نظام الحكم وتطور سمات الشخصية الجزائرية؟ (2/2)
نظام الحكم وتطور سمات الشخصية الجزائرية؟ (2/2)

مقال المقام|

نظام الحكم وتطور سمات الشخصية الجزائرية؟ 2/2

يمكننا أن نسلم بأن النظام السياسي الجزائري استطاع أن يحدث تغييرات سلبية ما في طبائع الشعب الجزائري كما يبينه الاستطلاع الذي نحن بصدده، غير أنه ليست المرة الأولى التي تتغير فيها ملامح الشخصية الجزائري بسبب تغير طبيعة النظام السياسي الذي يحكمه. لقد عرف التاريخ الجزائري تحولات كبيرة في توجهات الشعب الجزائري وثقافته ومعتقداته بسبب تغير أوضاع السياسة وطبائع الحكم. لقد استطاع ماسينيسا (202 – 148 ق م) في زمن الأمازيغ القدماء أن يجعل الجزائريين حلفاء لروما ضد حنبعل الفينيقي "التونسي"، وفي عهود يوغرطة (160 – 10 ق م) ويوبا الأول ( 46 – 60  ق م) تحول الجزائريون إلى محاربين أشداء ضد الاستعمار الروماني. وحين وصل الإسلام الجزائر كانت الشخصية الجزائرية التي قاومته بقيادة كسيلة ( ت 686) ثم الكاهنة ( 585 – 712 م ) في بداية الأمر ليست هي الشخصية الجزائرية التي اقتنعت به ونشرته في افريقيا وأوربا منذ أبناء الكاهنة ذاتها إلى عهد طارق بن زياد (ت 720) وغيرهم. كما أن الشخصية الجزائرية تحت إمرة الأمويين والعباسيين ليست الشخصية الجزائرية في زمن الدول الإسلامية ما قبل الموحدين(من الرستميين إلى الأدارسة والأغالبة والزيريين والفاطميين والحماديين و المرابطين)، وبنفس المنطق لم يكن الجزائريون في زمن الموحدين كما أصبحوا بعد الموحدين في زمن الحفصيين والزيانيين كما يحرص مالك بن نبي على توضيحه.
يشهد التاريخ الجزائري بأن تطورات أساسية في البيئة الخارجية غيرت الشعب الجزائري تغييرا جذريا، فحينما حكم الرستميون مثلا انتشر في الجزائر المذهب الإباضي، وحينما حكم العبيديون والفاطميون انشر المذهب الشيعي انتشارا واسعا، ولا تزال بعض العبارات والأمثلة التي يستعملها الجزائريون في حديثهم دون وعي تعود أصولها إلى التطرف الشيعي ضد الصحابة كعبارة " عيْشة راجل" ويقصد بها السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أو عبارة "البُوبْكر" التي تُطلق على حشرة ضارة ويقصد بها أبو بكر الصديق رضي الله عنه وغير ذلك من العبارات. ثم لم ينته عهد الشيعة ولم تعد الجزائر إلى أهل السنة والجماعة إلا بتغير سياسي كبير على يد المعز بن باديس (1008 -1062) رحمه الله الذي غيّر ولاءه من الدولة الفاطمية إلى الدولة العباسية تحت تأثير شيخه العلامة المالكي أبو الحسن الزجّال. وقد كان لهذا التحول السياسي أثر كبير في تطور التركيبة العرقية في الجزائر حيث عمل الفاطميون بمصر على توجيه القبائل العربية الهلالية الضخمة العدد إلى المغرب الأوسط انتقاما من المعز بن باديس ومن أجل التخلص من تلك القبائل وإخراجها من مصر أثناء رحلتها التاريخية من الجزيرة العربية في اتجاه الغرب. وقد كانت نتيجة ذلك تسريع عملية التعريب الشامل للسكان بعد أن كانت كل الدول الإسلامية التي حكمت المغرب من قبل أمازيغية اللسان.  كما أن انتشار منظومة القبلية والعروشية التي لا تزال آثارها إلى الآن يعود سببها للحكم التركي الذي استفرد فيه الأتراك بالسلطة السياسية بعد الزيانيين منذ أن أنقذوا البلد من خطر الاحتلال الأوربي المبكر خصوصا عل يد الإسبان، مما جعل الجزائريين يعتمدون على منظوماتهم التقليدية القبلية في تسيير شؤونهم إلى درجة أنهم لم ينتبهوا للاحتلال الفرنسي إلا حينما وطأت أقدامه سواحل سيدي فرج، ولم يتحملوا مسؤولية الدفاع عن بلدهم ومقاومة الاحتلال إلا بعد هزيمة الداي وتسليمه مفاتيح البلد للفرنسيين، ولم تكن تلك المقاومة وطنية شاملة بل كانت مقاومة شعبية مشتتة ضمن منظومة قبلية عروشية. وحينما بسط الاحتلال نفوذه استطاع أن يصيب الشخصية الجزائرية في مقالتها حيث أصبحت في عمومها شخصية انهزامية مستسلمة منكفئة على ذاتها تعيش في الجهل والشعوذة. ولو لا الحركة الوطنية وجهود الإصلاح الديني والثقافي الذي قامت به جمعية العلماء المسلمين الجزائريين لكانت الجزائر اليوم مثل دول غرب افريقيا تنازع فيها المسيحيةُ الإسلامَ ولا يتفاهم السكان الذين يتحدثون بلهجات مختلفة إلا بواسطة اللغة الفرنسية. 
لقد بلغ اغتراب الجزائريين في زمن الاحتلال حدا كبيرا جعلهم يصدمون في فترة التجنيد الإجباري في الحرب العالمية الأولى إذ وجدوا بأن المجندين من جنسيات أخرى يُعرِّف بعضهم بعضا بأوطانهم ( كإسبان أو فرنسيين أو بلجيكأو أنجليز..) وهم يعرفون أنفسهم بعروشهم وقبائلهم وأعراقهم (كقبايل وشاوية ودرارجة ونوايل وشعانبة وغير ذلك). ومن ثمة كان للحركة الوطنية التي واجهت هذا الانهيار الكينوني دور كبير في تشكيل الشخصية الوطنية الجزائرية الجامعة، ثم جاءت الثورة التحريرية فعمقت الانتماء الوطني وصقلته صقلا قويا رغم المقاومة العرقية والجهوية التلقائية التي أدت في بعض الأحيان إلى فتن في صفوف المجاهدين، وكان لجيش التحرير الوطني ثم الجيش الوطني الشعبي الدور الأساسي في بناء الشخصية الوطنية الجزائرية الموحدة المعتزة بانتمائها وهويتها وتاريخها ونضالها وتضحياتها، وخرجت فرنسا والشعب الجزائري على درجة عالية من قيم التضحية والإيجابية والتفاؤل والوحدة والإخاء والتضامن.
كان من المفروض أن يحافظ من تولوا مقاليد الحكم على هذا المكسب العزيز وأن ينموه وأن يصنعوا به وطنا متطورا مزدهرا ضمن انتمائه وهويته كما حدث في اليابان والصين والفيتنام وكوريا الجنوبية واندنوسيا وماليزيا. غير أن حكام ما بعد الاستقلال اهتموا بالتحكم في البلد والسيطرة على الحكم والقضاء على المنافسة السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي كان من الممكن أن تصنع الإبداع والتطور. ففُرضت الاشتراكية التي قضت على روح المبادرة والاعتماد على العمل في تحقيق النجاح وبذل الجهد من أجل التطور الفردي والجماعي، وأُضيف إلى هذا الأثر تأثيرات أنماط التسيير الفرنسي المشهور بثقله وبيروقراطيته السلبية التي جعلت فرنسا ذاتها تتخلف عن اللحاق بالتطور الذي عرفته الدول الأنجلوسكسونية و الدول الآسيوية، وإلى هاذين التوجهين أُضيفت صراعات الهوية التي فرضها في الجزائر طابور التغريب التابع للثقافة الاستعمارية، أو ما يعرف بحزب فرنسا، الذي مهّد له الظهرَهواري بومدين ظنّا منه بأنه سيستغله في تسيير شؤون الدولة دون أن يكون له نفوذ فمات بومدين وبقي حزب فرنسا ونما وتطور ثم أصبح هو الحاكم الفعلي في الجزائر. وإضافة إلى هذه التأثيرات القديمة تشابكت مدخلات عديدة ومعقدة جديدة أثّرت في تطور سمات الشخصية الجزائرية، منهامرحلة الإرهاب المُستَخدم، ثم مرحلة الفساد المُعمّم، ثم حقبة شراء السلم الاجتماعي المخطّط ونشر أخلاق الانتهازية المدبرة، حتى دخلنا في المرحلة الراهنة التي انتجت فيها سياسات نظام الحكم كما بيّنا في المقال السابق،شعبا لا يؤمن في عمومه لا بالسلطة ولا بالأحزاب بسبب فساد العملية السياسية، فقرّرأن يكون التفاوض بينه وبين السلطة مباشرا، إن أُعطي رضي وإن مُنع سخط، وحينما يسخط يتحاور مع النظام السياسي بقطع الطريق وحرق العجلات.
إن هذه السمة الانتهازية المنتشرة في قطاع واسع من الشعب الجزائري التي أنتجتها سياسات نظامنا السياسي هي التي ستكون خطرا حقيقيا على استقرار البلد حينما يحل الخطر الذيأكده عالم جزائري آخر متخصص في علم الاقتصاد وعلوم التسيير د.عبد الحق لعميري في كتابه عشرية الفرصة الأخيرة، والذي ظللنا نحذر منه منذ سنتين والذي أقر به السيد رئيس الوزراء مؤخرا بعد أن كان ينكره. إن أي تغيير سياسي واجتماعي لا يهتم بدور سياسات النظام السياسي في تشكيل شخصية المواطن ولا يعمل على إطلاق عملية إصلاحية دينية دعوية ثقافية ومدنية في اتجاه أعماق المجتمع لن يكون مجديا، كما أن عدم المعرفة العميقة للتطور الذي وقع في سمات الشخصية الجزائرية في هذه الفترة الأخيرة وعدم التحوط للسيناريوهات المخيفة المقبلة الناتجة عن ذلك سيجعل الفعل السياسي ومحاولات الإصلاح الدعوي الاجتماعي بلا هدف ولا بصيرة.

رابط الجزء 1 من المقال