ألّف الدكتور “عبد الحميد براهيمي” كتابا قيّما وثريًّا تحت عنوان: ” في أصل المأساة الجزائرية، شهادةٌ عن حزب فرنسا الحاكم في الجزائر (1958م- 1999م)، صدر عن مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت سنة: 2001م، وهو مَن هو كقامةٍ سياسية وجهادية وأكاديمية، حيث التحق بالثورة التحريرية المباركة سنة: 1955م وجاهد كضابطٍ في وحدات العمليات إلى غاية الاستقلال سنة: 1962م، عُيّن واليا على ولاية عنابة سنة: 19963م، وهو دكتور في الاقتصاد، وكان أستاذا بجامعة الجزائر سنة: 1970م، ثمّ مديرا لفرع “سوناطراك” بأمريكا سنة: 1976م، ثمّ وزيرا للتخطيط سنة: 1979م، ثمّ رئيسا للوزراء بين سنتي: 1984 و 1988م، كما كان عضوا في المكتب السياسي لحزب حزب جبهة التحرير الوطني، والذي استقال منه سنة: 1990م..

يحتوي الكتاب على: 04 أقسام، و: 09 فصول..

في القسم الأوّل يتحدّث عن: المرحلة التحضيرية للانتقال من الاستعمار التقليدي إلى الاستعمار الجديد، عن طريق المشروع الديغولي “الجزائر الجزائرية” المؤسّس على “القوة الثالثة”، والاستيلاء على قيادة جيش التحرير الوطني واختراقه بين سنوات (1958 و 1962م)، وإعادة تنظيمه والخلاف بين قيادة الأركان العامة والحكومة المؤقتة حول المفاوضات واتفاقيات إيفيان، وتنظيم التبعية في الإدارة والاقتصاد..

وفي القسم الثاني يتحدّث عن: مشاركة “الفارين” من الجيش الفرنسي في انقلابي: 1962 و 1965م ومنحهم الشرعية في “استقلالٍ ملغّم”، والظروف السائدة في الجزائر بينهما، حيث يشقّ “جيش الحدود” طريقه إلى السّلطة ويحسم الصراع عليها بالقوة.

وفي القسم الثالث يتحدّث عن: استيلاء “حزب فرنسا” على القطاعات الاستراتيجية الرئيسية وإغلاقها (الجيش ومصالح الأمن والوزارات والمواقع السياسية الحسّاسة)، وتفاقم تبعية الجزائر متعدّدة الأشكال.

وفي القسم الرّابع والأخير يتحدّث عن: توطيد مواقع “الفارّين” من الجيش الفرنسي، وهجومهم للاستيلاء على السلطة بين سنتي: 1979 و 1988م، والتلاعب بالأحداث إلى الانفجار غير المتوقّع في أحداث أكتوبر سنة 1988م، إلى الحديث عن: العشرية الحمراء واللطخة السّوداء في تاريخ الجزائر أو حكم الرّداءة والعنف بين سنوات: 1989 و 2000م، وتورّط فرنسا وعصبتها في الأزمة الجزائرية.

يتحدث في مقدّمة الكتاب عن: الأزمة الخطيرة التي تمرّ بها البلاد، والتي ترجع أسبابها الرئيسية إلى “طبيعة النظام نفسه”، نتيجةً لغياب الديمقراطية والحريات والشفافية، وغياب الفصل الحقيقي بين السلطات: التنفيذية والتشريعية والقضائية، وتغذية صراع القوى الضاغطة داخل السلطة وانهيار عامل “الثقة”، حيث أخذت “الأزمة” مسارا مأساويا خطيرا بعد استيلاء بعض الجنرالات وهم من “الضّباط الفارين” من الجيش الفرنسي على السّلطة ومصادرة الحكم سنة: 1992م، والتي وضعت نفسها فوق الدستور وقوانين الجمهورية ومؤسسات الدولة، وبالرغم من الهجوم والتصعيد والتشويه والتسميم وخنق الحقيقة الممركز إلا أن الحقيقة لم تغيب، وبالرغم من التسويق الوطني والدولي بأن أصل الأزمة هو “الخطر الإسلامي” الذي  يبرّر “إلغاء المسار الانتحابي” و”الانقلاب على الشرعية” في جانفي: 1992م، ويؤصّل للمقاربة الأمنية والممارسات البوليسية، إلا أنه تحليلٌ سطحي واختزالٌ مفضوح للأزمة في ثنائية موهومة بين “السّلطة” و “الفيس” أو بين “الجيش” و “الإرهاب”، وهي ما تخفي الأبعاد الحقيقية لأصل الأزمة وجوهر المأساة التي تعاني منها الجزائر ورهانات الصراع إلى الآن.

وبالرّغم من الهيبة التي أحرزتها الجزائر عبر مقاومتها المقدّسة وثورتها التحريرية المباركة ضد الاستدمار الفرنسي، وتصاعد منحاها الدولي ودورها في القضايا العادلة عبر حركة عدم الانحياز بعد الاستقلال (في دعم القضية الفلسطينية، وقضايا التحرّر، والتنديد بالتمييز العنصري في جنوب إفريقيا..)، إلا أن العالم بقي مندهشا من حجم الأزمة التي مزّقتها آلة القمع والاحتكار والآلة الجهنمية للعنف وتصاعد الرّعب بما يتجاوز حدود العقل، ثم استمرار الأزمة بالرغم من الامكانات التي تتوفر عليها الجزائر؟؟؟. وفي الواقع فإن أسباب الأزمة معقّدة ومتداخلة وذاتُ أبعادٍ داخلية وخارجية، يتماهى فيها القريب والبعيد بعد سقوط الدولة في يد “أقلية” متنفّذة ومرتبطة بفرنسا، هي التي توفّر الرّعاية السّامية للنّفوذ الفرنسي المذلّ للجزائر وإلى الآن.

ولقد ساهم “الجيش” و “الإدارة” و “المدرسة” الفرنسية طيلة: 132 سنة من الاستدمار في تكوين وتخريج نُخبٍ جزائرية مرتبطة بفرنسا عبر امتيازات استثنائية جعلتها تحبّ فرنسا وتحرص على مصالحها وتواجدها في الجزائر أكثر من الفرنسيين أنفسهم وإلى الآن أيضا..

لقد كانت “الثورة التحريرية” تمثّل أملا كبيرا للاستقلال التام والكلّي، ولكنّ “دهاء ديغول”، ويقينه بحتمية استقلال الجزائر جعله يتطلّع إلى تأبيد البقاء السياسي والاقتصادي والثقافي لفرنسا فيها، وذلك ببروز “قوة ثالثة” من متعاونين مدنيين وعسكريين موالين لها، بالإضافة إلى تنظيم عمليات تسلّل “الفارين” من الجيش الفرنسي واختراقهم لجيش التحرير الوطني ابتداءً من سنة: 1958م، عبر جيش الحدود بتونس ليكتسبوا “الشرعية التاريخية” وصفة المجاهدين، ليشرفوا على المؤسسة العسكرية بعد الاستقلال ومن أعلى المستويات، والتي ستتشكّل من “القوّة المحلية”.

ويؤكد أنّ كتابه لا يطال كلّ “الفارّين” من الجيش الفرنسي، ففيهم وطنيين مخلصين التحقوا بالثورة وقدّموا تضحياتٍ حقيقيةٍ ومارسوا مهاما نبيلة أمثال: محمود شريف (والذي أصبح عضوا في الحكومة المؤقتة)، وعبد الرحمان بن سالم (وكان قائدا في القاعدة الشرقية)، وعبد الله بلهوشات (وكان عضوا بمجلس قيادة الثورة وقائدا للناحية العسكرية الخامسة والأولى وقائدا عاما للقوات المسلحة بين: 1987 و 1989م)، ومختار كركب (وكان قائدا لفيلقٍ بين: 1960 و 1962)، وعبد الحميد لطرش (وكان أمينا عاما لوزارة الدفاع بين: 1971 و 1978)، والسّعيد آيت مسعودان (وكان وزيرا لعدّة مرّات في عهديْ بومدين والشاذلي)، وعبد النور بقّة (وكان قائدا لفيلقٍ بين: 1960 و 1962)..

ولكنّ الحديث يتركّز على الذين لم يلتحقوا بجيش التحرير أو بالجهاد في الجبال، بل التحقوا – ولمهامٍ محدّدة – بجبهة التحرير الوطني وخاصة في تونس.

وهي أقلّيةٌ ألهب جوانحها الطّموح المفرط للاستيلاء على السّلطة بالقوة لتحقيق سياسة المسخ الثقافي والحضاري للشعب الجزائري، مستغلّة الصراعات التي هزّت جبهة التّحرير وجيش التّحرير أثناء الثورة وبعد الاستقلال مباشرة، لتتمّ تصفية وتهجير القيادات التاريخية المفجّرة للثورة واستبدالهم بأبطال الاستعمار الجديد، ويمكن تتبّع مصير: “أحمد بن بلّة” و” حسين آيت أحمد” و” محمّد بوضياف” و”عبان رمضان” و”كريم بلقاسم” و” عبد الحفيظ بوالصّوف” وغيرهم لتعرف حجم المأساة في سرقة الاستقلال والانقلاب على الثورة ..

… يتبع 

 الجزء 02: ديغول واستراتيجية الاستعمار الجديد .. بين “الجزائر الجزائرية” و “القوّة الثالثة”.

تعليق