معركة الهويّة لا تزال مستمرة ... وهذه المرّة عبر قانون حماية الطفل
معركة الهويّة لا تزال مستمرة ... وهذه المرّة عبر قانون حماية الطفل

                   معركة الهويّة لا تزال مستمرة ... وهذه المرّة عبر قانون حماية الطفل.
بمناسبة اليوم العالمي للطفل الموافق لـ: 01 جوان من كل سنة، والذي يصادف إقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة لاتفاقية حقوق الطفل عام 1989م، والتي صادقت عليها الجزائر سنة: 1992م..
عُرض مشروع قانون حماية الطفل على البرلمان يوم الثلاثاء: 19 ماي 2015م، وتمّت المصادقة الهزلية عليه بالمجلس الشعبي الوطني يوم الإثنين: 25 ماي 2015م، وتبقى المعركة عليه مستمرة ولا يمكن الاستسلام لها أمام سلطة الأمر الواقع، على الأقل: إقامةً للحجّة، وتبرئةً للذّمة، وإقامةً للشهادة على النّاس، وفي الأخير: "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب."، وهذه تحفّظاتنا على هذا القانون:
1/ التحفّظات السّياسية:
_ تتمثل في خطورة الانخراط في المنظومة الغربية والانبطاح الإيديولوجي لها تحت غطاء التكيّف مع الاتفاقيات الدولية، مع أن الواقع الجزائري يختلف تماما عن واقع الأسرة الغربية، مع ما تصطدم به هذه الاتفاقيات مع الخصوصية الدينية والثقافية للشعب الجزائري، ولنا الحقّ في التحفّظ عليها، وهو ما يستهدف الهوية والثوابت، ويمسّ بالسيادة الوطنية على التشريع الوطني.
_ هذا المشروع يندرج ضمن منظومة متكاملة في استهداف قانون الأسرة، فبعد العبث به بالأمرية الرئاسية سنة 2005م والتوسّع في حقّ الخلع والتسيّب في أركان الزّواج (وليّ المرأة) وما ترتّب عنه من ارتفاع نسبة الطلاق والخلع (65 ألف حالة في السنة)، والالتفاف على قانون الأسرة بهذه القوانين التجزيئية والتمييعية مثل: "صندوق النّفقة للمرأة الحاضنة والمطلقة" وتعديل "قانون العقوبات" تحت غطاء التشديد على العنف ضد المرأة، يأتي قانون حماية الطفل ليكمل تهديد تماسك الأسرة وانتهاك خصوصيتها.
_ هذا القانون جاء بصيغةٍ قضائيةٍ عقابيةٍ أكثر منها بصيغةٍ لحماية ورعاية الطفل حقيقية، وهو ما يعني أنه يعالج النتائج ولا يعالج الأسباب، وهو متكفّلٌ به في قانون الإجراءات الجزائية فيما يتعلق بالأحداث في المواد من: 442 إلى: 492، والجديد فيه هو اقتراح إيجابي وهو: اقتراح الوساطة في الجنح والمخالفات دون الجنايات من أجل إسقاط الدعوى العمومية والتخلّي عن عقوبة الطفل.
_ الظاهر من هذه القوانين هو "سياسة اللاعقاب" و "اللا تأديب" سواء مع المرأة أو الطفل أو التلميذ أو غيرهم، بشعاراتٍ ظاهرها الرّحمة وباطنها من قبلها العذاب الأليم، ففي مثل سن: 17 أو 18 سنة ستقع جرائم كبرى مع تطوّر الحياة المعاصرة، والذهاب إلى سياسة اللاّعقاب يتنافى مع الصّرامة والعقوبة المناسبة للخطأ، وهذا معناه: التشجيع على الجريمة وتهديد القيم التربوية والاجتماعية للمجتمع.
_ القانون لا يفرّق بين ما يتعرّض له الطفل داخل الأسرة أو خارجها، بطريقةٍ متماهية مع المنظومة الغربية التي لا تعترف بالخصوصية، وكأنها مؤسسة اقتصادية أو إدارية لا تربطها إلا المصالح المادية والبراغماتية، بينما تقوم علاقات الأسرة الجزائرية على قانون الأسرة المستمدّ من الشريعة الإسلامية، ومن المنطقي أن نستند إليه في حلّ مشكلاتها لا إلى أحكام الاتفاقيات الدولية الغربية؟
2/ التحفّظات من حيث المضمون:
_ هذا القانون يتحدّث عن بعض الحماية الاجتماعية والقضائية فقط، ولا يشمل حماية الطفل وحقوقه الكاملة ومنها حقوقه الصّحية والتربوية والمدنية، ومن المخزي مثلا: أن منحة الأطفال والتعويض على أدويتهم لا تعبّر عن التكفل الحقيقي بهذه الفئة الهشة في المجتمع، كما أنه لا يتحدث عن الطفل أقل من:10 سنوات.
_ لا يُعقل أن يُعرّف الطفل قانونا في هذا المشروع بأنه الطفل الذي لم يبلغ: 18 سنة، وهو يتنافى شرعا مع سنّ البلوغ والتكليف وتحمّل المسؤولية، ويتنافى مع الحقيقة الواقعية في تطوّر جرائم الشباب في هذه السّن.. 

  _ هذا المشروع متأثر بالقانون الفرنسي، ويتحدث عن الهيئة الوطنية لحماية وترقية حقوق الطفل، وهي لا تغطّي كلّ التراب الوطني في الولايات والبلديات، ولا يتحدث إلا عن صلاحيات المفوّض الوطني، مع إمكانية أخذ الطفل من أسرته، وهو ما يتنافى كذلك مع الترتيب الشرعي لحضانته..
_ خطورة التوسّع في تعريف "الطفل في حالة خطر" مثل:
*) عجز الأبوين أو مَن يقوم برعاية الطفل في التحكّم في تصرفاته التي من شأنها أن تؤثر على سلامته البدنية أو النفسية أو التربوية.
  *) التقصير البيّن والمتواصل في التربية والرّعاية.
  *) إتيان أي عمل ينطوي على القساوة من شأنه التأثير على توازن الطفل العاطفي أو النفسي.
وهذا اعتداءٌ واضح على حقّ الوالدين في تأديب الأبناء، ويشجّع على تمرّدهم والجرأة على الخروج عن طاعتهم، ويفتح الباب واسعا في التنازع على الأطفال والأحق برعايتهم، وهو ما سيهدّد مستقبلهم واستقرارهم العائلي.
_ خطورة التوسّع في حالات الإخطار والتبليغ عن الطفل في حالة الخطر والإجراءات المتخذة: ففي المادة: 15 يمكن لكلِّ شخصٍ طبيعيٍّ أو معنوي أن يقوم بذلك، وفي المادة: 18 "يُعفى هؤلاء إذا تصرّفوا بحسن نيّة من المسؤولية الإدارية أو المدنية أو الجزائية حتى وإن لم تؤدّ التحقيقات إلى أيّ نتيجة.".
وهو ما سيفتح الباب واسعا لأيٍّ كان أن يستعمل هذا الحقّ للانتقام وتصفية الحسابات ولو على حساب الطفل.
كما أن الإجراءات التي يتخذها "قاضي الأحداث" قد تكون خطيرة، وهي غير قابلة للطعن بأيّ شكلٍ من الأشكال، فالمادة: 40 تنصّ أنه يمكن تسليم الطفل إلى أحد أقاربه أو إلى أيّ شخصٍ أو عائلةٍ جديرين بالثقة؟؟ أليس هذا تفكيكا للأسرة وتهديدا لمستقبل الطفل والدخول به في متاهات لا نهاية لها؟؟
3/ التحفّظات من حيث الشّكل:
_ عدم تجانس عنون المشروع ومضمونه: فهو يتحدّث عن حماية الطفل، ولكنّه لا يتحدث في مواده إلا عن الطفل الجانح والطفل في حالة الخطر (المشروع يحتوي على: 149 مادة: 70 منها تتعلق بالطفولة الجانحة وأحكامها الجزائية وإجراءاتها المتعلقة بمؤسسات إعادة التربية والتهذيب، 12 مادة متعلقة بالأحكام الجزائية، 10 مواد بالأحكام العامة، 18 مادة بإجراءات وتدابير قاضي الأحداث....)، ونسبة جنوح الأحداث لا تتجاوز: 02%  من مجموع: 13 مليون طفل تحت سن: 18 سنة، وبالتالي فإنه لا يمكن تعميم هذه القانون بهذا الشكل.
_ وفي الأخير ننبّه إلى خطورة الاستهتار الذي تمّ في عملية التصويت عليه يوم الاثنين: 25 ماي الماضي، حيث لم يبلغ النّصاب القانوني، إذ يُشترط فيه: 232 من أصل: 462 نائب، ولم يحضر إلا: 203 فقط، وهو ما يطعن في شرعية جلسة التصويت وشرعية ما ترتّب عنها.
إنها مهزلة بكلّ المقاييس، إذ كيف تُشرّع القوانين بطريقة غير قانونية في مؤسسةٍ يُفترض فيها أنها أول من يحترم قوانين الجمهورية، وهذا يدلّ على حالة ترهّل هذه السلطة وتحلّل مؤسسات الدولة في ظلّ حكمها ..
ولذلك ندعو زملاءنا في مجلس الأمة إلى الانتباه إلى خطورة هذا القانون وخطورة الطريقة التي تمّ التصويت بها عليه، كما ندعو المجلس الدستوري إلى الطعن في دستوريته، ونحمّل رئيس الجمهورية مسؤولية هذا العبث الذي تمارسه الأغلبية المفبركة بقوانين الجمهورية ومؤسسات الدولة.

كما ندعو الشعب الجزائري إلى اليقظة والوقوف في وجه هذه المشاريع التي تستهدف هويته وانتهاك خصوصيته، وتُمرّر في ظلّ هذا الفراغ السياسي والمؤسساتي بسبب مرض الرئيس وعجزه عن أداء مهامه الدستورية.

بقلم النائب ناصر حمدادوش


طالع أيضا