتاج فد أسقط بعض خبراء الطاقة  مختلف المعطيات المتوفرة بخصوص الطاقة في الجزائر على نظرية الذروة البترولية، وفق منحنى هوبرت المكافئ (parabole symétrique) فتوصلوا إلى أن نهاية البترول في الجزائر ستكون في حدود سنة 2040 في أحسن الأحوال، وفي 2035 في الآجال الأكثر واقعية بالنظر لمشكل الاستهلاك. وحتى الخبراء الذين يرون بأن تطوير الاسترجاع وإدخال إنتاج الغاز الصخري إذا ظهرت مردوديته قد يعود بالإنتاج إلى سقف جديد أو قريب منه يعتبرون ذلك مجرد تأجيل للذروة البترولية وأن المنحنى سيعود للنزول من جديد وفي كل الأحوال ستبقى الطاقة الأحفورية طاقة غير متجددة.

ـ اجتمعت في أزمة الطاقة في الجزائر عوامل عدة منها ضعف الانتاج بسبب تراجع الاحتياطي وضعف الاسترجاع، وارتفاع الاستهلاك المحلي بسبب عدم الانضباط بالفاعلية الطاقوية، وتراجع الأسعار لأسباب تطورات السوق الدولية والتحولات الجيوستراتيجية. ولم يعترف المسؤولون بالأزمة إلا حينما تأكدوا من استمرارها، ومن الاضطراب المزمن للتوازنات، ومن التوجه المؤكد نحو عدم قدرة الجزائر على التصدير في حدود سنة 2030 – 2040 على الأكثر. ويؤكد الخبراء بأن ارتفاع أسعار البترول مهما تحسنت لن تصل إلى المستوى الذي يخرج الجزائر من الأزمة لأن انضباط ميزانيتها لا يتحقق إلا بسعر برميل في حدود 120 – 140 دولار وهو أمر غير ممكن، علاوة على مشكل تراجع الموارد الطاقوية وإمكانية توقفها كمورد تمويلي في آجال ليست بعيدة.

ـ تعتبر الجزائر من الدول السباقة في الاهتمام بالطاقات المتجددة منذ الثمانينيات، ولكنها من الدول المتأخرة في الإنجاز وتحقيق النتائج فهي في المرتبة الثامنة عشر افريقيا في القدرات المركبة وراء  اثيوبيا وجنوب افريقا ونيجيريا ر ودول أخرى أقل إمكانيات من الجزائر، وعربيا وراء المغرب ومصر والأردن والإمارات وحتى وراء أراضي السلطة الفلسطينة. وقد أعدت الحكومة برنامجا جيدا سنة 2011 و لكن لم تحقق منه شيئا يذكر بالنسبة للطموح ( 400KW)، وراجعته سنة 2015 ومع ذلك بقيت مترددة لا تتبع أي رؤية أو استراتيجية واضحة، تتعارض تصريحات المسؤولين في كل مرة بشأن الطاقة البديلة ( سبع سنوات من التصريحات المتناقضة من 2010 إلى 2017 )، وتتأخر المشاريع تأخرا كبيرا أو تُلغى بدون أسباب مفهومة مثل مشروع ديزيرتيك، وتتتغير القوانين ولا يُسمع للخبراء المدركين لأهمية الموضوع حتى وإن كانوا قريبين من السلطة السياسية.

ـ رغم كل المخاطر التي بات الجميع يعترف بها لا يهتم المسؤولون الجزائريون بالأزمة إلا في شقها التمويلي العاجل دون رؤية مستقبلية ولا سياسات آمنة، لذلك هم يخططون لملء الفجوة التمويلية المتوقعة في السنوات الخمس المقبلة بالطرق غير التقليدية وأساسها الإصدار النقدي، ولو بدون ما يقابله من موارد ثمينة ثابتة أو ثروة اقتصادية على أساس العمل، ثم يعدّون أنفسهم لاستقبال عوائد الاستثمار في الغاز الصخري بعد خمس سنوات. لا شك أن هذه المغامرة ستكون خطيرة على البلد وقد لا نتجاوز الخمس السنوات الأولى وقد لا نجني مردودية تذكر من استثمارات الغاز الصخري، ونكون ضيعنا فرصة أخرى لتحقيق انتقال طاقوي عقلاني وآمن يحميه التوافق السياسي والرؤى الاقتصادية العلمية التي يسندها الخبراء في كل مكان.

ـ لقد أصبح تحقيق الانتقال الطاقوي واجبا شرعيا ووطنيا للحفاظ على البلد وحماية حاضره ومستقبله، والمقصود بالانتقال الطاقوي هو الانتقال من نظام انتاج واستهلاك تهيمن فيه الطاقة الأحفورية إلى نظام يعتمد على خليط طاقوي تقل فيه الكثافة الكربوينة وترتفع فيه الطاقات المتجددة وتُعتمد فيه الفاعلية الطاقوية.

تتمثل أهداف الانتقال الطاقوي من وجهة نظرنا في ما يلي:

ـ المحافظة على أمن واستقرار وسيادة البلد.

ـ المحافظة على التوازنات الاقتصادية الكبرى.

ـ ضمان الاحتياجات الطاقوية الوطنية بشكل دائم وبأسعار في متناول الجميع.

ـ مراجعة وتأجيل الذروة الطاقوية ما أمكن بتوسيع وتطوير مجال الاستكشاف.

ـ توفير موارد مالية لدعم التنمية من خلال تصدير الطاقة الأحفورية والطاقة المتجددة.

ـ توفير شروط التنمية الوطنية المستدامة بأركانها المعروفة اقتصاديا واجتماعيا وبيئيا.

ـ توفير شروط التنمية المحلية ومحو الفوارق الاجتماعية.

  • محاور الانتقال الطاقوي:

يختلف الانتقال الطاقوي من بلد إلى الآخر من حيث الظروف الاقتصادية والسياسية والاجتماعية ووفرة الموارد الطاقوية ولكنه يرتكز على نفس الركائز عموما:

ـ المحافظة على مصادر الطاقة الأحفورية.

ـ تحقيق الفاعلية الطاقوية.

ـ تطوير الخليط الطاقوي لا سيما الانتقال السريع والقوي للطاقات المتجددة.

ـ دراسة احتياطات الغاز الصخري ومتابعة التطورات التكنولوجية.

1 ـ المحافظة على الطاقة الأحفورية وتثمينها:

بما أن أسباب تراجع المداخيل من تصدير الطاقة الأحفورية وخاصة الغاز الطبيعي تعود للأسباب الثلاثة المعروفة وهي: تراجع الإنتاج وتدني الأسعار في الأسواق العالمية، وارتفاع الاستهلاك المحلي. فإن المعالجة تكون على هذه المحاور الثلاثة.

. تراجع الإنتاج: يعود تراجع الإنتاج إلى تراجع احتياطات الحقول القديمة باعتبار قدمها وتجاوز الذروة البترولية الخاصة بها، وقلة الاسترجاع، وعدم الوصول إلى اكتشافات ذات مردودية لحقول جديدة. وتكون المعالجة كذلك على هذه المحاور الخاصة بالإنتاج.

أما الحقول القديمة فيجب تطوير نسبة الاسترجاع التي لا تزال في حدود 20 % وهي من أخفض النسب في المنطقة، وذلك من خلال البحث عن شركات أفضل مما هو موجود، إذ ثمة شركات بترولية أخرى تحقق نسب استرجاع بأكثر من 40 – 45 % . علما بأن ثمة اختراقات تكنولوجية جديدة حققت نتائج معتبرة، مع ضرورة الاهتمام بالبحث العلمي في هذا المجال في الجامعة الجزائرية وتأهيل الإطارات الوطنية للمستوى المتوفر عالميا ما أمكن، مع التأكيد بأن  بذل المجهود في مجال الاسترجاع لا يقل أهمية عن المجهود الذي يبذل في الاستكشاف.

وبالنسبة للاستكشاف فالأفضل، هنا بالذات، أن نبني على النظرة التفاؤلية للمسؤولين الجزائريين في الحكومة وفي سونطراك الذين يعتبرون أن القدرات الطاقوية في الجزائر غير مستكشفة، وأن الذروة البترولية لم نصلها بعد، معتقدين أن 60 % من الأراضي الجزائرية لم تخضع بعد للاستكشاف خصوصا في الجنوب الغربي وفي الشمال وفي البحر ( 100.000كم2). فالمطلوب إذن أخذهم بكلمتهم والبناء على رأيهم ودعوتهم لتحسين شروط الاستكشاف برفع مستوى القدرات الوطنية لسونطراك، وبتحسين شرووط الشراكة مع الشركات الأجنبية وفق قاعدة رابح/رابح ، في إطار الشفافية التامة وبعيدا عن الفساد الذي عشعش في قطاع النفط، وباعتماد الكفاءة في تسيير هذا الملف من حيث التشريع والإدارة والمفاوضات وإبرام الصفقات وظروف الإنجاز.

. أما ما يتعلق بالإسعار فإن أفضل استراتيجية يمكن التوصل إليها بين جميع  الأطراف في الساحة الدولية هو الاتفاق على سعر البريل الذي يحفظ مصالح الجميع: مصلحة الأطراف المنتجة، مصلحة الأطراف المستهلكة، سلامة البيئة (مصلحة لأرض)، ووفق ما ذهب إليه بعض المتخصصين يمكن أن يكون معدل السعر في حدود  70 دولارا للبرميل هو الذي يحقق هذا التوازن وهو ما يمكن أن نسميه السعر العادل للبترول. وأعتقد فعلا أن هذا السعر قد يحقق مصلحة الجميع وفق ما يلي:

ـ يسمح للدول المنتجة أن تحافظ على توازناتها المالية وأن تتجنب التوترات الاجتماعية الناتجة عن انهيارات أسعار البترول، وفي نفس الوقت تتجنب آثار المرض الهولندي و تنتقل لتحقيق ثروات دائمة تقوم على أساس العمل والتنمية المستدامة. ويمكنها أن تواصل قدراتها الإنتاجية بتحسين الاسترجاع والاستكشاف بالاعتماد على جزء مهم من مداخيلها التي يسمح بها هذا السعر،  فتضمن استمرار العرض لتوفير احتيجات السوق البترولية.

ـ يسمح للدول المستهلكة أن تتحمل أعباء الطاقة في تحقيق نموها الاقتصادي، وأن توفر قدرا متوازنا في أسعار الاستهلاك المحلي، وأن تستمر في ضمان الطلب بالقدر الذي يحقق التوازن بين العرض والطلب.

ـ يسمح بالمحافظة على البيئة من زاوتين: من جهة ستضطر المجتمعات المنتجة والمجتمعات المستهلكة  إلى الصرامة في الفاعلية الطاقوية إذ كلاهما سيعتبر أن أسعار الطاقة مرتفعة نسبيا فيتجه كلاهما إلى الاقتصاد في الاستهلاك وبالتالي ينخفظ انبعاث ثاني أكسيد الكربون، من جهة أخرى ستشعر الأطراف المصدرة بأن مداخيل النفط، على أهميتها ب 70 دولارا للبرميل،  غير كافية لتحقيق التنمية وتوفير احتياجات مواطنيها، وتشعر الأطراف المستهلكة بأنه لا يرجى تحقيق مردودية الإنتاج في مختلف المجلات الاقتصادية على أساس انخفاض أسعار الطاقة ولو كانت في حدود 70 دولارا للبرميل، فيتجه الطرفان إلى الاستثمار في الطاقات المتجددة. ستستفيد الأطراف المصدرة في هذه الحالة بإدخال الطاقة المتجددة في مزيجها الطاقوي الاستهلاكي بما يسمح لها بتوفير كميات أكبر  من الطاقة الأحفورية الموجهة للتصدير، وتستفيد الأطراف المستوردة في تحسين خليطها الطاقوي من الطاقات المتجددة بما يحررها أكثر من التبعية للطاقة المستوردة. وسيسمح ذلك كله بتحقيق نسب نمو عالمية تحافظ على العرض والطلب مفيدة للطرفين وللبيئة.

والمقترح هنا أن تبني الجزائر سياستها الخارجية الطاقوية على إقناع مختلف الأطراف وإبرام التحالفات مع الأطراف المنتجة من داخل منظمة الدول المصدرة للطاقة وخارجها لتحديد سقوف إنتاج ضمن قانون العرض والطلب ضمن استقرار سعر البترول في حدود 70 دولارا لمدة طويلة. مع العلم بأنه لو ترك الأمر دون استراتيجيات جديدة في السياسة الدولية الطاقوية ستقضي سياسة قانون الغاب على الجميع وأولها الدول ذات الاحتياطات المتوسطة والضعيفة كالجزائر. مع العلم بأن المدخل الجديد المتمثل في الغاز الصخري أصبح يتطلب استقرارا لسعر البرميل وفق قاعدة رابح/رابح، لأن ارتفاع أسعار البترول ستشجع أمريكا ( وغيرها مستقبلا) على الاستثمار فيه فيزداد العرض فتنهار الأسعار، وأن تعويم السوق بالبترول التقليدي كما تفعل السعودية لكسر مردودية الغاز الصخري سيجعل الأسعار كذلك تنهار. فالحل لهذه المشكلة الجديدة هو محاولة تثبيت السعر على ما يحقق مصالح الجميع لمدة طويلة.

2 ـ تحقيق الفاعلية الطاقوية:

لقد بينا أعلاه بأن الفاعلية الطاقوية هي الحصول على نفس الخدمة باستهلاك أقل للطاقة، سواء على المستوى الفردي أو المنزلي أو على مستوى المؤسسات الصناعية والفلاحية والخدمية.  وبيّنا بما يكفي من الأرقام والتقارير أن الخطر الأكبر على مواردنا الطاقوية هو الاستهلاك غير العقلاني  للطاقة. والذي يجب أن ننتبه إليه أن الذروة الطاقوية لا تتعلق بالاحتياطات البترولية فقط، بل تتعلق كذلك بحجم الإنتاج وحجم الإنتاج تتحكم فيه احتياجات التصدير واحتياجات الاستهلاك المحلي، وأن أمد القدرة على التصدير يضبطها بشكل أساسي حجم الاستهلاك، وكذلك أمد بقاء البترول في الحقول مرتبط بالقدر الذي نستهلكه. وبما أن استهلاك الطاقة سيبقى قائما في البلد سواء توفر لدينا البترول أم لا فإن ذلك يعني أننا سنصبح يوما ما بلدا مستوردا. والذي يجعل هذا الزمن قريبا أم بعيدا هو الاستهلاك المحلي. الذي هو 47 %  الآن و الذي سيكون في حدود 100 % في حدود 2025.

لهذه الاعتبارات تصبح الأولوية العاجلة في عملية الانتقال الطاقوي هو التحكم في الاستهلاك المحلي، ليس بحرمان السكان من الطاقة ولا بتعطيل حركة الإنتاج لتوفير الطاقة ولكن بتحقيق الفاعلية الطاقوية. وتحقيق الفاعلية الطاقوية يقوم على ثلاث أسس: دراسة الأسعار، التحكم في تقنيات وتكنولوجية الفعالية، برامج مكافحة التبذير والاستعمال غير العقلاني وغير الضروري.

ـ  الأسعار: إن أكبر إشكالية تواجه مسار تحقيق الفاعلية الطاقوية في الجزائر هي الأسعار. لقد أصبحت الأسعار المدعمة مكسبا أساسيا وفق ما سمي بالمرض الهولندي، ولن يتقبل المواطنون ضياع هذا المكسب ولن يتفهموا قرارات ارتفاع أسعار  الكهرباء والغاز المنزلي ووقود المركبات، وحتى إذا تفهموا لا يسمح مستوى المعيشة لأغلبهم أن يتحملوا الزيادات ولن يستطيعوا الدفع.  ومن جهة أخرى لن  يتجرأ الحاكم ( كائنا من كان) على تحمل الأثار الاجتماعية التي ستنفجر في وجهه إذا رفع مستوى الأسعار إلى سعرها الحقيقي. فالمشكلة إذن كبيرة ومعقدة، ولا يمكن حلها إلا على المدى المتوسط والبعيد برفع مستوى المعيشة من خلال تحقيق التنمية المستدامة التي يستفيد منها الجميع وليس فقط النمو الاقتصادي الذي يريد النظام السياسي تحقيقه لضمان التوازنات الكبرى بواسطة مجموعة قليلة من المؤسسات التي يملكها عدد قليل من المبجلين والمنخرطين في شبكة الفساد أو الانتهازية، رغبا أو رهبا،  بعيدا عن المنافسة الحقيقية. إن توسع شبكة المؤسسات الاقتصادية بشكل متوازن في أنحاء البلد هو ما ينشئ الثروة بشكل عادل وفي إطار القانون والشفافية، والجزائر تحتاج إلى مليوني مؤسسة اقتصادية ناجحة وفاعلة في الصناعة والفلاحة والخدمات للتحرر من التبعية للمحروقات ولتوفير قدرة معيشية تسمح للأسر والمؤسسات الصغيرة بدفع تكاليف الطاقة بأسعارها الحقيقية. وأثناء السير على هذا الدرب الطويل والمضمون والذي لا يوجد غيره يمكن رفع مستوى أسعار الطاقة تناسبا مع تطور تحسين القدرة الشرائية. غير أن هذا لا يمكن أن يتحقق إلا بالوصول إلى توافقات اجتماعية في إطار توافق سياسي واسع بين مختلف القوى السياسية والاجتماعية في إطار  رؤية سياسية واقتصادية متفق عليها ( وقد عرضت حركة مجتمع السلم رؤية شاملة بهذا الشأن )في الانتخابات التشريعية السابقة).

ولكن مع ذلك يمكن إعادة دراسة استراتيجية الأسعار على أساس تفضيلي، كأن تلتزم فئات معينة على العاجل بدفع تكاليف الطاقة بأسعارها الحقيقية ومن هذه الفئات الإدارة والمؤسسات الحكومية والقطاع الخاص الصناعي والخدمي ( ليس الفلاحي) وفق سلم مرتبط برقم الأعمال، وإذا كانت ثمة إعفاءات فتكون للقطاعات الصناعية والخدمية ذات الأولوية في رؤية الدولة ومخططاتها ووفق آجال زمنية محددة،  على أن يبقى التعامل المتدرج للعموم المواطنين وفق تحسن مستوى المعيشة مع الأفراد والأسر.

ـ برامج دعم الفعالية الطاقوية: لقد ورد في برنامج الطاقات المتجددة والفعالية الطاقوية للحكومة سنة 2011 أفكار وتدابير جيدة ولكنها من جهة غير كافية ومن جهة أخرى لم يطبق منها شيء يذكر. ومما جاء في البرنامج: العزل الحراري للمباني، تطوير سخان الماء الشمسي، تعميم استعمال المصابيح ذات الاستهلاك المنخفض للطاقة، إدخال النجاعة الطاقوية في الإنارة العمومية، ترقية الفعالية في القطاع الصناعي، ترقية غاز البترول المميع / وقود، ترقية الغاز الطبيعي/ الوقود، إدخال التقنيات الأساسية لتكييف الهواء بالطاقة الشمسية. وقد وضع البرنامج لكل عنوان أهداف قابلة للقياس بينت عدم التوفيق في التنفيذ والمتابعة.

لا شك أن ما يمكن إضافته لهذه الاقتراحات كثير، فيكفي أن نطلع على تجارب الدول الأخرى ونحاكيها، ولكن الذي يجب أن نركز عليه هو إدارة هذا الشأن لنحقق الفاعلية في التنفيذ ومما يمكن اقتراحه في هذا الأمر ما يلي:

ـ تشكيل هيئة وطنية تابعة لوزارة الطاقة بعضوية أعضاء من البرلمان والمجتمع المدني وخبراء جزائريين تعتمد على لجان للمتابعة والمرافقة وتقديم الدراسات والنصائح والتوجيهات، يكون لها فروع في كل الولايات ومن أدوارها:

* التقاط معلومات دائمة عن الفعالية الطاقوية في كل الأحياء بما يجعلها قادرة على تقديم تقارير عن واقع الفعالية الطاقوية في كامل التراب الوطني في مختلف القطاعات بالاعتماد على الوسائل الإدارية والتكنولوجية العصرية.

* تقديم الدراسات وبلورة وتطوير برامج الفعالية الطاقوية وفق التقارير المرفوعة  للحكومة والقطاع الخاص والأفراد والأسر لتحقيق الفعالية الطاقوية بمبادرة الجهات المسؤولة حيث توجد مشاكل دائمة ومستعصية أو باستقبال الجهات التي تبحث عن الحلول.* ملاحظة: تضمن هذه المؤسسة توفير يد عاملة معتبرة تدفع أجورها من جزء من قيمة الفارق الإيجابي المحصل عليه من المداخيل التي ينتجها الالتزام بالفعالية الطاقوية.

ـ تقديم القدوة من الدولة ومؤسساتها في الالتزام بمختلف برامج الفعالية الطاقوية بخصوص العزل الحراري للمباني، وفي التدفئة والنقل، واستعمال الأدوات الكهرومنزلية ذات الاستهلاك الطاقوي الأقل، و في استعمال الوقود والكهرباء.

ـ تشجيع السكان على العزل الحراري للبناء، وتحفيز مراكز الدراسات الهندسية على اقتراح البناء وفق تقنيات العزل الحراري لشركات الترقية العقارية في القطاع الخاص وللمقاولين في قطاع البناء، للوصول إلى تقديم تشجيعات ضريبية، ثم الوصول إلى اشتراط وثيقة الملاءمة البيئية التي تتضمن العزل الحراري لتقديم رخص البناء، ثم وضع تدابير ردعية للمخالفين للنظم والقوانين ذات الصلة.

ـ محاربة الغش في بيع أنواع الأدوات الكهرومنزلية ذات الاستهلاك المنخفض للطاقة، وتشجيع السكان والمؤسسات على اقتنائها مع ضرورة توفيرها وتشجيع الصناعات ذات الصلة.

ـ مراجعة جذرية لنظام النقل المروري من خلال إعطاء الأولوية للنقل الجماعي المنضبط والنظيف، والمعقول من ناحية السعر، بما يحفز على التقليل من استعمال السيارات الفردية وتجنب الازدحام المروري الذي تهدر فيه كميات كبيرة من الوقود. علما  أن ثمة  أنواع  من النقل الجماعي يستهلك الطاقة أقل مثل السكك الحديدية، ويضاف إلى ذلك العمل على توسيع شبكة المَرْكبات الكهربائية الجماعية والفردية التي تعتمد على الطاقات المتجددة.

ـ الإعتماد على الإعلام والتوجيه الديني في ضرورة المحافظة على الموارد وتجنب التبذير المحرم شرعا والمضر بالبلد ضررا بالغا وتغيير نمط الاستهلاك بما يتناسب مع المحافظة على الطاقة والبيئة والصحة.

3 ـ تطوير الخليط الطاقوي بالانتقال السريع والقوي للطاقات المتجددة.

تزخر الجزائر بسبب خصائصها الجغرافية وشساعة مساحتها بمصادر للطاقة الشمسية من أكبر الحقول في العالم حسب وزارة الطاقة في موقعها الرسمي، فعدد ساعات إطلالة الشمس تتجاوز 2000 ساعة إلى 3000 بين الشمال والهضاب العليا والجنوب، مع إمكانية إنتاج 1700 كيلواط في المتر مربع في السنة في الساحل و1900 في الهضاب العليا و2263 كيلواط في المتر المربع في السنة في الجنوب، وتحتوي الطاقة  الشمسية الحرارية في الجزائر ما يتجاوز  عشر مرات الاستهلاك الطاقوي على المستوى العالمي حسب جريدة العرب الاقتصادية الدولية في 24 سبتمبر 2016، وحسب توفيق حسني تمثل قدرات الطاقة الشمسية عشر مرات احتياطات حقل بحجم حاسي الرمل سنويا، المقدرة بحوالي 4000 مليار متر مكعب، حيث يعادل الاحتياطي 40 ألف مليار متر مكعب، مع عدم حاجتنا للاستكشاف والبحث، وحسب الدراسات العالمية عن الطاقة الشمسية تعتبر الجزائر وإيران ومنطقة أريزونا بالولايات الأمريكية المتحدة من أحسن وأكبر حقول الطاقة الشمسية في العالم.

وبخصوص الأنواع الأخرى من الطاقة المتجددة تُبين بشأنها تقارير وزارة الطاقة (energy.gov.dz) أن الجزائر تملك قدرات جيدة في مجال طاقة الرياح حيث أنها تتمتع بمناطق ذات هبوب مناسبة ( 2-6 م\ ثا) تصلح لضخ المياه. وبخصوص الطاقة المائية فإن الكميات الإجمالية للمساقط المائية الجزائرية مهمة تصل إلى 65 مليار متر مكعب ولكن لا يستفاد منها لعدم حسن استغلال مواقع الري وعدم وجود عدد معتبر من السدود ( من 103 موقع 50 سد فقط يستغل في الطاقة المائية)، ويمكن حصر الكمية المفيدة والمتجددة في حدود 25 مليار متر مكعب ( أي ثلث القدرات المحصية)، أما عن طاقة الكتلة الحيوية فإن القدرات الغابية وحدها تمثل 37 مليون طن مكافئ بترول (tep) والكميات القابلة للاسترجاع هي 3.7 م ط م ولا يسترجع من ذلك سوى 10 %،عن طاقة الكتلة الحيوية من النفايات فإن ثمة 5 ملايين طن حضرية وفلاحية غير معالجة وهي تمثل 1.33 ط م ب في السنة (tep/an). وبالنسبة للطاقة الحرارية الجوفية فلو تم جمع التدفق الناتج من استغلال المياه الألبية (57°) والتدفق الكلي لينابيع المياه المعدنية الحارة فيمثل قرابة 700 ميغاواط حسب ما ورد في البوابة الجزائرية للطاقات المتجددة.

إن الحديث عن الانتقال الطاقوي والفاعلية الطاقوية مربوط حتميا بالنجاح في الانتقال إلى الطاقات المتجددة، خصوصا الطاقة الشمسية وطاقة الرياح حيث يمكن تحقيق نتائج كبيرة ليس للاكتفاء الذاتي فقط بل للتصدير كذلك. ولا يمكن الانتظار أكثر مما مضى، كما لا يمكن تبذير أموال طائلة في الغاز الصخري الذي لا نعرف حقيقة احتياطاته بالضبط، وهو في كل الأحوال طاقة نافذة وملوثة ونترك طاقات حاضرة أمام أعيننا لا حد لها. وحينما نتحدث عن الطاقات المتجددة يجب أن نستحضر السيناريوهات الأكثر تشاؤما بخصوص مصير مصادرنا الطاقوية الأحفورية حتى نتحفز أكثر وبشكل دائم دون مراعات تقلبات أسعار البترول.

4 ـ الطاقة غير التقليدية والطاقة النووية.

ـ تعتبر الطاقة الصخرية موردا طاقويا كبيرا ولكن تقدير احتياطاته غير دقيقة، واستغلاله ضعيف المردودية، وآثار تقنيات استخراجه خطيرة على البيئة ولها نفس المواصفات الملوثة كالطاقة التقليدية، لذلك لم تنطلق مجمل الدول في استغلاله استغلالا بديلا أو تجاريا، بما فيه الصين التي تملك أكبر احتياطي عالمي، ولم تنطلق في استغلاله سوى الولايات الأمريكية المتحدة تبعا لاستراتيجيتها الطاقوية وبالارتكاز على تفردها في التحكم في التكنولوجيات المتطورة مع ظهور آثار بيئية خطيرة جعلت الرأي العام يتصاعد صوته ضد الشركات التي تشتغل فيه. ويعتبر أغلب الخبراء في العالم وفي الجزائر بأن استغلال الغاز الصخري مؤجل إلى حين تطور التنكنولوجية سواء من حيث التأكد من الاحتياطيات، أو خفض التكاليف، أو ضمان السلامة البيئية.

ـ لهذا يجب الاكتفاء بدراسة احتياطات الغاز الصخري ومتابعة التطورات التكنولوجية، ورفع مستوى الكفاءة الوطنية علميا وإداريا في هذا المجال مع عدم التورط في الاستغلال حتى يتأكد غياب المخاطر البيئية وتتأكد حقيقة المردودية وتبين المعطيات المستقبلية لأسعار الغاز الطبيعي في الأسواق العالمية حين يصبح الجميع يستخرج الغاز الصخري الموجود في العديد من بلدان العالم. وكل ذلك حفاظا على الموارد المالية والمائية وسلامة المحيط والإنسان.

ـ وبخصوص الطاقة النووية فإنه لو سارت الجزائر على السياسة التي انتهجتها في السبعينيات والثمانينات لكانت مشكلة النووي محلولة الآن، ولكن ثمة الآن مصاعب جيوسياسية وتكنولوجية ومالية جمة تمنع التطور السريع في هذا المجال، ولذلك لا أظن أنه يمكن التعويل على الطاقة النووية كثيرا في عملية تطوير المزيج الطاقوي ضمن سياسات الانتقال الطاقوي، علما بأن دولا نووية عريقة لا تعتمد على النووي في خليطها الطاقوي ( أمريكا: 8.6 %، الصين: 1 % ) وإنما تركز عليها في المجال العسكري كقوة رادعة وفي مجالات سلمية كثيرة خارج مصادر الطاقة مثل الطب وغيره، وهناك دول قررت التراجع عن النووي كلية وشرعت في إغلاق عدد من مفاعلاتها النووية كألمانيا وإيطاليا مثلا. وعليه الذي يحسن القيام به في الجزائر هو التحكم في التكنولوجيا النووية (خصوصا تخصيب اليورانيوم) وهذا يتطلب تطوير الموارد البشرية المؤهلة، والاعتناء بالعلماء الجزائريين وحمايتهم واستقطابهم لبلدهم بدل استفادة دول أخرى منهم، لا سيما وأن الجزائر تملك احتياطا معتبرا من الأيورانيوم المؤكد في حدود 29.000 طن بما يسمح بتشغيل مفاعليين نووين بقدرة إنتاج كهربائي تصل إلى 1.000 ميغاواط لمدة 60 سنة لكل مفاعل.

  • آليات وضوابط تحقيق الانتقال طاقوي:

إن مسار الانتقال الطاقوي صعب وطويل يرتبط بالإرادة السياسية والواقع الاقتصادي والبيئي ونوعية الحكم والإدارة وثقافة المجتمع وتحولات أسواق الطاقة الأحفورية والبديلة. غير أن الإصرار على تحقيق النجاح مسألة ضرورية لا تتعلق بتوفير الاحتياجات الطاقوية فقط على أهميتها ولكن تتعلق بمصير البلد واستقراره وسيادته، ولذلك يجب الإصرار على  النجاح والعزيمة على تجاوز العقبات.

ولضمان الاستمرار في السير نحو الانتقال الطاقوي وتنفيذ البرامج المقترحة والمسطرة لا سيما  الطاقات المتجددة والفعالية الطاقوية نقترح ما يلي:

ـ اعتبار الانتقال الطاقوي أولوية وطنية تتعلق بالسيادة الوطنية.

ـ تفعيل المجلس الأعلى للطاقة وضمان استقلاليته ليقوم بتحديد الرؤى والسياسات الطاقوية ويصدر التوجيهات في مختلف المجالات الطاقوية ويدرس مقترحات الخبراء والمهتمين.

ـ تحديد هدف واضح لنسبة الطاقات المتجددة في الخليط الطاقوي وجعله تحديا قوميا يعمل الجميع على الوصول إليه: 60 % سنة 2030 ( التاريخ المتوقع لزوال التصدير) ، 80 % سنة 2040 (التاريخ المتوقع لزوال الإنتاج).

ـ إصدار قانون خاص بعلماء الذرة الجزائريين وتحديد سنة 2025 سنة إطلاق أول مفاعل نووي للأغراض السلمية، وتحديد مدى زمني لا يتم تجاوزه بالتشاور مع المتخصصين الجزائريين لاستيراد اليورانيوم المخصب للانتقال بعد ذلك لإنتاجه في الجزائر، مع تفضيل الشراكات مع الدول التي للجزائر تقاليد تعاون معها في المجال وعلاقاتها بها مستقرة ولا تشكل تهديدا مستقبليا للجزائر.

ـ الالتزام الحكومي برؤية الطاقة المتجددة والإعلان عنها و جعلها محددة بأهداف قابلة للقياس، وبشفافية تامة في تنفيذها تطمئن بأن الجزائر على موعد بقصة نجاح كبيرة مع هذه الطاقة ذات الأهمية المستقبلية الكبيرة في العالم كله. مع الالتزام بتقديم تقرير دوري كل ستة أشهر للبرلمان ووسائل الإعلام عن السياسية الطاقوية ونتائج الانتقال الطاقوي بكل جوانبه ومنه القدرات المركبة للطاقة الشمسية والإنتاج المحصل.

ـ تشكيل لجنة خاصة في البرلمان ترأسها المعارضة تقوم بدور الرقابة البرلمانية بشأن تطورات الانتقال الديموقراطي.

ـ تشكيل صندوق الانتقال الطاقوي يخصص لتكاليف الانتقال الطاقوي واستثمارات الطاقات المتجددة يتكون من:

* مكاسب الانتقال الطاقوي ( القيمة المضافة للميزانية بنفس الخدمة ).

* ميزانية الدولة مع  ضرورة الاستثمار العمومي في الطاقات المتجددة (المحطات وإنتاج الكهرباء والوقود، الأدوات والتقنيات والقدرات الصناعية ذات لصلة، الخدمات)  لدعم المردودية.

* تشجيع القطاع الخاص الوطني للاسثمار في مختلف المجالات (المحطات وإنتاج الكهرباء والوقود، الأدوات والتقنيات والقدرات الصناعية ذات لصلة، الخدمات) مع توفير تدابير ائتمانية وتحفيزات ضريبية ومرافقة تجارية تشجع على لاستثمار.

* جلب الاستثمار الخارجي الكبير على شاكلة مشروع ديزرتيك مع الحرص على نقل التكنولوجية والخبرة.

* التعامل إيجابيا مع المساعدات والتعاون الدولي لدعم الانتقال إلى الطاقات المتجددة .

ـ تعميم وتبسيط استعمال الطاقات المتجددة على مستوى المؤسسات والعائلات و خلق سوق واعدة وتشجيع استعمال الطاقة المتجددة.

ـ خلق مسار علمي وتخصصات تعليمية ومهنية في الطاقات المتجددة والفعالية الطاقوية وتشجيع الأبحاث والدراسات في المجالات التكنولوجية والإدارية ذات الصلة.

ـ تطوير الموارد البشرية وخلق مهن جديدة تتعلق بالطاقات المتجددة والفعالية الطاقوية.

ـ تغيير ثقافة الإنتاج والاستهلاك الطاقوي على مستوى المجتمع وإشراك المدرسة والمجتمع المدني والمسجد والإعلام لتحقيق ذلك.

ـ تحديد نسبة محددة لتخفيض الاستهلاك الطاقوي تدرس بعناية يدعى جميع الجزائريين للالتزام بها على مستوى الأسر والمؤسسات من خلال حملات مركزة حتى يصبح رقم هذه النسبة مشهورا لدى الجميع كوسيلة لتغيير الثقافة المجتمعية.

ـــــــــــــــــ

المقالات السابقة:
المقال (5): ردود على ردود.

تعليق