
كيف يمكن قراءة نتائج الانتخابات المحلية المنظمة في 29 نوفمبر 2007 ؟ وفي أي سياق يوضع التقدم الذي أحرزته الجبهة الوطنية الجزائرية؟ وماهو السلوك الانتخابي الذي اعتمد من طرف المواطنين الذين شاركوا في الانتخابات بالنسبة المعلنة 43% ؟ هل لهذه النتائج علاقة بالانتخابات الرئاسية 2009 ؟ وماهي المؤشرات التي تدل على إقحام هذه العلاقة بشكل ملفت ؟ لماذا اعتمد عدد المقاعد في ترتيب الأحزاب ولم يعتمد عدد أصوات الناخبين؟ ثم ما هو تفسير حضور جبهة التحرير الوطني في الموقع الأول ولكنها أكبر الخاسرين مقارنة بانتخابات 2002 ؟ هل في تقدم التجمع الوطني الديمقراطي من رسائل تتعلق بالمستقبل السياسي ؟ لماذا رتبت حركة مجتمع السلم قصدا في الرتبة الرابعة بالنسبة لنتائج المحليات ،وكان من الأجدر أن تقتسم الرتبة الثالثة مع الجبهة الوطنية الجزائرية على اعتبار نتائج الولائيات أو عدد الأصوات ؟ ولماذا نسي وزير الداخلية الحديث عن نتائج الولائيات لولا تذكير أحد الصحفيين ؟ كيف يمكن قراءة كل هذه المؤشرات في ظل ما سيأتي من أحداث ؟
إن الانتخابات في الجزائر أصبحت لا تحمل معها رهانات حقيقية فلا رهان فيها أو عليها في التغيير، وصارت مجرد مواعيد لتجديد ماكياج أشخاص يذنبون طيلة خمس سنوات في حق الشعب ، ثم يعيدهم نفس الشعب إلى مواقعهم سالمين ويطهرهم من الذنوب بعد ان يعترفوا بها ، هل يصدق أحد أن شعب يحتج طول السنوات الخمس على أداء وتسيير البلدية ثم يفتح له الباب أمام التغيير فيختار نفس الجلاد ونفس البرنامج وكأنه يعيش مرحلة اغتراب حقيقية عن الواقع،ذلك أنه لا يمكن أن نفهم غضب المواطنين واحتجاجاتهم المستمرة على السلطة وممثليها ثم يعطيها اختياره في الانتخابات .
المراقبون للوضع سياسياً في الجزائر يقولون ان هذه المقدمات لا تؤدي إلى نتائج صحيحة، يقال هذا الكلام على فوز جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي بالمراتب الأولى ثم تعطي المرتبة الثالثة للغاضبين من الحزبين المذكورين حسب قراءة وزير الداخلية لتقتسم حركة مجتمع السلم الرتبة الثالثة مع الجبهة الوطنية الجزائرية .
إن قراءة السلوك الانتخابي للجزائريين في هذه الانتخابات كان سلوكا لتعويض أحزاب التحالف بالجبهة الوطنية الجزائرية ظناً منه أن هذه الجبهة بديل لهؤلاء جميعاً، لكن نسبة مشاركة هذا الصنف في الانتخابات كانت ضعيفة جداً ولذلك لم تحقق هذه الجبهة الفوز بالانتخابات في مقابل تمتع كل من FLN و الارندي و HMSبرأي عام ثابت ينتخبها في كل الظروف والأحيان، وهو ما منع من حدوث المفاجأة ليس فقط على الرتبة الثالثة بل كان يمكن في حالة المشاركة الكثيفة أن تكون المفاجأة على الرتبة الأولى على اعتبار أن أكبر الخاسرين في هذه الانتخابات هو جبهة التحرير الوطني ، وبدون بذل جهد كبير لقراءة النتائج نلحظ ذلك من خلال الأرقام فزيادة مقاعد الأرندي وحمس والأفانا والعمال من أين جاءت. جاءت من فقدان الأفلان لمقاعد عديدة ،لأنه كان يسيطر على أغلب البلديات في سنة 2002، وعلى اعتبار أن وضع الأفلان في الانتخابات المحلية كان سيئاً للغاية ،فعلى المستوى الداخلي أغلب الغاضبين وجدوا في قوائم الأرندي والأفانا ملاذاً لهم للترشح والحصول على رئاسة البلديات . ومن جهة أخرى خسرت الأفلان بعداً آخر أرادت أن تجذب إليه المواطن وهو استخدام رئيس الجمهورية في الحملة الانتخابية كأنها كانت تحرك استفتاء غير مباشر على العهدة الثالثة للرئيس بوتفليقة ولكنها منيت بالهزيمة حيث فقدت أغلب الأصوات التي حازتها سنة 2002 ، فهل يمكن اعتبار تصويت الناخبين على الجبهة هو تصويت على العهدة الثالثة للرئيس. يبدو أن الجبهة لم تنجح في إنجاح هذا الاستفتاء غير المباشر وبالتالي استعجلت استخدام هده الورقة الهامة، أولاً في تصدير أزمتها الداخلية للخارج وثانياً في حشد الدعم الشعبي للعهدة الثالثة.
أما بخصوص اقتسام حركة مجتمع السلم للرتبة الثالثة مع الجبهة الوطنية الجزائرية وهي بالحزب الجديد الصاعد فإن القراءة الموضوعية لهذا الحدث تقول أن حركة مجتمع السلم قد بلغت السقف في تحقيق نتائج إيجابية في التشريعيات والمحليات إذا وضعنا في عين الاعتبار السياسة التي تنتهجها قيادة حمس منذ نشأتها، ذلك أن اعتماد المرحلية والتدرج في العمل السياسي و المشاركة في السلطة عبر بالحكومة والبرلمان والبلديات هذا الخط السياسي من الطبيعي أن لا يحقق الأغلبية في الانتخابات بالصورة التي تدار بها العملية الانتخابية في الجزائر، بل يحقق نتائج تنسجم مع استراتيجيه المشاركة التي تعتمدها حمس منذ أكثر من 16 سنة، هذا السقف الثابت أصبح اليوم مقلقاً للكثير من الأطراف السياسية الطامحة إلى الصعود حيث يوفر هذا الموقع للحركة القدرة على إدارة الصراع السياسي وفق إمكانياتها المحددة سلفاً والتعامل مع أطراف اللعبة السياسية بأريحية كبيرة، والملفت في موقف حمس هو أنه منذ أمد بعيد تنمو بشكل ملفت رغم إرادات ضربها عاطفياً من خلال منافسة البعض لها على المراتب الأولى، ذلك أن جرح عاطفة المناضلين لحركة حمس من خلال استخدام ظاهرة الصعود السهل لبعض الأحزاب السياسية دونما بذل لجهد أو إبداع في خطاب أو حتى قدرة تنظيمية وانضباطية .
وظاهرة الصعود السهل في الجزائر أصبحت متكررة فقد حدث الصعود السهل للفيس في انتخابات 1990و 1991 وحدث الصعود السهل لحركة الإصلاح الوطني سنة 2002 ويحدث اليوم مع الجبهة الوطنية الجزائرية وستكرر هذه الظاهرة باستمرار ما بقيت الخيارات السياسية للأحزاب والمشاركة السياسية للشعب في الانتخابات على هذا المستوى من التفاعل .
إن الصعود ببطء والنمو الطبيعي هو المسار الصحيح للحركة السياسية الراشدة التي تريد فعلا إحداث التغيير المنشود مهما طال الزمن ،فالصعود الحذر هو الوصول بأمان ، لكن الانتظار في طابور "الدالة " دونما توسع وانتشار واخذ الدربة والاقتدار على الفعل السياسي والاجتماعي والتأثير في النخب والتفاعل مع حاجات المجتمع من خلال مؤسسات مجتمعية قوية وتطوير الأداء السياسي وفرض خيارات ديمقراطية جديدة سيترك الساحة السياسية في كل مرة تفتح على صاعد جديد لكنه سرعان ما يسقط لأنه لا يملك مقومات البقاء وإدارة الصراع السياسي في مقابل قابليته للانشطار والانشقاق وتحويل القبلة وتبديل الوجهة ،وستظل الساحة السياسية تجتر نفس الخطاب ونفس المواقف مالم يقف في الأمة قائدا وجماعة تحوز فقه المرحلة وملامح المستقبل ومقومات الاقتدار على إدارة الصراع السياسي وتعلن ابتداء من اليوم الدخول في منافسة ليست على مقاعد في البلديات والبرلمان ،بل على مقاعد في قلوب من استقال من الحياة الاجتماعية والسياسية وعزف عن مختلف أنواع الزواج السياسي ،وقرر الانعزال والتطرف في ساحات ثانوية لاتقدم في مسيرة الأمة شيئا ، آن الأوان لميلاد جماعات ونخب لاتطلب السلطة لنفسها بل توفر الظروف الملائمة للخروج من ديمقراطية السقف المحدود الى ديمقراطية السقف المرتفع ،وتعلن بالتالي عن التزامات وطنية تكون بمثابة ميثاق شرف او إعلان مبادئ للعمل على الانتقال من الساحات المحدودة إلى الفضاءات السامقة التي تنافس على الرتب الأولى وليس التنافس على الرتب الأخيرة ،نقصد الرتب المجتمعية كمرجعيات تحفظ على الأمة ثوابتها وتوفر للأجيال فرص العمل السياسي المفتوح والنضال الرسالي المشروح .
كتب فاروق أبو سراج الذهب