"التسويق الشبكي" في الميزان
"التسويق الشبكي" في الميزان

"التسويق الشبكي" في الميزان

بقلم الأستاذ: حمدادوش ناصر

كانت ليّ زيارةٌ إلى إحدى الولايات لتأطير دورةٍ تربوية، وطُرح موضوع "التّسويق الشّبكي"، ووقع الاختلاف فيه، مما دفعني للبحث والتعمق في الموضوع أكثر، وتقديم خلاصةٍ عنه، وهذا ما وعدت به.

ولا شك أنّ الحكم عن الشيء فرعٌ عن تصوّره، وهناك إصرارٌ على خلط المصطلحات من أجل خلط المفاهيم، وبالتالي: الاختلاف في التكييف الفقهي للمسألة، فيسمى: التسويق الشبكي، والتسويق الهرمي، والتسويق متعدّد المستويات، والتسويق الإلكتروني، والبيع المباشر، والتسويق المباشر..

وصورته العامة أنّ الشركة تشترط شراء سلعةٍ (تكون في الغالب بغير ثمنها الحقيقي) من أجل القبول بالشّخص في الشبكة والتسويق لمنتجاتها، وبقدر إقناعه لمشترين جُدد بقدر ما تُعطى له مكافأة، وهم بدورهم كلما أقنعوا مشترين آخرين بقدر ما يحصلون على مكافأة بنسبٍ متفاوتة، وهكذا تتشكّل شجرةٌ من العملاء والمسوّقين المباشرين، فـ: (أ) يقنع: (ب) و(ج) فيأخذ مكافأة، و(ب) يقنع 02: (هـ) و(و) فيأخذ عليهما مكافأة، و(ج) يقنع 02: (د) و(ت) فيأخذ عليهما مكافأة، ويأخذ (أ) عليهم جميعا مكافأة...وهكذا كلما كبُرت الشبكة يأخذ أعلى الهرم مكافأة أكبر.

وحقيقة المعاملة أنها تشتمل على ركنين هما: "الشراء" و"التسويق" مجتمعين، فلا يمكن الدخول في شبكة التسويق والحصول على المكافآت إلا إذا اشتريت السلعة أولا ليكون لك الحقّ في الحصول على المكافآت بحسب إقناع الآخرين بمنتجات الشركة.

ولا شكّ أن هذه المعاملة من النوازل والقضايا المعاصرة، التي ليست لها مثيل في المعاملات المالية القديمة، وبالتالي فالمسألة تحتاج إلى النّظر في الحقائق والمآلات، وفي المقاصد والنّيات، وإلى سدّ الذّرائع إلى الحيل المفضية إلى الضّرر والحرام.

وتعود فكرة "التسويق الشبكي" إلى أمريكا سنة: 1940م، وكانت تسمّى "بالتسويق الهرمي" وتعتمد فكرتها على "الإشتراك" وليس على "شراء المنتج"، وعندما صنّفته وزارة التجارة الأمريكية ضمن "الغش التجاري" وحاربته قضائيا، تحايلت هذه الشركات وأدخلت مكان الاشتراك: اشتراط شراء السّلعة كنوعٍ من التمويه والتورية، وتغيّر الإسم من "الهرمي" إلى "الشبكي"، وتمّ استغلال الثغرات القانونية تحت غطاء "التسويق" وتعويض تكاليف "الوسطاء" و"الإشهار" و"تأهيل الموزّعين"، وإعطائها كمكافآتٍ للعملاء في التسويق المباشر (من المنتج إلى المستهلك مباشرة، بينما التسويق غير المباشر يمرّ عبر سلسلة: المنتج، ووكيل البيع، وبائع الجملة، وبائع التجزئة، والمستهلك).

واختلف فقهاؤنا المعاصرون في المسألة بحسب ما ظهر لكلِّ فريقٍ من الأدلة ومعرفة حقيقة هذه المعاملة. فالذين يجيزونها يقيّدون جوازجها بـ: ألا يُشترط على المنخرطين - ابتداءً - شراء السّلعة أو دفع اشتراكٍ مسبق، وألا تزيد قيمة السلعة عن ثمنها الحقيقي، وأن تكون عقد شراءٍ فقط أو عقد جعالة أو سمسرة فقط، فتأخذ المكافأة على الوساطة المباشرة، أما أن تأخذ مكافآت على أناس في الشبكة ولم تتعامل معهم مباشرة فهذا أكلٌ لأموال الناس بالباطل، وتقاضٍ لأجرٍ بغير عوض ولا جهد.
وقد استندوا في جوازه إلى تكييفاتٍ فقهية وقياسٍ على معاملات قديمة، نذكر منها:
1/ الأصل في الأشياء الإباحة: وخاصة في المعاملات المالية كما هو مقرّر في قواعد الشريعة، و"التسويق الشبكي" نوعٌ من المعاملات المالية المعاصرة التي لم يردْ فيها نصٌّ من الكتاب والسّنة في تحريمها، ولا تحريم إلا بنصٍّ.

2/ أنها نوعٌ من "الجِعالة": وهي ما يُجعل للإنسان مقابل فعله لشيء، مثلما نقول: مَن وجد الشيء المفقود كذا فله كذا. 

3/ أنها نوعٌ من "السّمسرة" المشروعة: وهي الوساطة بين البائع والمشتري مقابل تسهيل البيع، وهي جائزة شرعا وفق شروطها. 

4/ أنّها نوعٌ من الوَكالة المشروعة بأجرة: وهي التفويض لمَن يسوّق سّلعةً بحصوله على مكافآتٍ مقابل جهده في ذلك. 

والجواب على هذه الأدلة: أن هذه المعاملة قد دخل عليها ما يؤثر في أصل إباحتها وهو: الذريعة إلى بعض المحرّمات وأوجه التحريم مثل: الرّبا والغرر والتدليس وأكل أموال النّاس بالباطل، وواحدة منها كافية لإخراجها من دائرة الإباحة فكيف بها مجتمعة؟؟   

وأنه بين الوكالة الشرعية والتسويق الشبكي فرقٌ كبير، لأن التسويق الشبكي يُشترط فيه "الدّفع المسبق" في صورة اشتراكٍ أو شراءِ سلعةٍ، بينما في الوكالة تُأخذ الأجرة عليها لمجرد العمل كوكيلٍ، وهو ما يجعل القياس عليها غير صحيح. 

   وأنه هناك اختلاف عن السّمسرة: فلا يدخل نظام التسويق الشبكي في باب السّمسرة لاختلافه عنها من عدَّة وجوهٍ منها:
_ أنَّ السّمسرة عقدٌ يُكلَّف بموجِبه السّمسارُ بالبحث عن شخصٍ آخَرَ لربط العلاقة بين الطرفين قصْدَ إبرام البيع بينهما مقابلَ أجرةٍ معلومةٍ ومتفقٍ عليها بالتراضي، بينما نظام التسويق الشبكي يقوم المشارك فيه بدفع الأجر لتسويق بضاعة الشركة أو منتجها.
_ وأن عقد السّمسرة بغياب العلاقة التبعية، أي: لا تربط السّمسار أيُّ علاقةٍ تبعيةٍ بعميله، في حين تربط المشاركَ - في نظام التسويق الشبكي- علاقةٌ تبعيةٌ بعميله حتى يَصِلَ التسويق الشبكي إلى نهايته.

_ وأنّ العقد الذي يبرمه السّمسار مع عميله ينتهي متى أبرم الطرفان العقدَ واستحقُّ السّمسار أجرةً، بينما في التسويق الشبكي قد يستمرُّ التسويق إلى وقتٍ لا يدري المشترك فيه ما إذا كان غانمًا أو غارمًا. 

_ وأن عقد السّمسرة عقدُ وساطةٍ وتقريبٍ بين العميل والمتعاقَد معه، يقوم السّمسار على حمل إرادة الطرفين على التعاقد، ويكون هدفه الأساسيُّ تسهيلَ عملية التعاقد على البضاعة أو المنتج محلِّ التعاقد بصورةٍ حقيقيةٍ، أي: أنَّ البضاعة أو المنتج مقصودٌ في ذاته مجرَّدٌ عن أيِّ تلبيسٍ، بخلاف: "التسويق الشبكي".
أما المحرّمون له فيستندون في ذلك على القواعد التالية:
_ قاعدة الغرر: فالتسويق الشبكيَّ يعتمد في ترويج سلعته على الدّعاية المغرية، والتي تخدع المشاركين فيها وتغريهم بتحصيل أرباحٍ كبيرةٍ، فهو يدفع "مالا" تحت غطاء "شراء سلعةٍ" من أجل الحصول على مكافآتٍ (مال متوقّع)، قد يحصل عليه إذا نجح في "التجنيد" وقد لا يحصل عليه إذا فشل في ذلك، وستنتهي هذه الشبكة حتما في مستوى معين وقد يخسر كلّ شيء، وهو الغرر بعينه، بحيث يقع أكثرية المشاركين من الطبقة الدنيا من الشبكة ضحيَّةً هذا الأسلوب التسويقيِّ الماكر بالغشِّ والتلبيس، وقد جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال:" نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الْحَصَاةِ وَعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ).
 _ قاعدة أكل أموال النّاس بالباطل: بحيث تتحقَّق أطماع الطبقة العليا الغانمة على حساب الأكثرية السّفلى الغارمة، لتشبّع السوق والوصول حتما إلى نهاية الشبكة، وهذه المعاملات تدخل - بلا شكٍّ - في عموم قوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (البقرة: 188)، وهو نوعٌ من أنواع استغلال الإنسان لأخيه الانسان، ومحاولة الرّبح على حسابه، حتى ولو كانت هذه السلعة غير ضرورية أو يترتب عنها مفاسد ومخاطر على الآخرين.
_ قاعدة الرّبا الخفيِّ: وهو ربا البيوع بقسمَيْه: ربا الفضل وربا النّسيئة، فالبضاعة التي هي محلُّ التسويق الشبكي ليست مقصودةً في ذاتها، وثمنها أغلى من قيمتها الحقيقية في السوق (تحت غطاء أنها حصرية أو نادرة ولا أحد يمكنه التدقيق في قيمتها الحقيقية)، ودفع نقودٍ (وهو جنس ربوي) من أجل الحصول على مالٍ أوفرَ منه هو "عين الرّبا"، وما "السّلعة" إلا للتحايل في المعاملة، بدليل أنها ليست مقصودة لذاتها، وقد تكون سلعةً غير ضرورية أو غير مرغوب فيها.
_ قاعدة بيع العِينة: وهي شراء سلعةٍ إلى أجل متأخر، وأخذ مكانها عيْنا (نقدا) حاضرا، وقد ورد تحريمه في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: " إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ، سَلَّطَ اللهُ عَلَيْكُمْ ذُلاًّ لاَ يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ.".
_ قاعدة القمار: وهو دفع مالٍ (مُتضمّن في ثمن السّلعة بغير سعرها الحقيقي وهي غير مقصودة لذاتها) من أجل الحصول على أموالٍ متوقّعة (قد تأتي وقد لا تأتي)، وهو عين القمار والميسر، بل وقد أثبتت دراساتٌ غربية أن خسارة التسويق الشبكي أكبر من خسارة القمار.
_ قاعدة البيعتين في بيعة واحدة: عقد البيع بجعل شراء السلعة شرطا في الدخول في التسويق الشبكي مع عقد السّمسرة، هو إدخال صفقتين في صفقة واحدة وبيعتين في بيعة واحدة، وهو منهيٌّ عنه شرعا..
_قاعدة اتقاء الشبهات: فلهذه المعاملة آثارها على الاقتصاد الوطني، فأغلب هذه الشركات أجنبية، والعملية في نهايتها نوعٌ من تبييض الأموال وتهريبها إلى الخارج، وهو ما يشجّع الإنتاج الأجنبي على حساب الإنتاج الوطني، وهو بيعٌ غير خاضعٍ للضريبة والحماية والرّقابة، وهو ما يجعله خارج القانون، وفيه من المخاطر والأضرار ما لا تخفى. 

كما أن هذه المعاملة تُشِيع ثقافة التواكل والرّبح السريع (غير المقنّن) بعيدا عن قواعد التنافس الشريف والشفافية في البيع والاستثمار الفعلي والإنتاج الحقيقي، وهو ما يتعارض مع فلسفة الإسلام في المال وهي: التدوير والتنمية، بخلاف التسويق الشبكي الذي ينطوي على ثقافةٍ استهلاكية مقنّعة، تُبذل فيها جهودٌ ضائعة، وهي لا تبتعد عن القاعدة الميكيافيلية: "الغاية تبرّر الوسيلة"، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول فيما رواه البخاري ومسلم عن حكيم بن حزام رضي الله عنه: " البيّعان بالخيار ما لم يتفرّقا، فإن صدقا وبيّنا بورك لهما، وإن كذبا وكتما مُحِقت بركة بيعهما.". 

كما أن هذا النّوع من التجنيد ينطوي على مخاطر أمنية تصل إلى التورط في تقديم معلومات شخصية والانخراط في شبكاتِ التّجسّس لصالح جهاتٍ خارجيةٍ مجهولة، وهو ما يضرّ بالأمن القومي للبلدان، ويورّط الأفراد بالوقوع في أيادي مشبوهة.
والرّاجح – والله أعلم – أنّها محرّمة، وخاصة أن بعض مَن أجازها: آحادٌ من العلماء، بينما مَن حرّمها هي المجامع ودور الإفتاء ولجانها وفق الاجتهاد المقاصدي الجماعي المؤسسي، وهو ما يُطمأن له.
والله الموفّق والهادي إلى سواء السبيل.


طالع أيضا