خطاب رئيس الحركة في لقاء المعارضة
خطاب رئيس الحركة في لقاء المعارضة

خطاب د. عبد الرزاق مقري رئيس حركة مجتمع السلم
في ملتقى المعارضة

الجزائر يوم 06 جوان 2015

السادة رؤساء الأحزاب المحترمون، السادة الشخصيات السياسية الموقرون أعضاء هيأة التشاور والمتابعة للمعارضة، السادة أعضاء الأسرة الإعلامية
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
نلتقي اليوم بعد مرور سنة كاملة ونيف من لقائنا الجامع في ندوة مازفران بزرالدة، فيحق لنا أن نقيم في كلمات ما الذي حققناه إلى اليوم. لقد سبق لي أن صرحت لوسائل الإعلام على هامش أشغال الندوة آنذاك بأن هذه الندوة لن تكون عصا سحرية تقلب الأمور رأسا على عقب في اليوم الموالي للندوة، بل هي خطوة جبارة على طريق التغيير تحدث تحولا تاريخيا في المسار السياسي للبلد تجعله يتجه تدريجيا لأول مرة نحو التغيير المنشود.
ومن أهم معالم هذه الخطوة ما يلي:
ـ لقد استطعنا لأول مرة، كأحزاب وشخصيات سياسية، أن نتعالى فوق اختلافاتنا الأيديولوجية والسياسية لنجتمع من أجل مصلحة بلدنا بالوقوف صفا واحدا ضد سياسيات الفساد والفشل والغش والتزوير وتكبيل الحريات التي يسوقنا بها النظام السياسي القائم نحو حتفنا جميعا كشعب ووطن وأمة.
ـ لقد استطعنا أن نضع لأنفسنا أطرا مؤسساتية حافظنا عليها وطورناها، وجعلنا أداءها يستغرق في الزمن، يتسم بالقدرة على الثبات والاستمرار والحفظ من الاختراق والصبر على الاختلاف والتنوع.
ـ لقد استطعنا أن نتفق على وثيقة سياسية مرجعية هي وثيقة مازفران تمثل بحق رؤية سياسية علمية واضحة كيف يكون الانتقال الديموقراطي المتفاوض عليه سلمناها لرئاسة الجمهورية وأقمنا بها الحجة على الجميع وأبرأنا بها ذمتنا أمام الله وأمام الشعب الجزائري وأمام التاريخ والأجيال المستقبلية.
ـ لقد استطعنا أن ندخل الأمل في قلوب الجزائريين بإمكانية التغيير، وكسرنا جزءا مهما من استراتيجية التيئيس التي تعتمد عليها السلطة الحاكمةلدى قطاع واسع من النخب الجزائرية في مختلف المجالات والمؤسسات.
ـ لقد أرجعنا للنضال السياسي جدواه ورفعنا وتيرة العمل السياسي الحزبي والجماعي في أوساط المناضلين السياسيين في العديد من الأحزاب والمنظمات فنظمنا التجمعات والندوات والعمل الجواري المباشر مع المواطنين في المقاهي والطرقات والأسواق  وأقمناالوقفات في الجزائر العاصمة وفي كل الولايات وقد كانت الوقفات الاحتجاجية ضد استغلال الغاز الصخري محطة مهمة من هذه المحطات.
ـ لقد كان خطابنا طيلة سنة كاملة وقبلها ينصب على توعية الشعب الجزائري بحقيقة الوضع السياسي والاقتصادي فشرحنا له طبيعة السراب الكاذب الذي يخادع به النظام السياسي الناس، وحذرناه من المخاطر الجسيمة التي تنتظر البلد كله جراء سياسات الفساد وسوء الحكم والتدبير، فأخذ الوعي والإدراك ينتشر في صفوف الجزائريين، فرأينا ذلك بأنفسنا ولمسناه مباشرة من المواطنين في كل مكان نتجه إليه في بلدنا الواسع الشاسع، وقد زاد في مصداقية خطابنا النتائج المخيبة المتوصل إليها من قبل حكام هذا الوطن على كل الأصعدة، هذه النتائج التي لم تصبح خافية على أحد ولم يصبح بمقدور هؤلاء الحكام إخفاءها بعد ان أنكروها من قبل وجحدوها، كما هو الحال مع رئيس الوزراء الذي اعترف مؤخرا بحجم المخاطر التي تنتظرنا في أمد غير بعيد.
ـ لقد استطعنا أن نظهر النظام السياسي على حقيقته لقطاع واسع من الرأي العام، لقد كشفنا صورته كما هي دون تدليس ولا تزويق ولا وهم، وقد شعر بذلك في نفسه فدخلت الريبة والشك في صفوفه، فظهرت في صفوفه، وصفوف حلفائه في الداخل والخارج، معالم الاضطراب والإرباك التي ترجمها بمزيد من الصد والتضييق ومحاولات يائسة للتحريش ولضرب استقرار الأحزاب المعارضة وتشتيتها.
أيها السادة والسيدات،
لقد حققنا نتائج مقبولة في سنة واحدة، ووصلنا إلى مستوى لا بأس بهمن الإنجاز بالنسبة لما هو مقدور عليه ولما هو متاح ضمن ظروف سياسية تتسم بالغلق ومنع الحريات والتضييق على النشاط، وضمن أوضاع أمنية صعبة محيطة بالبلد، ووسط اختلال كبير لموازين القوة مع نظام سياسي متصلب متسلح بكل إمكانيات ومؤسسات الدولة، يعتمد على المكر والدهاء واستعمال سياسات ربح الوقت والفرار إلى الأمام والتحالفات المشبوهة داخليا وخارجياوالاستعداد للمغامرة وتعريض البلد لكل المخاطر من أجل البقاء في الحكم. غير أن مستوى إنجازاتنا لا يمكن أن يرضي المواطنين الجزائريين المتطلعين إلى التغيير السريع الجذري، ولا بد لنا أن نعترف بأن حالة من الخيبة أصابت كثيرا ممن ابتهج باجتماعنا وهلل لنضالنا المشترك، ممن توقع منا قدرة فائقة على قلب الموازين.
لهذا السبب يجب علينا اليوم أن نقيم المرحلة بكل أبعادها، وأن نحدد للرأي العام رؤيتنا السياسية على مستوى الأداء والعمل من أجل التغيير بعدما حددناها له نظريافي وثيقة مازفران رؤيتناوبينا له شروط الانتقال الديمقراطي الذي نريده ونمطًه. إنه لا بد علينا ان نصارح الشعب الجزائري دون مواربة وأن نبين له الذي علينا لكي يعرف الذي عليه.
لا بد أن نخاطب الشعب الجزائري بكل وضوح وصرامة وأن نبالغ في تكرار الخطاب دون انقطاع ولا توقف بأن الطرف الأساسي في التغيير بعد الله هو الشعب دون غيره، هو القوة الجبارة الوحيدة التي تقدر على ذلك، وإنما دور المعارضة هو العمل والمثابرة والتضحية بالوقت والمال بل حتى بالنفس من أجل قول الحقيقة للناس وتوعيتهم وتبصرتهم وتجنيدهم بكل الوسائل السياسية السلمية المتاحة. 
أيها السادة، أيتها السيدات،
إن الدولة التي نحلم بها هي الدولة التي جاهد من أجلها المجاهدون في الثورة التحريرية النوفمبرية واستشهد من أجلها الشهداء ضمن وثيقة تاريخية جامعة هي وثيقة بيان أول نوفمبر التي ثمنها مؤتمر الصومام وبقيت مرجع جميع الجزائريين إلى اليوم.
إن رؤيتنا للدولة التي نريدها هي دولة الحقوق والحريات، هي دولة سيادة الشعب وإرادتِه في اختيار ممثليه وحاكميه، هي دولة العدل والقانون، هي دولة التنافس الحر والنزيه في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية والثقافية والفنية. هي دولة كل الجزائريين وليست دولة العصب الأيديولوجية والمالية والجهوية.
إن السبيل للوصول لهذه الدولة يمر حتما بانتقال ديمقراطي كالذي وصفناه في وثيقة مازفران، عبر لجنة مستقلة لتنظيم الانتخابات ودستور توافق ومسار انتخابي في ظل حكومة توافقية، يسير ذلك كله روح توافقية تشاركية مهما كانت نتيجة الانتخابات بغرض تصليب الديموقراطية وتحقيق الإقلاع الاقتصادي.
إن الظروف التي تنتظر الانتقال الديموقراطي ستكون صعبة جدا بسبب السياسات الحالية والسابقة الرعناء للنظام السياسي الحاكم، خصوصا على المستوى الاقتصادي والاجتماعي مما يجعل الاستفراد بالحكم أمرا مستحيلا لأية قوة سياسية مهما كان حظورها وطموحها، مما يتطلب روحا تشاركية تضامنية على مستوى الدولة والطبقة السياسية والمجتمع كله آنذاك، ضمن أجواء موفورة من الحرية تجعل المواطنة هي ضمان الوطنية وأساس استقرار الوطن ومعين الفعل الإيجابي لصالح المجموعة الوطنية كلها.
أيها السادة، أيتها السيدات،
لقد فرض علينا المرض الطويل للرئيس وحالة الغموض في أمر تسيير الدولة وحالة التفكك والترهل لمؤسساتها، وضعف الأداء وتنامي المصاعب الاقتصادية والاجتماعية، واستمرار الأزمات في أماكن غالية من بلادنا منها أحداث غرداية وتظاهرات سكان الجنوب، وكذا تشوه الصورة دوليا وتضاعف المخاطر في المحيط الإقليمي أن نطالب على مستوى هيئة التشاور والمتابعة بانتخابات الرئاسية مسبقة في إطار اللجنة المستقلة لتنظيم الانتخابات، وبدل أن يتجاوب النظام السياسي مع هذا المطلب العاقل الذي يرفع عنه الحرج ويساعده على وقف الانحدار الذي يتورط فيه يوما بعد يوم ويوفر له فرصة للتعاون مع الجميع لمصلحة البلد راح يجري تغييرات حكوميةَ وإدارية وحزبية لا تخص إلا حساباته السلطوية والفئوية والمصلحية يعتقد مخطئا بأنه يستطيع بها أن يتجاوز المصاعب المرتقبة التي صار يعترف بها ذاته، فأعطانا بتصرفاته هذه رسالة قوية بأنه لا يزال يرفض اليد الممدودة له من المعارضة لتحقيق انتقال سياسي سلس لا يكون ضد أحد ويكون لصالح الجميع.
أيتها السيدات، أيها السادة،
إن هذا التعنت من النظام السياسي الحاكم، وهذه الإجراءات الأخيرة، تؤشر بأننا نوشك أن ندخل مرحلة جديدة سيعمل فيها النظام السياسي المتغلب على تمرير مخططاته بكل الوسائل، وقد تعرف الساحة السياسية سلسلة من الاضطرابات والتوترات في مختلف المستويات، وقد نواجه مزيدا من التضييق والكيد والمكر السيء، لذلك علينا أن نحزم أمرنا وأن نحسب خطواتنا، وأن نبين أهدافنا لكل مرحلة وكل ظرف حتى يحيط بها المواطنون ويفهمونها، حتى نكسب مزيدا من الحلفاء في مختلف الدوائر والفضاءات، وعلى مستوى مختلف الشرائح والمجالات، ولكي لا نسمح للنظام السياسي وبعض السياسيين الذين لا يتفقون معنا أن يصفوننا بغير وصفنا وأن يغلطوا الرأي بخصوصنا افتراء وبهتانا. ولا بد أن نحدد وسائلنا وأدواتنا لتحقيق أهدافنا فنتفق عليها ابتداء حتى يتم التبني التام لها من قبل الشعب الجزائري وقبل ذلك على مستوى احزابنا ومنظماتنا وشركائنا في الساحة السياسية والاجتماعية.
دعوني أيها السادة والسيدات أتجه في كلمتي للتذكير وتدقيق وتفصيل وتنظيم الأهداف العامة التي اتفقنا عليها في ندوة مزفران ثم أسرد أمامكم وأمام الرأي العام مختلف الوسائل التي يمكن أن نستعملها في نضالنا السياسي من أجل تحقيق أهدافنا ثم أبين العوائق التي تنتظرنا.
أما عن الأهداف فمنها ما يتعلق بالوضع الراهن على المدى القريب، ومنها ما يجب ان نعمل على تحقيقه في المدى المتوسط، ومنها ما يتعلق بأسوء الأحوال ما بعد المدى المتوسط.
ـ أما نضالنا العاجل المبدئي الذي لا يتحمل الانتظار فهو الكفاح من أجل توسيع مجال الحريات وعدم الخضوع للتضييق والمساومات، ذلك أن التوقف عن المطالبة بحق الحرية قاتل لنا وللمجتمع كله. إن الخضوع لسياسة الأمر الواقع هو تسليم الوطن لشبكات الفساد وتوفير ظروف هانئة لسياسة الفشل حتى تقضي على الأمل. إن الطريق لكل تغيير إنما هو الحرية، وإن شرط كل إصلاح هو القدرة على قول لا لما هو فاسد أو خاطئ، هو القدرة على إنهاء الهيمنة والاستبداد، هو القدرة على توعية المواطنين وقول الحقيقة لهم وتنبيههم لما ينتظرهم من مخاطر ومزالق. إنه لا أمل في تحقيق الاستقرار والازدهار ما لم يملك الشعب الجزائري حريته في التعبير والتنظيم وتأسيس الأحزاب والجمعيات واستعمال وسائل الاتصال والإعلام والتنافس الحر في كل المجالات واكتشاف ذاته وتحقيق إنجازاته دون تضييق ولا ظلم ولا ضيم. إن الكفاح من أجل الحرية هي أقدس كفاح في بلادنا إلى أن تتحقق، بل به تنزل الرحمة في الأرض ويزول عنها الفساد، ونحن في كل الأحوال نعتبرها في حركة مجتمع السلم مقصدا أساسيا من مقاصدنا وفضلا عظيما من أفضال الله على الناس، يدل عليه قول الله تعال: (( ولو دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض، ولكن الله ذو فضل على العالمين))، كما أن كفاحنا ضد الظلم والتضييق ومن أجل تحقيق البر ونشر الخير هو عمل مبدئي لا يرتبط بالضرورة بغيره من الأهداف إذ يدخل بالنسبة لنا ضمن دائرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي أمرنا الله به والذي يتحقق به الفلاحوفق قوله تعالى: (( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون))، بل إن فضل التضحية في هذا الكفاح السلمي تفوق أعلى أنواع الأفضال، حتى إذا ما وصلت هذه التضحية السلمية التي لا تستعمل سوى الكلمة إلى مستوى التضحية بالنفس كانت درجتها في أعلى درجات الشهادة وفق قول رسول الله صلى الله عليه سلم في الحديث الصحيح: (( سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه، فقتله)). قام له بالكلمة دون غيرها من الوسائل فقتله فكان فضله كفضل حمزة بن عبد المطلب الذي قتل في معركة مسلحة في غزوة بدر.
ـ أما هدفنا المقصود على المدى المتوسط فهو أن يصل كفاحنا اليومي في توعية الجماهير وحملهم على تنظيم أنفسهم للنضال السلمي من أجل حقوقهم وضد الفساد والفشل، وفي الضغط على النظام السياسي بكل الوسائل إلى اقناع هذا الأخير بأهمية وضرورة الانتقال الديموقراطي المتفاوض عليه وفق ما نصت عليه وثيقة مازافران ووفق ما تحدده كل المراجع العلمية والتجارب البشرية الناجحة في هذا الصدد. ورغم علمنا بأن اقتناع حكامنا بهذا السبيل ليس ميسورا فإننا نطمع في أن تحملهم الأزمة المقبلة والتي بدأتترمي بكلكلها فوق صدور الجزائريين على قبول التوافق مع المعارضة على التغيير السلس الذي أؤكد مرة أخرة بأنه يراد له أن يكون لصالح كل الجزائريين وليس ضد أي طرف منهم. فإن فعلت السلطة الحاكمة ذلك فإنها ستجد أمامها معارضة عاقلة راشدة متجردة موحدة تملك رؤية رصينة ورصيدا وطنيا عاليا وخبرة كبيرة وتجربة عميقة قادرة على المساهمة في ضمان مستقبل أفضل للجزائر والجزائريين والجزائريات.
ـ أما ما هو محتمل على المدى البعيد وما نعد له جماعيا فإنه يقوم على أساس عدم ثقتنا باستعداد النظام السياسي الحاكم للانتقال الديموقراطي وفق ما ذكرناه أعلاه، بما يجعلنا نتوقع بأن هذا النظام سيجر البلد إلى انهيارات اقتصادية واجتماعية شديدة قد تكرر سيناريو 1986 فأحداث أكتوبر 1988. إن دراستنا لنتائج أحداث أكتوبر وما نجم عنها من محاولة غير موفقة للانتقال الديمقراطي في بداية التسعينيات، وتتبعنا لأحداث الربيع العربي وما تبعه من مآسي دموية في بعض البلدان يلقي علينا مسؤولية ثقيلة للاستعداد لحفظ بلدنا من ويلات الاضطرابات المتوقعة والحرص على عدم تكرار التجارب الفاشلة. إن الأزمة المتوقعة ستبدأ تشتد بين سنتين إلى خمس سنوات حين يصبح النظام السياسي غيرَ قادر على التحكم في التوازناتالاقتصادية الكبرى وهو أمر شديد التوقع وفق إجماع الخبراء الاقتصاديين وتقارير المنظمات الاقتصادية والمالية الدولية، وكل الإجراءات الترقيعية التي ينصرف إليها النظام السياسي الحاكم بعد عقد ونصف من الفساد والتبذير وسوء التسيير لن تنفع في إصلاح ما تم إفساده، وعند الوصول إلى هذه المرحلة لن تكون المشكلة بين السلطة الحاكمة والأحزاب ولكنها ستكون بين السلطة والشعب. فلن يكون ميسورا على النظام السياسي أن يتحكم في شعب دربه على الاتكال والانتظار وسيغادره جل زبائنه ومجمل شبكات الانتهازية إذ لن يكون ثمة ما يقبضونه من نظامهم الراشي، كما لن تنفع وسائل القمع والقهر التي سيلجأ إليه النظام بل ستزيد الوضع سوءا وخطورة.
إن توقعات خروج الشعب للشارع واردةٌ جدا، ومهما كانت نسبة توقعها، ومهما اختلف الناس حولها يجب الاستعداد لها، إذ أن القيادة هي الاستشراف والتوقع والاستعداد لأسوء الحالات. إن خروج الشعب للشارع سيكون تلقائيا، تربيه أخطاء النظام وإخفاقاته، وتغذيه سياسات القمع والتضييق المتوقعة، وستفجره في أية لحظة أية حادثة من الحوادث الصغيرة والكبيرة التي لا ينتظرها أحد ما ولا تتحكم بها جهة ما. والذي يهمنا كمعارضة لن تكون لها أية مسؤولية في هذه الأحداث المتوقعة، هو أن تستعد لها بالعمل الدؤوب من الآن وبالاقتراب الدائم من الجزائريين وتبني مطالبهم وأشواقهم وطموحاتهم وبتوعيتهم وقول الحقيقة لهم حتى تكسب المصداقية عندهم فتستحق قيادتهم في ساعة العسرة، إذ يجدها الشعب جاهزة لقيادته حينما يحتاج إليها.
إن خروج الناس للمطالبة بحقوقهم وتحسين أوضاعهم قد يكون مدمرا إن لم تكن ثمة قيادة وطنية واعية وموحدة وفاعلة، وهو ما ما وقع في الحالة السورية والليبية على سبيل المثال، وقد يكون فرصة تاريخية للتغيبر والانتقال الديموقراطي السلس إن توفر له من القادة من يحسن إدارة الأزمات وتحقيق التوافقات كما هو شأن الحالة التونسية. وعلى هذا الأساس إن ما نقوم به اليوم كمعارضة هو خدمة جليلة لبلدنا إذ شرعنا من الآن على التدرب على العمل التوافقي وعلى الصبر على اختلافاتنا وتنوعنا بما يجعلنا أكثر فاعلية وأحسن أداء وأسرع إنجازا لصالح بلدنا لا سيما أن هوامش النظام السياسي وفق هذا السيناريو ستكون محدودة وإرادتَه مغلوبة وقد يخرج منه حينما تنكسر قبضتُه من يكون أكثر وطنية وأكثر تعقلا فيساعد بصدق على تحقيق الانتقال الديموقراطي بأقل التكاليف الممكنة. لا شك أن الانتقال الديموقراطي في هذه الحالة سيكون أكثر عسرا من الانتقال الذي نريده على المدى المتوسط والمسؤولية التاريخية سيتحملها النظام السياسي وحده عندئذ، غير أن استعداد المعارضة له من الآن سيقلل خسائره ويجعله ناجحا في آخر المطاف.
واما بخصوص الوسائل المناسبة لكفاحنا في مختلف المراحل فهي الوسائل السياسية السلمية التي تستعملها كل الأحزاب والقوى السياسية في العالم نستعملها كأحزاب سياسية في نضالنا الحزبي اليومي ونستعملها مجتمعين وفق ما نتفق عليه في برامجنا الجماعية ووفق كل مرحلة وبمناسبة كل حدث، ومن هذه الوسائل:
ـ التصريح والبيان السياسي والمنشورات والمطبوعات.
ـ استعمال وسائل الإعلام والوسائط الاجتماعية المختلفة.
ـ التجمعات والمحاضرات والندوات.
ـ الوقفات والمسيرات.
ـ العمل الجواري والاتصال المباشر بالمواطنين في المقاهي والأسواق والساحات والطرقات.
ـ تسخير وسائل التعبير الفنية المختلفة كالمسرح والأغنية والأنشودة.
ـ المشاورات والتحالفات مع مختلف القوى السياسية والمؤسسات والمنظمات المدنية المختلفة.
أيها السادة والسيدات،
ولا يمكن أن نختم حديثنا دون التطرق إلى المخاطر التي تهدد وحدة المعارضة وانسجامها وتعيق سيرها، ومن هذه العوائق ما يلي:
ـ سياسة التضييق والمنع التي بدأت تظهر أكثر فأكثر وهي قابلة للتصعيد أكثر كلما اشتدت الصعوبات في محيط النظام السياسي وازداد نشاط المعارضة، وهي حالة يجب مواجهتها بالصبر والمثابرة وتكرار المحاولة تلو المحاولة والعمل على كسر المنع والتضييق بالطرق السلمية المدروسة والمتفق عليها، وابتكار البدائل المناسبة.
ـ سياسات التفريق والتشتيت من خلال الإغراء والتخويف وخلق المشكلات بين أقطاب المعارضة، وهي حالة تتطلب التحلي بحسن الظن والسعي للحوار عند كل أزمة، والتجاوز عند وقوع الأخطاء، وتفهم الإكراهات التي تواجه كل طرف.
ـ التفاوت في القدرة على التعبئة بين أطراف المعارضة مما يتطلب الوضوح في تحديد القدرات والإمكانيات والتحلي بالتواضع ونكران الذات، وعدم الدخول في التنافس المذموم البعيد عن الواقع والتسليم بما هو موجود على الأرض.
ـ المشاريع المنافسة في الساحة السياسية التي تستهدف إضعاف مشروع الانتقال الديموقراطي وإلهاء الرأي العام وخلق التوترات داخل المعارضة، وهي حالة تتطلب التصرف بحكمة وتروي مع الاجتهاد في توضيح الفرق بين المشاريع، وأبعاد كل مشروع وأهدافه وخلفياته برفق وعقلانية حتى يفهم الرأي العام الغث من السمين والنافع والضار وغير المجدي.
ـ مشاريع النظام السياسي التي تهدف لتعويم مشروع المعارضة وتفكيكه وسحب البساط من تحته بعيدا عن روح التوافق المنشود، ومن هذه المشاريع مشروع تعديل الدستور الذي توصلت المعارضة إلى تحديد موقف موحد منه، وإمكانية إطلاق انتخابات مسبقة رئاسية أم تشريعية دون لجنة وطنية مستقلة لتنظيمها. وتمثل هذه الحالة الأخيرة تهديدا حقيقيا لوحدة صف المعارضة يجب التعامل معها برزانة كبيرة بما يضمن الوصول إلى موقف موحد يجعل المعارضة أكثر صلابة وأكثر فاعلية وأقرب إلى تحقيق أهدافها، وفي حالة عدم التوصل إلى موقف موحد لا يجب إعدام مشروع مزفران وإنهاء العمل المشترك مهما كانت مواقف الأحزاب والشخصيات من الانتخابات ما لم تغادر صف المعارضة بعدها. فالانتخابات مهما كانت ظروفها ونتائجها لن تستطيع مواجهة الأزمة والحاجة للعمل المشترك ستظل قائمة في كل الأحوال.
أيها السادة والسيدات تقبلوا مني فائق التقدير والاحترام والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


طالع أيضا