خاطرة رمضانية 3 ـ فضل الجوع
خاطرة رمضانية 3 ـ  فضل الجوع

يقول الله تعالى: ((إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى))العلق 7-6، حين يشعر الإنسان بالاكتفاء بنفسه وبالاستغناء عن غيره يزهو ويصيبه الغرور وقد يتمادى فيبطر ويطغى، وشيء بسيط من هذا يتعلق بالشبع، إذا ملأ المرء بطنه، أحس بفرح يغمره، وقد يشعر بعضهم عند الشبع بالحاجة لما يجعله أكثر انتشاء كشرب الشاي والقهوة، وقد يميل بعضهم للغناء والتمايل طربا في حالة الشبع والانتشاء. فمن كان هذا هو حاله دائما قسا قلبه ونسي ربه، وتبلد شعوره وفسد طبعه، وكثير ما يتبع ذلك الزهو كآبة، وشعور بالفراغ وضياع المعالم. ولذلك حينما سأل جبريل المصطفى في ما رُوي عنه عليه الصلاة والسلام: هل تحب ان تكون نبيا ملكا أم نبيا عبدا؟ قال: بل نبيا عبدا، أجوع يوما فأذكره، وأشبع يوما فأشكره.

وكلما تمادى الإنسان في الشبع ضاع من صحته الكثير وقد تكون البطنة وما ينتج عنها من سمنة هي حتفه.

إن الإسلام جاء رحمة للناس، يقول الله تعالى: ((وما أرسلناك إلا رحمة للعاملين))الأنبياء 107، ورحمة الله بالناس تشمل نجاته من عذاب الآخرة، ومن عذابات الدنيا المتنوعة التي لا حد لها ولا حصر مهما غني الإنسان أم فقر، ومهما بلغ من الجاه أم فقد. ومن أعظم رحمات الله بنا أن فرض علينا صيام شهر من السنة وندب لنا أن نصوم ما نستطيع بعده. وللصيام فوائد للجسد والروح لا تخفى، فلا أحد من علماء الطب يجهل فضل الصيام على الصحة، ولا أحد من المهتمين بشأن الصحة العامة يجهل بأن الداء الأعظم لهذا العصر هو انتفاخ البطون ومختلف أنواع السِّمن، وما يتعلق بها من أمراض عديدة لا شفاء لها سوى الجوع. عن عمران بن حصين رضي الله عنهما قال قال النبي صلى الله عليه وسلم : خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، قال عمران: فما أدري قال النبي صلى الله عليه وسلم  مرتين او ثلاثا: (( ثم يكون بعدكم قوم يشهدون ولا يُستشهدون، ويخونون ولا يُؤتمنون، ويُنذِرون ولا يفون، ويظهر فيهم السِّمن)) متفق عليه، وجاء في حديث آخر عن أبي كريمة المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطنه، بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه)) رواه الترمذي وهو حديث حسن.

لقد بين الطب الحديث بأن الصيام يُعد من أحسن أنواع العلاج المانع أو الشافي للكثير من الأمراض المستعصية، فقد ثبت علميا بأن تكرار فترات الجوع الطويل لمدة شهر في السنة وزيادة قليلة يساعد على وظائف مهمة للجسم كوظيفة الإطراح والإفراغ وتخليص الجسم من السموم المتراكمة، وضبط الثوابت الحيوية في الدم وتحليل المواد الزائدة والترسبات الضارة داخل الأنسجة المريضة، وتحسين وظيفة الهضم وتنقية الأمعاء، وضبط الوظائف الكلوية وتصفية المسالك البولية، ويقلل من نسبة الفضلات والدهون الجائلة في الأوعية الدموية، ويريح عضلات القلب بتراجع كميات الدم التي يضخها، ويضفي سكينة وطمأنينة على الوظائف العقلية تساعد كثيرا في تحقيق الصحة النفسية. 

إن هذا التنظيف السنوي فرصة كبيرة بحق لتصحيح توازن الجسم لمن صام إيمانا واحتسابا، ولكنها فرصة عظيمة ضائعة لمن حرّف الشهر عن مقصده فراح يسرف في الأكل والزهو وتناول المواد السامة بعد الإفطار، وهو لعمري شقاء وحرمان، وردٌّ وقِح ليد الرحمة التي بسطها الله لعباده في هذا الشهر الجليل.

غير أن الغرض الأساسي للصيام ليس هو الصحة البدنية فحسب، بل إن مقصده فوق هذا وأسمى منه، لقد بين الله تعالى بأن الهدف من الصيام هو حصول التقوى والعودة إلى الله والسمو الروحي والصفاء النفسي وفقا لقوله تعالى: (( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون))البقرة 183، ومن أجَلّ ما يحقق التقوى في نفس الصائم المؤمن المحتسب، حالة الضعف التي يشعر بها وهو جائع عطشان، إذ يكون وهو ممسك عن الأكل والشرب في حالة من الافتقار والشعور بالحاجة، ما يجعله منكسرا هادئ المزاج غير محب للضوضاء ولا راغب في الجدال ولا مهتم بشؤون الغير كثيرا إلا ما يرى فيه فائدة مؤكدة لدينه أو دنياه، ميال للعزلة مفضّل للتفكير والتدبر، فيكون أبعد ما يكون عن البطر والفرح والأشر المنشئ للكبر والطغيان، فيساعده ذلك على التمتع والتلذذ بالذكر والعبادة ويجعله أكثر انصرافا للدعاء والتضرع إلى الله تعالى. كما أن حالة الضعف هذه تجعل المؤمن أكثر تذكرا لنار جهنم وعذابها وجوعها وعطشها وما فيها من حرمان ومنع لملذات الأكل المستطاب المستطرف، والماء السائغ الزلال. وتجعله هذه الحالة أكثر شعورا بالمحتاجين والفقراء والمساكين فهو يشاركهم فرصة الجوع، وهو مثلهم عاجز عن شفاء غليل النفس الراغبة، فينتبه بأن حالته المؤقتة هذه، هي حالة دائمة لهؤلاء، فيشفق عليهم وتميل نفسه للتصدق لمساعدتهم ورعايتهم، ومن الفوائد الروحية للجوع أن المؤمن يشعر بأنه يقدر على التحكم في نواصي الشهوة والاستلاء على النفس، فيكون ذلك تمرينا نافعا مفيدا لما يستقبل من الأيام والشهور، كما أن الجوع مساعد لتخفيف هيجان الرغبات المهلكات سواء ما تعلق منها بذنوب الجوارح أم ذنوب القلوب، فإذا حصل ذلك شعر المؤمن بالحرية واتسعت أمامه هوامش الاختيار في تسيير شؤون حياته بما ينفعه في دنياه وما يجعله أقرب لربه، فيورث ذلك سعادة في قلبه، تساعده على الثبات شهورا بعد رمضان، حتى إذا ما بلي الإيمان أنعم الله عليه بشهر آخر فجدده، أو توفاه المولى قبل ذلك وهو راض مرضي عنه برحمته، وصدق الله العظيم إذ يقول:(( وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون))البقرة 184.

اقرأ أيضا :

- خاطرة رمضانية (1) : رمضان الأوبة

- خاطرة رمضانية (2): سانحة التراويح


طالع أيضا