حتى لا تتحول الانتخابات إلى مصيدة للمغفلين
محمد جمعة - الأمن الوطني للشؤون الاقتصادية
محمد جمعة - الأمن الوطني للشؤون الاقتصادية

تباينت الأوصاف التي أطلقت على انتخابات 10 ماي 2012، حيث شبهها البعض بأول نوفمبر 54، ووصفها آخرون بالفضيحة والمهزلة، واعتبرها الفائزون ملاذا وانتصارا، بل صاعقة كهربائية، ولعل أصدق وصف ينطبق عليها هو أنها غريبة ومفاجئة للجميع، لأن نتائجها لا تعكس حقيقة المشهد السياسي ولا تعبر بصدق عن موازين القوى الموجودة في المجتمع، فالانتخابات إذا لم «تجسد الإرادة الشعبية بتمكين الأغلبية من الحكم، ولا تحقق التداول السلمي على السلطة، ولا تنطوي على أي رهانات، تصبح عديمة الجدوى ومضيعة للمال والجهد والوقت، بل قد تتحول إلى مصيدة للمغفلين وهو الوصف الذي أطلقه الطلبة الفرنسيون اثناء ثورتهم في ماي 68 « les élections ,piège a cons». للتهوين من شأنها وإظهار عبثية التعويل عليها في عملية التغيير.

حين نتجاوز القراءة الفنية والسطحية للأرقام تقفز إلى عيوننا وعقولنا الحقائق التالية:

1- يشكل المقاطعون الذين بلغ عددهم 12 مليون القوة السياسية الأولى في البلاد.

2- يحتل المصوتون بالورقة البيضاء المرتبة الثانية بواقع 1.7 مليون صوت، ولعل رسالة هؤلاء وهؤلاء هي عدم الإيمان بجدوى وجدية الانتخابات، وإن فضل بعضهم المشاركة أداء للواجب.

3- يأتي ثالثا في الترتيب أصحاب الأصوات الملغاة بسبب عتبة 5٪، والتي بلغت عدة ملايين، وهؤلاء غالبا صوتوا لصالح القوائم الحرة أو الأحزاب الصغيرة عقابا للأحزاب الحاكمة.

وبعد ذلك فقط يأتي الحزب الفائز الذي حاز على زهاء 1.3 مليون صوت ونسبة 6٪، وهذه النتيجة أنشأت معادلة سياسية عجيبة، فالحزب الأول من حيث المقاعد هو الرابع من حيث الأصوات، والأغلبية القانونية تعتبر أقلية سياسية، وهذا الذي يفسر استمرار التصحيحية في بيت حزب جبهة التحرير، والمطالبة برحيل أمينها العام الذي لم يشفع له هذا الفوز، مفندا بذلك المقولة المشهورة «لا نغير الفريق الذي يحقق الفوز « on ne change pas une equipe qui gagne «. ولم يقتصر الأمر على الأفالان، بل انتقلت عدوى الحركات التصحيحية إلى أحزاب أخرى كالأرندي والأفانا وربما حمس، وتبقى القائمة مفتوحة. وحملت هذه الانتخابات رسالة للجميع سلطة ومعارضة، فحواها: الثقة مفقودة، العملية السياسية معطلة، الأحزاب فاقدة للتمثيل والمصداقية، التغيير مؤجل..

في الحقيقة هناك ستة عناصر ناضلت وتضافرت من أجل تأجيل عملية التغيير وتثبيت الأمر الواقع:

-1- الريع النفطي والذي مكّن من شراء السلم الاجتماعي نسبيا، وضمان ولاء القوى الداعمة للنظام المستفيدة من الوضع القائم، والتي ستتضرر حتما من أي تغيير.

-2- الدعم الغربي للسلطة باعتبارها حليفا استراتجيا ضد الارهاب، وموردا أساسيا للنفط والغاز، وسوقا واعدا يمتلك ثروة مالية هائلة.. يمكن أن تسهم في تخفيف حدة الركود الاقتصادي الذي يجتاح الغرب. كما يمكن أن تشكل سدا سياسيا وجغرافيا منيعا قد يحد من تنامي التيار الإسلامي الذي اعتلى سدة الحكم في المغرب وتونس وليبيا ومصر وغيرها من الدول، والذي ينظر إليه الغرب بترقب وتوجس، إضافة إلى كونها قوة مسيطرة على لأوضاع.

-3- الربيع العربي: خلافا لاعتقاد الكثيرين، يشكل الربيع العربي عامل طرد لا جذب بالنسبة للجزائريين، ومن ثم ساهم في تكريس الأمر الواقع وليس العكس، لقد تعاطف الشعب مع الثورة في مرحلتها التونسية والمصرية، ثم بدأ يتحول بعد تدخل الناتو في ليبيا ورفع الأعلام الفرنسية في بنغازي، وازداد نفوره بعد تفاقم العنف في سوريا وتفشي مظاهر الفوضى في دول الربيع العربي، ليس دعما لنظامي القذافي والأسد المنبوذين، ولكن رفضا للتدخل الأجنبي ودرءا للفتنة.

-4- ذاكرة المأساة الوطنية: والتي ما زالت محفورة في عقول ونفوس غالبية الجزائريين، إذ أن أحداث التسعينات كانت من الخطورة والفظاعة بحيث تولدت عنها حساسية مفرطة لدى المجتمع تجاه أي مشروع أو خطاب أو ممارسة تذكره بتلك الحقبة المؤلمة، خصوصا أن كثيرا من المشاهد الدموية التي تطل عليه من على شاشات الفضائيات قد عايشها من قبل، ويرفض بشدة انتقال عدواها إلى وطنه. ويبدو أن السلطة كانت أكثر إدراكا ومن ثم استثمارا لهذا الموقف من الإسلاميين.

-5- هشاشة الطبقة السياسية: المنقسمة بين إسلاميين ولائكين ومعربين ومفرنسين وعرب وأمازيع والتي تفاقمت خلافاتها بسبب كثرة الصراعات والانشقاقات والتراشق بالاتهامات، مما شوه صورتها لدى الرأي العام وأفقدها كل مصداقية، وحال دون قيام أي تحالف يمكن أن يتحول إلى بديل حقيقي للنظام.

-6- خطاب بعض الإسلاميين أثناء الحملة الانتخابية الذي فقد توازنه المعهود وجنح إلى التهويل بدل الطمأنة، كتصريح أحدهم أنه مستعد لاستلام الحكم، وادعاء البعض الفوز بالضربة القاضية، والشروع في التشاور على تشكيل الحكومة بل وتسمية من يرأسها، وظهور استطلاعات ترجح فوز الإسلاميين بالأغلبية، علاوة على زيارة تركيا وقطر والمغرب ومصر وتونس مما أعطى انطباعا أن هناك سيناريو يعد بليل، وولد تخوفا لدى صناع القرار ألجأهم إلى اتخاذ احتياطات لمنع حدوث ذلك.

ولكن هناك تدافعا شديدا بين هذه العناصر وعناصر التغيير، التي يمكن رصد أبرز ملامحها في النقاط التالية:

-1- لا يمكن الاطمئنان كثيرا لعناصر التثبيت لأنها عناصر مؤقتة وهشة لئن أدت مفعولها اليوم قد لا تؤديه إذا تغيرت الظروف غدا. فالريع لن يدوم وإذا مكن من شراء السلم الإجتماعي نسبيا ومؤقتا اليوم، فلن يتمكن من إرضاء الطلب الاجتماعي المتزايد غدا، بدليل تصاعد وتيرة الاحتجاجات وكثرة الإضرابات مع احتمال خروجها عن السيطرة وانتقال عدواها بسرعة لكل مكان كما حدث في أحداث جانفي 2011، والتي كادت أن تؤدي إلى كارثة لولا لطف الله. وللغرب مصالح ثابتة ومواقف متغيرة، وهو يؤيد السلط الحاكمة مادامت مسيطرة على الأوضاع ويتخلى عنها حين تفقد هذه السيطرة، والتاريخ القديم والحديث حافل بالأمثلة. ولئن كان الربيع العربي اليوم مثيرا للتوجس والترقب والرفض، فيمكن أن يسترجع جاذبيته إذا حسم الصراع في سوريا وتمكنت الدول المعنية من تجاوز الراهن وتمكنت من تكريس الديمقراطية، وتحقيق الاستقرار والتنمية. وحتى صدمة التسعينيات لا يمكن الرهان عليها كثيرا، لأن مفعولها بدأ يتلاشى مع مرور الوقت واستتباب الأمن وانحسار الإرهاب، فضلا عن أن أجيالا كثيرة لم تعايش تلك المرحلة ولا تبدي أي تأثر بها. أما الاختلافات الحزبية فهي الأخرى قيد التجاوز، وإعادة التشكل على أساس تحالفات جديدة بدأت تبرز بوادرها إلى الوجود، وتمثل السلطة بغلقها للعبة السياسية أفضل مجند وموحد للمعارضة.

-2- كما أن هناك عناصر داخلية وخارجية ترجح كفة خيار التغيير: كالعولمة، وثورة الاتصالات والإعلام الحديث، وارتفاع منسوب الوعي لدى الشعوب والشباب منه على وجه الخصوص، وعجز الأنظمة عن تحقيق التنمية ومن ثم حل مشاكل المجتمع المتراكمة، وتفشي الفساد، وتزايد الطلب على الديمقراطية والعدالة والشفافية.

إن الظرف يقتضي من الجميع تجاوز هذه الانتخابات واعتبارها زلة غير مقصودة، تشبه زلة ذلك «الحلواجي» الذي أفلت العجين من يديه منزلقا إلى المقلاة فقال «زلى بيا»، فابتكر الزلابية من حيث لم يقصد، فهذه الانتخابات لا تعبر بصدق عن موازين القوى السياسية، كونها تصادم أساسيات الديمقراطية التي من أهم مبادئها حكم الأغلبية للأقلية وليس العكس، كما هو حال الحزبين الفائزين اللذين تحصلا على أقل من 9٪ من الأصوات، فهما بهذا المعنى أقلية ضئيلة سياسيا ولا يليق أن يدّعيا تمثيل الأغلبية الساحقة ومن ثم الحكم أو التشريع باسمها، ولعل أفضل وسيلة للخروج من هذا التناقض هو التوجه إلى تعديل دستوري توافقي على أن يكون عميقا وجذريا كما أعلن الرئيس، وتشكيل حكومة من مستقلين وحزبيين وتكنوقراط، واستصدار القوانين وفق نفس المنطق، الأساس لتجاوز الإحباط والسلبية واليأس الذي تملك المجتمع. وبعث الأمل من جديد في النفوس بمناسبة الذكرى الخمسين للاستقلال، ونقل الجزائر من حالة الاستثناء في الربيع العربي إلى مصاف القدوة فيه تصدر الديمقراطية الاستقرار والتنمية والعدالة، كما كانت إبان الثورة قدوة في البطولة والعزة والتضحية.


طالع أيضا