| حمس . نت
افتتح اليوم الأربعاء بتعاضدية عمال
البناء بزرالدة أشغال المجلس الشوري الوطني في دورته العادية بحضور مميز للسلك
الدبلوماسي المعتمد والصحافة الوطنية المسموعة والمكتوبة والمرئية، وبحضور أعضاء
المجلس الشوري الوطني وقيادات الحركة ورموزها، وقبل انطلاق أشغال الافتتاح ارتأى
فضيلة الشيخ أبوجرة سلطاني الوقوف ترحما على
شهداء المجزرة الصهيونية التي نفذت ضد الأبرياء العزّل من سكان غزة والتي راح
ضحيتها 19 مواطنا لاذنب لهم سوى أنهم رفضوا المخططات الغربية ووقفوا في وجه المحتل
الذي أخذ منهم أرضهم.
وقد
ألقى فضيلة الشيخ أبو جرة سلطاني خطابا مطولا استعرض فيه أهم المحطات التي تميزت
بها سنة 2007 ومدى التقدم والنجاح الباهر الذي أحرزته الحركة خلال الاستحقاقين
الماضيين "التشريعيات والمحليات" وأوضح فضيلته مدى الاحترام الذي أصبحت
تحضى به الحركة في الأوساط الشعبية والأوساط السياسية وقال بأن : " الحركة
صارت في نادي الكبار" مبرزا بالدور الذي تلعبه في إطار التخندق مع الشعب
والتطلع لهمومه.
رئيس الحركة وفي استعراض مجمل للساحة الدولية لم
يفوت الفرصة للتنديد بالمشروع الغربي الذي قال عنه أنه بصدد تحضيرات جارية لتنفيذ
مخطط جديد يتم تمريره بالتقسيط بعدما استعصى تمريره بالجملة، في مسمى
الاتحادات
المتوسطية.
وفيما
يلي الخطاب الكامل لفضيلة الشيخ أبو جرة سلطاني:
أيتها السيدات الفضليات.
أيها السادة الأفاضــل .
تميزت
سنة 2007 عالمياً بالاحتقانات والمآزق، وبكثرة التفجيرات الإرهابية والاغتيالات
السياسية والتوترات العرقية والنزاعات القبلية المؤدية إلى تساقط المزيد من أرواح
الضحايا والأبرياء في العالم كله تقريباً، ولاسيما في العالم الاسلامي: في فلسطين
والعراق ولبنان وباكستان، لحساب أجندات خارجية يقتات منها أساساً الكيان الصهيوني
الغاشم.
أما إقليمياً فقد أثارت الأزمة اللبنانية -بعد اغتيال الحريري- واندلاع حرب الجنوب مخاوف كثير من الأنظمة من جهة، و لكنها عززت أمنيات الشعوب المغلوبة على أمرها في إمكانية الانتصار على الكيان المحتل لأرض الإسراء والمعراج من جهة أخرى.
أما في الجزائر فقد شكلت الاستحقاقات الانتخابية- المحلية و البرلمانية والرئاسية المنتظرة سنة 2009- محور الاستقطاب الوطني سياسيا، و إعلاميا، و شعبيا..
وبين هذه التوترات العالمية، والحروب الموضعية، والعمليات الانتحارية، والاستحقاقات الانتخابية، و الإشاعات الاختبارية، و المضاربات الإعلامية، وتنامي مخاوف الجبهة الاجتماعية، كان لمناضلي حركة مجتمع السلم حضورهم الفاعل بشعار "التغيير الهادئ.." كشعرة ميزان مازالت تملك قوة الترجيح الحاسم في كل معارك التوازنات الناشبة بين موازين القوى الفاعلة، و مازالت تحوز على مقومات زرع الأمل في نفوس شباب يائس من التغيير، وتحميل المسؤولية المشتركة لطبقة سياسية غارقة في التبرير.
ومع صعوبة المهمة، و ثقل الأمانة، لم تغب الحركة عن مواقع صناعة الحدث الإعلامي، وتسجيل الحضور السياسي، في أي من هذه المواعيد والمحطات الوطنية والدولية تجاه القضايا العادلة، لاسيما فلسطين والعراق و إيران و لبنان..الخ على الصعيد الخارجي.
أما على الصعيد الداخلي، فقد كانت للحركة كلمتها في كل مسارات الإصلاحات التي مست – بشكل خاص- المنظومة التربوية، والجهاز القضائي، وهياكل الدولة، والبنوك، والجمارك، والأحوال الشخصية، ومكافحة الفساد، كما كانت لها مواقف متميزة كرست استقلاليتها في شأن التحالفات، ودافعت دون هوادة عن الجبهة الاجتماعية، والقدرة الشرائية، والكتلة الأجورية، وتسقيف الأسعار، كما وقفت بشجاعة مدافعة عن الحريات، والحقوق المدنية والإصلاحات السياسية، ودعم المصالحة الوطنية، و قالت كلمتها في معاناة الشباب والبطالة و العزوبة و العنوسة و الحراقة، و هجرة الأدمغة،والتعديل الجزئي لقانون الانتخابات، و دعت إلى التعجيل بمناقشة قانوني البلدية والولاية لضمان الاستقرار والانسجام، بل ووقفت بجرأة تدافع عن أبنائها الذين مستهم عمليات" الزبر" في القوائم الانتخابية، وألصقت بهم الإدارة ظلما تهمة" خطر على النظام العام".
وهكذا انقضت سنة 2007 بنضالات شرّف بها مناضلونا حركتهم و رصعوا بها جبين الديموقراطية من حيث نظافة الحملة الانتخابية، و من حيث احترافية التعاطي مع التجاوزات الإدارية،وحلت سنة جديدة فُتح فيها باب آخر للأمل باستجابة الحكومة إلى ضغط آليات اقتصاد السوق، بالتكفل بفارق السعر، في سياق مقترح الحركة القاضي بضرورة "تسقيف" أسعار المواد العشرة (10) الأساسية ذات الاستهلاك الواسع، وفي النية السياسية ربما الذهاب إلى أوسع من ذلك بين مارس 2008 ومارس 2009.
أيها الإخوان
أيتها الأخوات
السيدات و السادة الأفاضل:
يجدر بي أن أستعرض أمامكم بإيجاز أهم المحطات والانجازات التي كللت جهود المناضلين في العام الماضي، ونقلت الحركة – بحمد الله تعالى- من حساب المقاعد إلى حساب البلديات، ومن نيابة رئاسات في المجالس المحلية إلى تسيير مجالس ولائية، ومن انتشار ديموغرافي انتخابي نسبي في 36 ولاية إلى تمثيل معتبر في 47 ولاية، ومن وعاء انتخابي إسلامي ( حماسي) ثابت للحركة إلى وعاء إسلامي وطني ديمقراطي يقترب من مليون صوت، وكلها مكاسب سياسية، كمية و نوعية، حققتها الحركة، بفضل الله تعالى، رغم تشتت الوعاء الانتخابي، وعزوف التيار الإسلامي التقليدي عن التصويت تحت ذريعة:" من حسن السياسة ترك السياسة".
والفضل في هذا، بعد الله عزوجل، يعود إلى شهداء الحركة الذين ضحوا من أجل ترسيخ مبادئها و قيمها، و في مقدمتهم الشهيد الذبيح محمد بوسليماني، و علي العايب، والأستاذ لحسن بن سعد الله، و الشيخ بزاز و الدكتور حمود حنبلي، و كل من سار على دربهم، ثم يعود الفضل بعدهم إلى الانضباط الحزبي، وإلى تضحيات المناضلين والمناضلات الذين فهموا بدقة ووعي ماوراء دندنات المرجفين حول شبهة التراجع، واستوعبوا بمسؤولية كاملة مفاصل اللعبة الديموقراطية في المشهد السياسي الجديد.
وهذا الفقه الواقعي المتجدد كان حافزاً لنا-كقيادة وطنية-، ولقيادات الحركة المحلية، لاستنفار قواعدنا النضالية للحسم نهائيا في تبني ثلاثة خيارات لم تعد مجال تردد، لأنها ببساطة لم تعد قابلة للنقاش:
1. خيار الاستماتة في الدفاع عن الإسلام و العربية و المبادئ والثوابت والهوية والحريات.. ضمن بيان أول نوفمبر 1954 .
2. خيار المزيد من التخندق مع الشعب والدفاع عن قضاياه، لضمان كرامته الإنسانية وروحه الإسلامية وهويته الوطنية المهددة بمشاريع مشبوهة و أطروحات هجينة.
3. وخيار التركيز على مسعى التنمية الاجتماعية (بدل الحماية الاجتماعية) بترقية ودعم مفهوم ((الديمقراطية الاجتماعية)) وتعميق كل الإصلاحات ذات الصلة.
إن نقطة البداية، في نضالنا السياسي السلمي، كانت دائما و لا زالت تتمحور حول فكرة التغيير الهادئ، بالدعوة إلى المزيد من الإصلاحات السياسية،فالقاسم المشترك الأعظم بين جميع الشركاء، و كل الشرفاء في هذا الوطن، هو الثلاثية الذهبية المعروفة:
- الإسلام ديننا
- العربية لغتنا
- الجزائر وطننا
و لتحقيق هذه الطموحات المشروعة، لابد أن نتعاون على استكمال بناء"الجدار الوطني" بإحياء مبادرة قديمة،تتحرك بالتوازي مع تجسيد مبادرة إحياء جهود الحوار الإسلامي الوطني حيث يكمن جوهر بعثهما من جديد في تجسيد إجراءين صارمين لابد من التعاون على إنجازهما بالتوازي، وهما :
- استرجاع هيبة الدولة: بتحقيق العدالة الاجتماعية، وبسط سيادة القانون من غير تمييز ديني أو عرقي أو جهوي أو سياسي ..فالعدل أساس الملك.
- تحرير المبادرة الوطنية الإسلامية: باقتراح مشروع وطني إسلامي لجيل من الإصلاحات الشاملة، بعيدا عن منطق الموازنات الظرفية، و ذلك بعرض سلة واسعة من الإصلاحات الجادة لزرع الأمل في نفوس جيل الشباب اليائس،بدءًا بإطلاق الحريات و توسيعها، والحسم في الخيارات الكبرى الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية على قاعدة (( كلنا مواطنون في الدولة لا أعوان للسلطة)) وفق ما تمليه تطلعات الشباب و طموحاتهم في مراجعة قوانين الجمهورية بما يحقق إدماجهم الكامل في منظومة الحكم، و يزرع في نفوسهم الأمل في المشاركة الايجابية الموجهة لبناء وطنهم و ضمان استقراره بعيدا عن كوابيس التدمير ومآسي التفجير.
إخواني أخواتي
السيدات الفضليات السادة الأفاضل.
لقد وقفت حركة مجتمع السلم سنة 2007، كما هو شأنها دائماً، مع الدولة الجزائرية لما تهددتها التفجيرات الإرهابية مستهدفة بعض رموزها، و وقفت مع الدولة لما استهدفتها بعض وسائل الإعلام بالإرباك والتشويش، و وقفت معها، رافضة و منددة، لما حاصرتها بعض الجهات بالضغط المعنوي لإنشاء قواعد عسكرية على تخومها.. بدعوى مكافحة الإرهاب.. و تجفيف منابعه.
و شاركت الحركة في كل مسعى تتحقق به الوحدة الوطنية ، و يحقن به دماء أبناء الجزائر،و يساهم في إرساء السلم و المصالحة الوطنية، و الحركة اليوم تشيد بكل هذه المنجزات التي صارت مفخرة للأمة كلها،لأنها صانعة لها، تتحمل مسؤولياتها، وتمارس حقها في النقد الذاتي البناء، وتعارض الرداءة، وتقاوم الفساد، وتحتفظ بحقها في استقلالية قرارها، و في براءة ذمتها السياسية، وتعتقد أنها قد صارت رقماً فاعلاً في معادلة الاستقرار، وفي مساعي المصالحة الوطنية، التي تدعو اليوم إلى ترقيتها باقتراح مبادرة جديدة جامعة، تدعو كل المخلصين و النزهاء إلى الانخراط فيها وتفعيلها لاستكمال المسار الذي جاءت به تدابير ميثاق السلم و المصالحة الوطنية حتى ترد كلّ الحقوق إلى أصحابها، و تعوّض ما بقي من متضرري المأساة الوطنية دون استثناء.
السيدات الفضليات السادة الأفاضل.
أخواتي الكريمات، إخواني الأكارم:
لن أعيد على مسامعكم الأرقام التي أحرزتموها في استحقاقات 2007، و لكني أقول من باب" و لئن شكرتم لأزيدنكم":
أن القراءة الحسابية الصحيحة للأرقام سوف تضعنا في خانة صورة النجاح الذي رسمناه لأنفسنا، والذي وضعتم له أنتم –في هذا المجلس الموقر- مستهدفين اثنتين هما : وحدة الصف، واستقلالية القرار، او بتعبير المؤسسين: الايثار، و سلامة الصدور، و هي قيم تربوية صارت اليوم إنجازات ملموسة ينبغي تثمينها ببرامج مسطرة يجب تجسيدها، و بقيت تحديات قائمة لابد من مواجهتها ورفعها وتجاوزها.
بلغة الإسلام نحن في نعمة و عافية و ستر، و بلغة السياسة الحركة صارت في نادي الكبار، و بلغة الصحافة حماس تتصدر التيار الإسلامي و تقود مسيرته.
إذا جاز لنا استخدام لغة البورصات المالية فإننا نقول : إن إغلاق سنة 2007 قد ترك كل مؤشرات الصعود خضراء لفائدة حركة مجتمع السلم التي تقود اليوم التيار الإسلامي سياسياً، وتطمح إلى قيادة التيار الوطني على المدى المتوسط، إذا نجحت في تحريك الوعاء الانتخابي اليائس من التغيير، و إقناع التيار الواهم الخائف من التزوير، و إذا كنتم أنتم مستعدين للمزيد من التضحيات بعيدا عن مشاعر جلد الذات" و تلك الأيام نداولها بين الناس".
تلك هي مجالات نضالاتنا الأساسية – في المشترك بيننا وبين كل المخلصين في هذا الوطن – وهي نضالات إسلامية وطنية مشروعة صارت اليوم من مفردات خطابنا السياسي المشترك ومن يوميات نضالاتنا المعتادة كحركة مجتمع تستعد للاحتفال بذكراها ال 17.
هكذا،وبانقضاء سنة 2007، أسدل الستار على كل الرهانات الخاسرة، وطوت الحركة صفحة مهمة من تاريخها النضالي السلمي، وهي اليوم تقترب من إحياء الذكرى الخامسة لوفاة مؤسسها (الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله) التي جاءت متزامنة مع انعقاد مؤتمرها الرابع، وكلكم يستشعر ما لهذا الترابط من دلالات الوفاء للرجال، و التنفيذ للبرامج و الولاء للمؤسسات و المناهج، و كلكم يدرك ما ينتظر رجال الحركة من رهانات طموحة يجب كسبها، و من تحديات جادة يجب رفعها، و من تحولات متسارعة لابد من مواجهتها.
السيدات الفضليات.
السادة الأفاضــل.
يلوح في الأفق المليء بالآمال، أن سنة 2008 ستكون سنة الرهانات المصيرية، بالنسبة للجزائر، بسبب أن أخطر تضاريسها السياسة كانت قد نتأت فجأة سنة 2007 غداة الحملة الانتخابية لاستحقاقات 29 نوفمبر. و لم يكن نتوؤها رجع صدى، ولأن الحركة قد وضعت مخططا خماسيا لسنوات 2004-2008 فإن الأحداث لم تفاجئها، ولم تهز ((التصريحات الاستباقية)) شيئاً من قناعاتها، فقد باتت تعرف، بشكل واضح، طبيعة الأثر الدال على المسير فتدفع بالتي هي أحسن، و تنتظر الأجر من الله:" و ما يلقاها إلا الذين صبروا، و ما يلقاها إلا ذو حظ عظيم".
أجل، إن تجربتكم في التعامل مع " بالونات الاختبار" قد تجاوزت ظنون الرجم بالغيب إلى مرحلة دعوها تقع ،و إن أمثالكم لا تفاجئهم الأحداث، ولا توهمهم التصريحات الصحفية، و لا تهزهم رياح المتغيرات الظرفية، و لا يستفزهم دافع باتجاه القرار المتسرع، و لا جاذب باتجاه اللاقرار، فالمخطط الخماسي مرجع و معلم، و في المرجع والمعلم إحالة هادئة على أولويات سنة 2008، وفي سلة 2008 تنتظركم خمسة (05) ملفات هي واجبات المرحلة، وهي تمثل رهانات الحركة وأولوياتها الإستراتيجية لسنتي 2008 و ما بعها، وهي :
1. ملف الجبهة الاجتماعية وما يتضمنه من إجراءات إضافية لامتصاص التوترات .
2. ملف التنمية الاجتماعية والاهتمام أكثر بالفئات الهشة و المحرومة.
3. ملف مراجعة تعديل بعض القوانين ذات العلاقة بالإصلاح السياسي الشامل
4. ملف نمذجة زهاء 50 بلدية وضمان استقرار بقية المؤسسات المنتخبة.
5. ملف المؤتمر الرابع للحركة، وما يجب أن يتحمله كل واحد منكم من مسؤوليات، و ما يجب له من تحضيرات، وما يترتب عن نجاحه المرتقب من رهانات على مستقبل الجزائر، و مستقبل الديموقراطية و مستقبل الحركة و مؤسساتها و رجالها ، و على مستقبل التيار الإسلامي في الجزائر كلها، فالأمة تراهن عليكم فلا تخيبوا آمالهم فيكم، فانتم آخر خط دفاع تتترس به الأمة الإسلامية ضد رياح العولمة وتداعياتها..
السيدات الفضليات.
السادة الأفاضــل.
إنكم في عيون خصومكم كبار، و قد صار لكم صوت مسموع على المسرح الدولي، و أما على صعيد النضالات ذات البعد الوطني المرتبطة بالبعد الإقليمي و الدولي،فتنظركم مسألتان-تمثلان تحديا مباشرا لمستقبل الدولة الوطنية - و لهما علاقة مباشرة بكل ما يحدث في العالم اليوم من تحولات متسارعة انعكست سلبا، للأسف، على طبيعة الأنظمة المسماة " نصف / نصف" لا هي ديموقراطية و لا هي دكتاتورية ، و لا هي اشتراكية، ولا هي رأسمالية، و لا هي إسلامية و لا هي علمانية، و نظامها لا هو رئاسي و لا هو برلماني ..إلخ ، وأعني بها تداعيات العولمة، خاصة بعد احداث 11 سبتمبر 2001، وقد بدأنا نحس، في الجزائر، بثقل هذه التداعيات على واقعنا الاجتماعي و الثقافي والسياسي...
المسألة الأولى، فهم العلاقة بين النفط وإسرائيل: أن أي قراءة سياسية لما يحدث اليوم –في الجزائر وغيرها- لابد أن تستصحب معها عاملين لازمين هما : النفط، وإسرائيل، ولأن الجزائر تعتمد – في اقتصادياتها وتنميتها وتجارتها ودخلها – على موارد المحروقات بنسبة تتجاوز 90%، فإن المحتمل الراجح- خلال الخمس سنوات المقبلة- هو تكدس عشرات الملاييرمن الدولارات في خزينة الدولة ، وسوف تتكاثر عليها الضغوط الخارجية الدافعة باتجاه التطبيع مع الكيان الصهيوني، عندئذ نجد أنفسنا أمام واحدة من اثنتين :
1. إما القبول بسياسة الأمر الواقع، و الدخول في صف المصفقين، و تسخير ريوع المحروقات في توفير المستهلكات والبهارج و الزيادات الجزافية في الأجور لتهدئة الجبهة الاجتماعية.. وانتظار أزمة معقدة.
2. و إما رفض كل أشكال الاستدراج الخارجي،و الاحتماء بالشرعية الشعبية،و الإسراع بفتح نقاش وطني شامل حول مستقبل الجزائر، نقاش يشبه الاستفتاء، قد يمكن من بلورة رؤية موحدة ومنسجمة ومتكاملة تتوج باقتراح نموذج ديموقراطية حقيقية،ووضع سياسة اقتصادية إنمائية جديدة.
هذه واحدة من التحديات الكبرى التي يجب توقعها، و تحضير أنفسكم لمواجهتها وتذليلها خلال سنة 2008، 2012، وكل تأخير لها سوف يزيد في درجات الضغط الخارجي المفضي إلى المزيد من التوتر الاجتماعي والاحتقان السياسي.
والمسألة الثانية، فهم العلاقة بين العولمة والسيادة الوطنية: أن العولمة، بمعناها الواسع، قد صارت عدوة لمفهوم الدولة الوطنية، وعدوة لمعنى السيادة الكاملة و عدوة للتمسك بالدين و الوطن و الهوية و الثوابت، لاسيما إذ تعلق الأمر بأنظمة فقدت مبررات استمرارها و لم تتهيأ البدائل القادرة على استخلافها.
فالقول اليوم بأن الدولة المالكة للنفط والغاز مثلا ، هي دولة قادرة على الإقلاع الاقتصادي، و قادرة على حماية و تأمين حدودها، ليس قولاً دقيقاً تماماً، ولذلك سوف نحرص- خلال نفس الفترة- على أن نفتح بشجاعة نقاشا وطنيا واسعا حول ملف اقتصاديات (( جزائر ما بعد النفط)) لتوفير شروط الإقلاع الاقتصادي المأمول بعد استجماع الشروط الضرورية و استكمال بناء الجدار الوطني و الاطمئنان على سلامة الدولة .
وفي هذا السياق، ومن أجل ضمان تهدئة اجتماعية، بصفة مؤقتة و ظرفية لا تتجاوز السنتين، فإن حركة مجتمع السلم تدعو إلى ضرورة الإبقاء على تدخل الدولة المباشر، في سياسة دعم الأسعار لحماية القدرة الشرائية وتأمين مصادر الرزق لجميع المواطنين، وذلك بالاستمرار، المتدرج مع الزمن، في إجراءات تسقيف أسعار المواد العشر (10) ذات الاستهلاك الواسع، دون تحجج بقواعد اقتصاد السوق،أو تذرع بإملاءات المنظمة العالمية للتجارة، أو بشروط الاتحاد الأوروبي.
1. ففرنسا مازالت تقدم الدعم للقطاعات الإستراتيجية لحمايتها من المنافسة.
2. والولايات المتحدة الأمريكية تفعل الشيء نفسه لشركاتها الكبرى العابرة للقارات .
3. والهند والصين، واليابان... وسواهم، فكيف تفرض الخيارات السياسية في الجزائر، على المواطنين، منطق ((اقتصاد سوق)) في دولة مازال هذا السوق نفسه، يستورد جلّ ما يأكله المواطنون وما يلبسونه وما يتداوون به..؟ والحكومة تعرف قبل غيرها أن الجزائر لها سوق ولكن ليس لها اقتصاد إلاّ اقتصاد الواردات، أو اقتصاد الحاويات.
إن وضعنا الاقتصادي مازال هشاً، بجميع المقاييس، رغم المجهودات المبذولة، وأن الجبهة الاجتماعية مازالت غير مستقرة رغم التطمينات الرسمية (بعد توقيع العقد الوطني الاقتصادي الاجتماعي بين الحكومة والشركاء)، وأن هناك من يدفع باتجاه التأزيم، وهناك من يتربص لإلقاء المزيد من الزيت على النار،وأن الترقب السياسي مازال سيد الموقف، والنفط مرشح لشتى المضاربات في السوق الدولية.
و كل هذا ليس في صالحنا على المدى المتوسط، لأنه لا يخدم الاستقرار و لا يدعم جهود التنمية ، بل قد يعرض كل مساعي الحاصلة إلى امتحانات صعبة إذا علمنا إن هناك، في الضفة المقابلة ،تحضيرات جارية لتنفيذ مخطط جديد يتم تمريره بالتقسيط بعدما استعصى تمريره بالجملة، في مسمى الاتحادات المتوسطية، و هو مخطط قديم بثوب جديد يدفع باتجاه هدفين:
1. هدف مقنّع هو الاستعمار الجديد ( النيوكولونيالية) تحت ذريعة التعاون على مكافحة الإرهاب وتحقيق الأمن القومي( لإسرائيل) وتجفيف المنابع والضربات الاستباقية والقواعد العسكرية.. وسواها.
2. وهدف سافر هو الليبرالية اليمينية المتطرفة ( النيوليبرالية) التي تستهدف سحق الطبقة الوسطى والإيغال في توسيع الهوة الاقتصادية والفجوة الاجتماعية بين فئات المجتمع الواحد لإحداث المزيد من الاحتقان والتوترات اللازمة لطلب التدخل الأجنبي بأي شكل من الأشكال، و ما يحدث في غزة من حصار جائر خير شاهد على ما نقول،دون الحديث عن إبادة الشعب العراقي و التهديدات الحاصلة في الجوار.. و العدو المشترك لهؤلاء جميعا هو الإسلام.. هو "الخطر الأخضر" سواء لبس عباءة الاعتدال، أو خلع قميص الإرهاب، أو أرتدي بذلة الديموقراطية.. فما دام يرفض التطبيع فهو عدو للسامية.
هذه هي تضاريس الوجه الجديد لعالم اليوم، في نهاية سنة 2007 وبداية سنة 2008، ونحن جزء من هذا العالم، و لا يمكن أن نتعاطى مع " سياسة النعامة" و لن نخضع لسياسة" الأرنب و الجزرة" ما دمنا قادرين على فهم مفاصل هذه السياسات ومستعدين لمواجهة تداعياتها و فضح مخططاتها، بانتظار الانتخابات الأمريكية الروسية،و تأثير ذلك على بؤر التوتر في عالمنا الإسلامي الجريح،و ما سوف تسفر عنه سياسة الثمانية الكبار بعد ذلك ، و سياسات الدول المانحة، وقرارات الرباعية في الأزمة الفلسطينية أساسًا، والتدخل السافر في المعضلة اللبنانية والجوار المتأثر باحتلال العراق، ثم سائر الأنظمة التي تعاني من التنصير و الفياضانات و المجاعات والأمراض الفتاكة والفقر والأمية في إفريقيا، كما تعاني من التوترات السياسية والنزاعات المسلحة و تزوير الانتخابات.. و ما يستتبع ذلك من تداعيات.
وعلى هذا النحو، و بهذا الفهم، و مع كل هذه الجراحات النازفة وفي ذات السياق المنهجي والتاريخي،تعودنا-في حركة مجتمع السلم-أن نبتسم للشدائد و أن نحتكم للمؤسسات، و نحتمي –بعد الله عزوجل- بالقيم و الثوابت و بالرجال الذين صنعوا التاريخ و سجلوا البطولات، و نطمئن الجميع أن المستقبل لهذا الدين، و أن الأزمة تلد الهمة، و أن الأمر إذا ضاق اتسع، و أن مع العسر يسرا،و كلها بشريات للشعوب الواقعة تحت ظلم ما يسمى بالنظام الدولي الجديد،أما نحن في الجزائر، و في حركة مجتمع السلم تحديدا، فلا خوف منا و لا خوف علينا:
-فإسلامنا راسخ، لم يعد قابلا للشك
- ووطنيتنا ثابتة لم تعد محل اخذ ورد، و لا مساومات
- و ديموقراطيتنا صارت ثقافة فوق الشبهات وممارسة من داخل المؤسسات..
وكل قراراتنا- في الرجال، و الدساتير، و البرامج و السياسات- سوف تصدر عن مؤسسات الحركة وحدها دون سواها، و بكل سيادة، وفق قناعاتها، وليس لأي أحد الحق في استباق قرارات هذا المجلس الموقر كما أنه ليس لأحد – مهما كان- الحق في فرض رأيه، للضغط به للتخويف، أو المزايدة على البعض لتخطي الصفوف، فالمجلس حرّ سيّد، والدفاع عن استقلالية القرار مسألة مبدئية، وللمجلس الموقر الحق في التقديم والتأخير، بل وله مطلق الحق أن يمحو كل ما قيل بين مجلسين ويقطع الشك باليقين، وأما المؤتمر الرابع، فمهما حسبت أمامه من أنفاس، ومهما قرعت حوله من أجراس ،فإنه سيكون كما عودناكم دائما موعدا إعلاميا زاكيا ومحفلا إسلاميا باقيا،و عرسا ديموقراطيا راقيا، يجمع صفوة أبناء الحركة و بناتها ، يقولون فيه – بكل شجاعة وحرية وشورى وديمقراطية- للمحسن أحسنت و يقدمونه و يرفعونه ، و يقولون فيه للمسيء أسأت و يؤخرونه، وهي قناعة نابعة من ((إرادة قوية لا يتطرق إليها ضعف، ووفاء ثابت لا يعدو عليه تلون و لا غدر، و تضحية عزيزة لا يحول دونها طمع و لا بخل)) بل هي ثمرة "الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا و قالوا حسبنا الله و نعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء.." و طريق الألف ميل يبدأ بخطوة واحدة.. و لكن في الاتجاه الصحيح "و لتعلمن نبأه بعد حين".
السيدات الفضليات.
السادة الأفاضــل.
أشكركم على صبركم، وأعتذر لكم عن طول هذا الخطاب، وأعلن عن الافتتاح الرسمي للدورة العادية لمجلس الشورى الوطني، متمنياً لكم التوفيق والسداد والرشاد.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الجزائر في 08 محرم 1429 هـ
الموافق 16 ينايـــر 2008 م