خاطرة رمضانية (2): سانحة التراويح
خاطرة رمضانية (2): سانحة التراويح

خاطرة رمضانية (2): سانحة التراويح
من أسرار حلاوة شهر رمضان صلاة التراويح فهي من أكثر ما يضفي على الشهر الحيوية والبهجة والسرور، سواء في مظهرها الجماعي العام أم في الحالة الشعورية الفردية للمصلين. لا شك أن جوهر صلاة التراويح هو مطلب قيام الليل في شهر رمضان وفقا لقول رسول الله صلى الله عيه وسلم المتفق عليه: ((من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه))، ثم حولها عمر بن الخطاب رضي الله عنه مظهرا جماعيا بديعا في حياة الصائمين، وقد ترسخت هذه العبادة الجماعية بطريقة متدرجة حفظت لها مكانة خاصة من حيث تأصيل مشروعيتها، فهي صلاة ابتدأها رسول الله في رمضان فصلى بصلاته الناس فسنّها، ثم صلى من القابلة وكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة، أو الرابعة فلم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أصبح قال: (( قد رأيت الذي صنعتم فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم))، وبعد وفاة رسول الله وانتفاء خوفِ فرضِها على الناس بانقطاع الوحي جمع عمر بن الخطاب عليها الناس حين آلت إليه الخلافة بعد أن كانوا يصلونها أوزاعا في المسجد. لقد كان في هذا الاجتهاد من عمر رضي الله عنه خير كبير  للمسلمين، فتصوروا كم هو عدد المسلمين الذين يفوتهم فضل قيام الليل في رمضان لو لا التراويح. كثير ممن يؤم المساجد لأداء هذه الصلاة لا يحسن قراءة القرآن للقيام بمفرده أو لا يملك الإرادة ولا تتوفر له العادة، وكم هو عدد المسلمين الذين تحلو صلاة النافلة ليلا في قلوبهم في التراويح فيشتاقون لها في رحالهم فلربما تصبح لهم عادة تسمو بها أرواحهم وتهنأ بها نفوسهم وتتغير حياتهم. كم هو عدد المسلمين الذين لا يختمون القرآن أو لا يسمعونه بغزارة  إلا وهم في الصف مع المؤمنين في التراويح، فتكون لهم سانحة للحياة مع القرآن ولو في السنة مرة، وكم هو عدد المؤمنين ممن يحفظ القرآن، أو له في مخالطته عادة فيجد في وقوفه له بادرة للمراجعة أو للتأمل والتدبر، سيما إن كانت القراءة مجزية من مقرئ ندي الصوت ماهر بالتلاوة، كم هي التفاسير التي يدركها المؤمنون بالاستماع لكتاب الله وهم في سكينة وخشوع وراء الإمام، إذ كل منهم يظهر له من معاني الذكر الحكيم ما يتناسب مع ظروفه وأحواله وهواجسه ومخاوفه وأشواقه وهمومه وأفراحه وأحزانه. كم هي غالية تلك السانحات، ولو كانت متقطعة، التي يذهب فيها الإنسان بعيدا مع الإمام حتى إذا ما أفاق ظن أنه كان في عالم آخر غير الأرض. ثم كم هي حلوة تلك اللحظات التي يقف فيها المؤمن مع الناس من كل الأصناف والأعراق والأشكال والألوان، كلهم في أمن وأمان لا يخشى أحد الآخر، فقيرهم وغنيهم، وسيدهم ومسودهم، صغيرهم وكبيرهم، في التحام إنساني بديع أحوج ما تكون البشرية إليه في هذا الزمان. وكم هي جميلة رحيمة صورة الأيادي الممتدة إلى الجيوب بعد انقضاء الصلاة تخرج دنانير، كثيرة أم قليلة، تسلمها لمحتاجين متسولين، الله أعلم بحالهم. وكم هو هنيء ذلك الشعور بالراحة أثناء العودة للبيت بعد الصلاة وكأنك كنت في دورة روحية على غير ميعاد اتصلت فيها بالله الديان، ولربما استمعت لموعظة قبل الصلاة أيقظتك من غفلة ونسيان، وكأنك كنت في دورة رياضية عجّلت بحرق السعرات الحرارية على المائدة الرمضانية فصرت خفيفا بلا توتر ولا اكتئاب، تنظر للناس من حولك وهم يخرجون من المسجد في رضا وحبور فتزداد بهم بهجة وسرورا.... 


طالع أيضا