بقلم: فاروق أبو سراج الذهب
لقد شغلت الحركة الإسلامية الدنيا وملأت الأجواء صيتا وانتشارا وقوة في الخطاب والممارسة حين من الدهر ،بل وبلغت في بعض الأحيان إلى اكتساح الساحة السياسية في الانتخابات بدون منازع ،ولكننا اليوم نرى عكس ذلك تماما على الأقل في الجزائر ،وصار خطابها لا يغري الجماهير فتزحف إلى صناديق الاقتراع بنسب عالية
بل مايحدث في الساحة الإسلامية اليوم سواء في المغرب العربي أو مشرقه يدل دلالات ويحمل عدة مؤشرات تجيب على سؤال كبير هل ماتزال الشعوب مع الإسلاميين قلبا وقالبا ولكنها لا تثق في الصندوق الانتخابي لأنها اقتنعت بقاعدة سياسية أصبحت ثابتة في السلوك الانتخابي الجماهيري وهي أن الإسلاميين لا يستطيعون حماية أصواتهم وان السلطة ستزور الانتخابات وتدخل الأمة في الاحتراب والعنف والصدام ،فاختارت الأمة اخف الضررين وهو الامتناع والعزوف عن المشاركة في الانتخابات ،وهو ماحدث في مصر مثلا فقد ترشحت حركة الإخوان المسلمين في التشريعيات السابقة وحازت على نتائج مقبولة ولكن نسبة مشاركة الشعب كانت ضعيفة جدا فهي حسب الإعلان الرسمي 23 بالمئة وحسب المراقبين والمجتمع المدني المراقب للساحة لم تتعدى 18 بالمئة ،ونفس الشيئ حدث في الجزائر في تشريعيات 2007 حيث بلغت النسبة الرسمية 35 بالمئة في حين قدرتها بعض الأوساط بـ 21 بالمئة ،ونفس المسار اخذته الانتخابات في المغرب .
العزوف الشعبي عن الانتخابات مؤشر خطير يدل على ان عملية التغيير ستعمر طويلا بالرغم من مشاركة الإسلاميين ومقاطعة البعض الآخر ،وقد يكون العزوف بحجة ان الإسلاميون المشاركون في الانتخابات أصبحت خياراتهم لا تغري الجمهور الذي هو كذلك يتوق الى التغيير ؟
في الجزائر اليوم يشارك الإسلاميون في كل الانتخابات على اختلاف ألوانهم السياسية ولكن نتائجهم في كل الاستحقاقات تدحرجت الى الرتبة الثالثة والرابعة والخامسة وهلم جرا ،في حين احتكرت السلطة الرتب الاولى والثانية ،ولم يستطيع الإسلاميون إثبات تزوير مفضوح كالذي حدث في تشريعيات ومحليات 1997،ورضي الجميع بالجميع وماتزال التساؤلات تطرح اليوم حول هذه الظاهرة التي اصبحت تطرح العديد من التساؤلات حول حاضر ومستقبل الحركة الاسلامية في الجزائر التي تعتبر أمل الامة في التغيير .
هل سبب ضعف تفاعل الاسلاميين مع الانتخابات هو ذاتي لانهم لم يحسنوا التعاطي مع الساحة السياسية كما ينبغي، وان خيارات الممانعين والمشاركين وا لخارجين على الحاكم كلها خيارات فسحت المجال امام النظام السياسي للنجاح في التعامل مع الظاهرة الاسلامية كل على حدا دون خلط بين الزعامات والخيارات ؟
هل السبب يتعلق بواقع الاسلاميين المتشتت في الساحة السياسية وضعف تفاعلهم مع اغلب مبادرات التوافق والعمل الجماعي الذي يحقق الحد الادنى من التوافق حول الخيارات الكبرى للامة ؟
هل السبب يتعلق بالشعب الذي مل من الخطاب العاطفي للاسلاميين وتركهم بغير رجعة , لانهم لم يحسنوا حماية خيارات الامة وتطلعاتها في السلم والتنمية ؟
هل السبب يتعلق بفشل الاسلاميين في تمثيل المشروع الحضاري الذي يحملون وتعلقوا بالأشكال والقشور ولم ينفذوا الى جوهر المشروع الحضاري الاسلامي الذي يحملون ام ان المرحلة كانت حساسة وصعبة وقمتها عالية وسقف القيادات الحاضرة لم يتوازن سقفها مع سقف المشروع ؟
هل السبب يتعلق بالنظام السياسي الذي يمنع ترشح بعض الإسلاميين ويقصي البعض الآخر ويزور على الباقي ؟أم أن السبب يكمن في عدم ثقة الشعب في الانتخابات كلها بما فيها الإسلاميين وغيرهم ،فالضعف أصاب الجميع لائكييون وإسلاميون ووطنيون ،والجميع يعيش في وضع صعب الأمر الذي يطرح أزمة سياسية عميقة في المجتمع ؟
هل السبب هو بكلمة وضع عام يتعلق بالظروف الاجتماعية القاسية التي يعيشها الشعب بما فيه الشباب من بطالة وفقر ويأس من التغيير ؟
ومن جهة أخرى أليس التفاعل الديمقراطي ينمو كما ينمو النبات ،او أي كائن حي ،وان البدايات دائما تكون ساخنة وعاطفية ولا تدرك الواقع جيدا ،وأطراف هذا الواقع يجهلون بعضهم البعض ولابد من مرحلة انتقالية تتعارف الطبقة السياسية مع بعضهما ويطمئن الفاعل السياسي في النظام السياسي الى نوعية المجموعات السياسية وكفاءتها ليسهل الانتقال السلمي للسلطة خاصة بالنسبة للاسلاميين الذين تنظر اليهم السلطة والفاعلين بل والنفاذين فيها على أنهم أجسام غريبة عن المجتمع فضلا على أنهم خطر على النظام العام .
وبعد الفترة الانتقالية يعرف كل واحد من هؤلاء حجمه وانتشاره ومدي تعاطف الجماهير معه بعد معرفته وزوال المساحيق السياسية التي يسوق بها خطابه ،وهي الواقعية السياسية التي تصل إليها أي تجربة ديمقراطية ،وان الزخم والغثائية التي أحاطت بالإسلاميين في بدايات التعددية السياسية والحزبية ،قد زال وعرفت المخطوبة خطيبها ،ومن استطاع من الاسلاميين ان يكون رأيا عاما ثابتا يناصره في كل الاستحقاقات والمناسبات فقد نجح،وان مايحصل اليوم للاسلاميين من تراجع في التفاعل مع الجماهير هو حجمهم الحقيقي ،ولا يجب ان نتصور ذلك التجييش والتزاحم الشعبي وراء الاسلاميين في يوم من الايام ؟؟؟؟؟؟
ولكننا لا يجب ان ننسى رؤية أخرى تقول ان جمهور الإسلاميين مازال هو هو ولكن هذا الجمهور جزء من استقال من اللعبة السياسية لأنه لايثق بها ،ومن جهة أخرى مايزال ينتظر القائد المنتظر الذي يعبر عن تطلعاته التي قبرت مع الغاء المسار الانتخابي التشريعي سنة 1992 ,ومع تزوير الانتخابات الرئاسية سنة 1995 .وجزء آخر مايزال وفيا للإسلاميين ويعبر بصمود كل مرة في الاستحقاقات المختلفة ولم يمل من التزوير الذكي والغبي ،وما يزال يحافظ على الحد الأدنى من ترتيب الإسلاميين في الساحة السياسية نقصد الرتبة الثانية التي تمثلها حركة حمس والإصلاح والنهضة .
وفي نفس سياق الحديث عن جمهور الاسلاميين في الساحة فانه يتحمل مسؤولية كبيرة فيما وصل إليه الوضع لأنه استقال من الفعل التغيير المنشود وصار يتمسك ببعض أطراف المشروع رغم أهميتها ،ويكتفي بطقوس عبادية لاتفى بغرض المشروع الكبير ،ونسي الأدوار الرسالية التي يجب ان يقوم بها نقصد ادوار المواطنة الحقة والفعل الايجابي .
الا أننا لايجب أن نغفل او نتجاهل العقبات التي يجتازها هذا التيار وهو يسير نحو التغيير المنشود كعقبة الهوية وفرضية الحفاظ عليها في مقابل التغريب ،وعقبة المشروع والبرنامج الذي تتهم الحركة الاسلامية بعدم امتلاكه وعقبة النماذج المشوهة من الاسلاميين سواء تعلق الامر بالعنفيين والجهاديين او تيار التكفير والتبديع والتفسيق ،وعقبة الأمية السياسية في الجزائر وضعف الثقافة السياسية لدى المواطنين والنخبة أيضا ،وعقبة المحنة الاجتماعية التي ألمت بالجزائر من خلال الخيارات الاقتصادية خاطئة او الازمة الامنية الخطيرة التي جعلت الجزائر تقف على فوهة بركان وعلى شفا الانهيار ، و عقبة النظام السياسي وتعدد اقطابه واطرافه ،وعقبة الخطاب السياسي ،حيث كان مطلوب من الاسلاميين ان يحدثوا التوازن بين حاجات الدولة إلى الاستقرار وحاجات الشعب في التنمية والرفاه الاجتماعي وهو سير على صراط حاد ،وعقبة المنع والاقصاء والخوف والتخويف والتفاعلات الدولية مابعد تفجيرات 11 سبتمبر وماتبعها من تضييق على الاسلاميين و عقبة التطرف والغلو التشدد،وعقبة المرجعيات العلمية المفقودة في الجزائر وفشل سياسات الدولة في رعاية الإسلام وصياغة المرجعيات الشرعية والعلمية وغلبة الفتوى الخارجية على سلوك الشباب في الجزائر
وعقبة انحباس القيادات في قفص كاريزما مفرطة رهنت بعض الجماعات في رداء زعيمها وأدت الى الانشقاقات والتوالد السلبي ، وبسبب هذه العقبات احتار الإسلاميون بين رهانات متعددة أي بين رهان الحفاظ على الذات و رهان خدمة المجتمع وبين رهان التعامل النظام السياسي ،وبين رهان المشاركة والممانعة .
هذه الأسباب وغيرها هي التي بلا شك تقف وراء التراجع المسجل في صف الإسلاميين وهو مسجل أيضا بالنسبة للتيارات الفكرية الأخرى وهو أمر يدعوا إلى فتح نقاش واسع بين النخب الإسلامية حول مثل هذه الإشكاليات والظواهر وهو ما سنناقشه في الحروف القادمة إن شاء الله .
فاروق أبو سراج الذهب
Siraj11@maktoob.com