رسالتنا في رمضان




معاشر المربين:

ها قد أقبل علينا الشهر الفضيل الذي شرع الله جلّ وعلا صيامه من أجل تحقيق غاية سامية في حياتنا، كما في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ). [البقرة: 183]. وبقوله تعالى: ( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبيّنات من الهدى والفرقان... إلى قوله:  ولعلكم تشكرون) [ الآية: 184 ]  (... لعلّهم يرشدون) [ الآية: 185]  ( ... لعلّهم يتقون) [ الآية: 186 ]     ( ... لعلكم تفلحون) [ الآية: 188 ].

فجمع هذه المعاني الجمّة من الفضائل والأخلاق والمعاملات والأحكام، تبيانا لعظمة هذا الشهر المبارك الفضيل وتأثيره في حياة الناس جميعا: التقوى، والهدى، والبيّنات، والشكر، والرّشاد، والفلاح، كلّ ذلك لأهل الإيمان والناس. والمسلم الصادق - سواء كان مربّياً أو متربّياً - يجب أن يحرص على التّمسّك بكلّ ما من شأنه أن يقرّبه من تحقيق هذه الغاية، وأن يبتعد عن كلّ ما يُعَدُّ خللاً تربوياً مناقضاً لها.

 فالمربّون من دعاة ومعلّمين ومصلحينبصورة خاصّة - من واجبهم أن يزيدوا حرصهم لتحصيل كلّ ما من شأنه مساندة رسالتهم التّربوية، سواء كان ذلك على مستوى البرامج، أو الأهداف، أو الوسائل، إذ أنّهم يعتبرون الأداة الأكثر فاعلية في إيصال مضمون الرّسالة التّربوية إلى أصحابها من أفراد المجتمع. يقول العلامة البشير الإبراهيمي وهو يتحدّث عن أثر الصّوم في النفوس بقوله:

[ وامتحانات الإسلام متجلّيّة في هذه الشّعائر المفروضة على المسلم، وما فيها من تكاليف دقيقة، يراها الخليّ الفارغ أنواعا من التّعبّدات تُتَلقّى بالتّسليم؛ ويراها المستبصر المتدبّر ضروبا من التربية شرعت للتّزكية والتعليم؛ وما يريد الله ليضيّق بها على المسلم، ولا ليجعل عليه في الدّين حرجاً؛ ولكن يريد ليطهّره بها، وينمّي ملكات الخير والرّحمة فيه، وليقوّي إرادته وعزيمته في الإقدام على الخير، والإقلاع عن الشّرّ، يروّضه على الفضائل الشّاقة، كالصّبر، والثّبات، والحزم، والعزم، والنظام، وليحرّره من تعبّد الشّهوات وملكها لعنانه...].

ويضيف رحمة الله عليه: [ وصوم رمضان محَكٌّ للإرادات النفسية، وقمع للشهوات الجسمية، ورمز للتّعبد في صورته العليا، وريّاضة شاقّة على هجر اللذائذ والطّيّبات، وتدريب منظّم على حمل المكروه من جوع وعطش وسكوت، ودرسٌ مفيد في سيّاسة المرء لنفسه، وتحكّمه في أهوائها، وضبطه بالجِهدِ لنوازِعِ الهزلِ واللغوِ والعبث فيها، وتربية عملية لخُلق الرّحمة بالعاجِزِ المُعدِم ...].

 ولذلك يجب علينا أن ندرك جميعا أنّ المسؤولية في الأخير هي مسؤولية فردية، هي مسؤولية الإنسان عن نفسه، ومن ثم فحريّ به أن يُعنى بتربيتها وإصلاحها، لذا كان لابدّ من الإشارة إلى التربية الذاتية في هذه المناسة العظيمة وهي أكبر ما تتجلى في هذا الشهر الكريم.

معاشر الفضلاء:

-  نعم... ها  قد أقبل علينا أعزّ الضيوف وأحبّهم إلينا، وهبّت معه النّسائم الرّوحية والنّفحات الرّبانية، موسم الخير والطّاعات والمغفرة والرّحمات، فيا فوز من أحسن استقباله وإكرامه، فجائزته العتق من النّيران والتّنعّم في الجنان.

- نعم... تذكّر جيّدا – أخي المربي - أنّ الغاية من العبادة في جلالها وعظمتها هي في قوله عز وجل: ( قل إنّ صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمن ) [ الأنعام: 164].

-  نعم... صحّح بدايتك: بالإقبال على الله بنيّة خالصة وعمل صالح وعزيمة قويّة، وافتح معه صفحة جديدة بالتّوبة من الذّنوب والمعاصي، وجدّد النّيّة لصيام شهر رمضان إيماناً بالله تعالى واحتساباً لأجره وثوابه.

- نعم... ركّز على التّقوى: فهي هدفك الأساس ـ ( ... لعلكم تتقون)،( إنّما يتقبّل الله من المتّقين ).

-  نعم... حدّد أهدافا فرعية لمختلف المجالات حتى لا تنسى: ( نفسك، – أسرتك، – أرحامك، –جيرانك، – إخوانك، – حركتك، – أمّتك، - ....).

-  نعم... حدّد الأساليب والوسائل ومستوياتها الخادمة لأهدافك: ( ختمات القرآن، الأذكار النبوية، الزّيارات، الصّدقات، الدّعاء، الخدمات الاجتماعية، وغيرها من الأعمال النافعة للمجتمع، إلخ...).

-  نعم، نعم، نعم... شاهد ببصيرتك الجزاء: ( فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرّة أعين جزاء بما كانوا يعملون) [ السجدة: 17 ].

معاشر الفضلاء والفضليات:

- رمضان؛ هو شهر الله المبارك العظيم، فهو خير الشهور، وهو موسم ربح كبير لا يضيّعه ولا يقعد عن المنافسة فيه إلاّ محروم خائر، ولا يحرم فضله والتّزوّد منه إلاّ شقيّ خاسر.

- رمضان؛ فاصلة العام لتجديد الحياة فردياً وجماعيا، وتوليد القوّة والتزوّد بالطّاقة السّنوية، فقد عدّه العلامة ابن القيّم رحمه الله مقياساً وميزاناً لسائر شهور السّنَة، حيث قال: [ من صحّ له يوم جمُعته وسلِم، سلمت له سائر جُمعه، ومن صحّ له رمضان وسلِم، سلمت له سائر سَنَتِه، ومن صحّت له حجّته و سلمت، صحّ له سائر عمره، فيوم الجمعة ميزان الأسبوع، ورمضان ميزان العام، والحج ميزان العمر، وبالله التوفيق. ].

-  رمضان؛ هو تجديد التّصالح مع الله تعالى بالمحاسبة والتّوبة النّصوح، وبالإقلاع عن المعاصي القلبية والقولية والفعلية (الفردية والجماعية)، والنّدم على ما فرط، وردّ المظالم، وطلب الصّفح من أصحابها، ومعاهدة الله تعالى بالثّبات على الطّاعة والاستقامة.

- رمضان؛ شهر القران، ففيه تنزّل و به كرّمت ليلة القدر، فهو تربّص نعرض فيه أنفسنا [ أفرادا وجماعات] على القرآن لنُصلحها، وبملازمة المصحف في سائر أوقاتنا نحييها وننير سبيلها.

-  رمضان؛ شهر التّحدّي والعزم على نصرة الدّين وإعزاز الأمّة  [ بدر 2هـ، - فتح مكة 8هـ، - فتح الأندلس 92هـ ،- الزلاقة 479 هـ ،- حطين 582 هـ ،- عين جالوت 702 هـ،.... ] .

-  رمضان؛ شهر الخلوة بالنّفس والتّفرّغ للعبادة لتذوّق حلاوة الإيمان ولذّته، وللسّعادة والسّرور بالطّاعة، خاصّة في العشر الأواخر.

- رمضان شهر التّكافل والتّراحم والتّآخي والتّوحّد، بإفطار الصّائمين وصلة الأرحام وتنويع الصّدقات وإصلاح ذات البين.

- رمضان، تتجلّى فيه التربية الذاتية – النفسية - وخاصّة عندما نتحدّث عن دور الشباب في تربية نفسه، فإنّنا نقصد بها ذلك الجهد الذي يبذله الشّاب من خلال أعماله الفردية، أو من خلال تفاعله مع برامج عامّة وجماعية  خلال هذا الشهر الكريم لتربية نفسه؛  بأمرين إثنين:

الأول : جهد فردي بحت يبذله الواحد منّا أو الشاب لنفسه بقصد تنمية ذاته في رمضان وغيره.

الثاني: جهد فردي يبذله من خلال تفاعله مع برامج عامّة دعوية أو اجتماعية، تنصهر فيها الأنفس بالأعمال، والأرواح بالنّفحات، والمُجاهَداتُ بالكرامات.

 قبل رمضان وبعده:

أخي المربي- سيبقى الإنسان هو أعلم بنفسه، وأعلم بمداخلها، وأعلم بجوانب الضّعف والقصور فها، وأعلم بجوانب الإرادة والاستطاعة والقوّة فيها، ومن هنا فهو الأقدر على التّعامل مع نفسه، قد  يتصنّع الفرد أمام النّاس، ويتظاهر بالخير، أو يدعوه لذلك الحياء والمجاملة، أمّا ما في نفسه فهو أعلم به من سائر الخلق والبشر، حينئذ فهو أقدر من غيره على علاج جوانب القصور والخلل في نفسه، والقيام بواجب بذل الجهد في هدايتها وتقويمها.

فعن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( يعجبُ ربّكُم من راعي غنَمٍ في رأس شظيّةٍ بجبل – قطعة من رأس الجبل أو الصّخرة الخارجة منه – يؤذّن بالصّلاة ويصلّي فيقول الله عز وجلّ : انظروا إلى عبدي هذا يؤذِّنُ ويقيم الصّلاة يخاف منّي؛ قد غفرت لعبدي وأدخلته الجنّة ) رواه أبو داود.

وما أعظم ما شبّه النّبيّ صلى الله عليه وسلّم الوحي الذي أتى به وتلقِّي النّاس منه، فقال: ( مثل ما بعثني الله به من الهُدى والعلم، كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا، فكان منها نَقِيَّة – القطعة أو الكثيب من الرّمل- قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب صلاب الأرض التي تمسك الماء- أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصابت منها طائفة أخرى إنّما هي قيعان – الأرض الملساء -  لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقُه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلِم وعلّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به). متفق عليه.

ما أعظم هذه الإشارات واللفتات النبوية بقوله: ( ... فذلك مثل من فقُه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلِم وعلّم)، إشارات إلى الذاية والجماعية في التربية.

وإليك هذه اللمسة الحانية من الأستاذ الكبير محمد قطب، في حديثاه الجميل في كتابه [منهج التربية الإسلامية] حيث يقول :  [ وينبغي أن نذكر بصفة عامّة أنّ التّنمية النّفسية الصّحيحة لا تتمّ في كيان فرد يعيش بمفرده في عزلة عن الآخرين وفي هذه الفترة بالذات – وهو يتحدث عن فترة الشّباب الباكركيف يتدرّب الإنسان على الأخوّة إذا لم يمارس الأخوة بمشاعرها؟ مع الإخوة الذين يربطهم به هذا الرّباط؟  كيف يتدرّب على التّعاون إذا لم يقم بهذا الفعل مع أفراد آخرين؟ كيف يتعوّد أن يُؤثر على نفسه إذا لم يكن هناك إلاّ نفسه؟

إنّ الوجود في الجماعة هو الذي ينمّي هذه المشاعر وهذه الألوان من السّلوك، والشاب الذي يعيش في عزلة عن الآخرين وإن حاول أن يستقيم على المنهج السّليم تنمو بعض جوانب نفسه وتظل جوانب أخرى ضامرة؛ لأنها لا تعمل ].

أيها الإخوان والأخوات:

 إن بعض الشباب أو بعض أهل الصلاح يقول: عليّ أن أنعزل لوحدي لأهتم بتربية نفسي، بسبب أنّهم لم يطبْ لهم خاطر في مسيرة العمل الجماعي لمشقّة طول الطريق وشدته، أو لفتور أو ترهّل يصبه، وهذا غير صحيح فالجماعية مُهمّة للتربية الذاتية لأمور:

 أولاً: هناك أمور جماعية لا يمكن أن تؤدّيها إلاّ من خلال الجماعة، كمشاعر الأخوة بفيض حنانها الآسر وجوّ أمْنِها بظّلّه الخاثر، وثمرة التّعاون في صناعة الإرادة والعزيمة والاستطاعة والقوة، وجمال الإيثار في التنازل عن حق الذّات رغبة في المثوبة عند الله، وبعلياء الإحسان في التقرّب إلى الله بالأعمال الصالحة، وجودة العمل بين الناس بالصدق والإخلاص،  وبفيوضات الصبر على جفاء الآخرين بالحلم والعفو والصّفح والتّجاوز والغفران.

 ثانياً: من خلال الجماعة تجد القدوة الصالحة، وأنّها من أهمّ معينات الطريق على سلوكه، وبالقدوة الصالحة يتبدّد في سماء الجماعة غَيْمَ اختلاف النّفوس ومرارته، وبها يبرز لمعان الرّأي السّديد وجودته إذا تلكأ البعض عن تنفيذ قرارت في العمل، وبها يتبيّن الجدّ والمجاهدة من الفتور المقعِد أو الترهل النفسي المفسد، نعم... هي دوماً مُهمّة للتربية وشاهدة عليها.

 ثالثا: من خلال الجماعة تجد القدوة السّيّئة وهي أيضاً مهمّة للتربية؛ فحين ترى فرداً سيّء الخلق، تدرك كيف يَخسرَ حبّ الآخرين له، وينزل مقامه من علياء نفوسهم، ومن ثم تدرك شؤم سوء الخُلق وكدره على النّفس وتأثيره في تكدير صفاء الصّفّ، وترى إنساناً كسولاً فتدرك أثر الكسل والتّفريط  على محيّاه ونشره للتراخي بين الأفراد في القول والعمل، إذاً أنت تحتاج إلى القدوة السّيّئة لا تلازمها وتعاشرها وتتشرّبّ منها الكدر، لكن عندما ترى هذا النّموذج تجتنبه وتسأل الله السلامة والحفظ منه.

 رابعاً: اكتشاف أخطاء النّفس، وترويضها؛ فالإنسان الذي يعيش في عزلة يكون في الأغلب إنساناً حادّاً في تعامله مع الآخرين، مثاليّاً في رؤيته وأحكامه وفي مشروعات التي يطرحها، وعندما ينتقد الآخرين أويوجّههم، فهو مهما امتلك من القدرات تبقى لديه جوانب قصور واضحة، من خلال العزلة والسّياج الذي فرضه على نفسه، ومن هنا نقول لابدّ من الجماعة في التربية الذاتية.

 أيّها الرّواحل: ومن المفاهيم الخاطئة للتّربية الذّاتية.

التّفريط في الأعمال الهامّة في المجتمع – الدّعوية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية- بحجة تربية النّفس، فبعض الناس يقول أريد أن أتفرّغ لكي أربّي نفسي وأتعلّم وأستزيد من العلم، ثم بعد ذلك يمكنني أن أقوم بالدّعوة إلى الله عز وجل أو غيرها من الأعمال  الجليلة في توجيه المجتمع.

إن الشاب الذي يتخرّج من الجامعة وكلّه حماسة وجد واجتهاد، يحتاج إلى تكوين وتعويد على طرائق العمل  حتى تتكوّن لديه الدربة، فهو في كلّ الأحوال سيحتاج إلى طريقة للتعامل مع وقته، وإلى تضحية لم يكن قد اعتاد عليها، فيكون من الصّعب عليه لقلّة خبرته أن يقوم بالأعمال على وجهها الصحيح والمطلوب شرعا وشرعية في التنفيذ، فأحيانا يصعب التحدّث مع الآخرين، لا يعرف كيف يقدم الخير أو يساعد عليه، وخاصة في هذا الشهرالكريم الذي يكثر فيه قلق النّاس واضطرابهم أمام بعض المشكلات التي تواجههم، فلابد من التربية الجماعية كي يحصل له التكامل النفسي والتعاون الاجتماعي.

وخير ميدان للعمل في هذا الشهر الفضيل هو إشاعة شيء من الورع في النّفوس كي يأسرها التّوجّه إلى الله وحسن الصّلة به تبارك وتعالى، وحسن البحث عن مثوبته وأجره، فقد ثبت عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال - فيما رواه البيهقي في وصيّته لأبي هريرة رضي الله عنه:   ( كن ورعاً تكن أعبد النّاس، وكن قنعاً تكن أشكر النّاس، وأحبّ للنّاس ما تحبّ لنفسك تكن مؤمنا، وأحسن مجاورة من جاورك تكن مسلماً، وأَقِلّ الضّحك؛ فإن كثرة الضّحك تميت القلب).

 إذن فهذا المقياس في هذا الشّهر الكريم يزيد من تحسين السّير إلى الله، وتجويد وسائل المسيرة وفعّاليتها لتوسيع مساحات صفاء الأفئدة، وتوليد التّوبة من أدران النّفس المظلمة، هو مقياس أنْسٍ في يوم رمضان الذي تتجاذبنا فيه - الصّوارف والنواسف –مكدّرات النّفوس من مشقّة الصّوم والأعمال، ومقياس أنس في بهاء الليل بنفحات القيّام ولذّة الذكر.

إنما هو – مقياس-  لأولئك الصّالحين الذين توجّهت قلوبهم لله سبحانه وتعالى فأصبح القلب لا يحبّ إلاّ لله ولا يبغض إلاّ لله، ولا يتوجّه إلاّ لله، وقبلته إلى الله عز وجل لا يفارقها؛ فكما أنّه يستقبل القبلة في صلاته ويقف بين يدي الله عز وجل كلّ يوم خمس مرات، فقلبه إنّما قبلته لله، لا يمكن أبداً أن يستقرّ في قلبه محبّة غير الله أو التّوجّه له، أو أن يكون فيه إرادة تخالف أمر الله سبحانه وتعالى وشرعه.

لهذا ارتقت هذه النّفوس إلى هذا القدر فصارت تطمئنّ للبرّ وتشمئزّ من الإثم؛ فمنحها الله عز وجل هذا النّور وهذا الفرقان  ( يا أيّها الذين آمنوا إن تتّقو الله يجعل لكم فرقاناً ويكفّر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم ) [ الأنفال: 29 ]. وفي قوله:( يا أيّها الذين آمنوا اتقوا الله  وآمنوا برسوله يوتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم) [ لحديد: 27 ].

هذه فرصتنا إيّها المربون

 توطيد الصّلة بالله عز وجل:

أيها الفضلاء: فتنشئة هذه العلاقة وتوطيدها، والحرص على استلهامها واستجلابها، وخاصة فرصة هذه الأيام المباركة التي تصفّد فيها الشياطين، ليس لها إلاّ طريق واحد، وهو أن يؤمن الإنسان بالله وحده رباً وإلهاً لنفسه، ولسائر المخلوقات في السموات والأرض.

وتوطيدها ينحصر في طريقين إثنين: ( طريق الفهم والتّفكّر، وطريق الفعل والعمل).

وتقويتها بطريق الفهم والتّفكّر: هي أن ندرس القرآن الكريم ونتدبّر معانيه، ونتأمّل في آياته، ونتمعّن في آلائه، كما في قوله عز وجلّ: ﴿ أفلا يتدبّرون القرآن أم على قلوب أقفالها ﴾ [ محمد: 25 ].

وفي قوله جلّت قدرته عظمت آياته حول تسخير نعمه والتّفاعل السّلبي للكافرين معها والنّكران لها وعاقبتهم رغم شدّتهم وآثارهم الشّاهدة عليهم: ( الله الذي جعل لكم الانعام لتركبوا منها ومنها تاكلون * ولكم فيها منافع ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم وعليها وعلى الفلك تحملون * ويريكم آياته فأيّ آيات الله تنكرون * أفلم يسيروا في الارض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشدّ قوّة وآثارا في الارض فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون ) [غافر: 78-81 ].

وفي قوله سبحانه وتعالى حول حال المؤمنون وتفاعلهم بوجل القلوب مع آياته وشهادة الله لهم على أعمالهم الصالحة وإيمانهم الحقّ وجزاؤهم الوفير: ﴿إنّما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون * الذين يقيمون الصلاة وممّا رزقناهم ينفقون * أولئك هم المومنون حقّا لهم درجات عند ربّهم ومغفرة ورزق كريم ﴾  [ الأنفال: 2-4].

وبقوله جلّت قدرته: ( وما تكون في شأن وما تتلوا من قرآن ولا تعملون من عمل إلاّ كنّا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربّك من مثقال ذرّة في الارض ولا في السّماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلاّ في كتاب مبين * ألا إنّ أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون * الذين آمنوا وكانوا يتّقون * لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الاخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم ) [يونس: 61-64 ].

وبقوله في الشدائد والمصائر: ( يا أيّها الذين آمنوا استعينوا بالصّبر والصّلاة إنّ الله مع الصّابرين * ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات  بل أحياء ولكن لا تشعرون * ولنبلونّكم بشيء  من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثّمرات وبشر الصّابرين * الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنّا لله وإنّا إليه راعون * أولئك عليهم صلوات من ربّهم ورحمة وأولئك هم المهتدون )   [ البقرة: 152-156 ].

والأحاديث النّبوية الصّحيحة بكلّ فهم وتفكّر وتدبّر مرّة بعد أخرى كما في قوله صلى الله عليه وسلم: ( إنّ لله أهلين من النّاس، قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: " أهل القرآن هم أهل الله وخاصّته " ). أخرجه النسائي وابن ماجه والحاكم .كلّ ذلك لنستعين بها في معرفة ما يوجد بيننا وبين الله تعالى من وجوه العلاقة، من حيث الفطرة ومن حيث الواقع، حتى إذا عرفنا هذه الوجوه استعرضنا حالنا.

والمراد بكل ذلك العلم الذي يُعْمَلُ به والذي أريد به وجه الله وحده، أمّا طلب العلم للمباهاة أو للجدال، فجزاؤه جهنّم، كما في حديث جابر، عن ابن حبان والبيهقى وابن ماجه: ( لا تعلموا لتباهوا به العلماء ولا تماروا به السّفهاء ولا تخيّروا المجالس فمن فعل ذلك فالنّار النّار) وورد في الأثر أيضا:    ( ليس العلم بكثرة الرِّواية، وإنّما العلم الخشية).

رمضان ميدان التّفكّر في خلق الله وآلآئه ونعمه:

إنّ معرفة الله تعالى حقّ المعرفة تحوِّل الإنسان من حال إلى حال، ولا يتأتّى ذلك إلاّ بالتّفكّر في آياته ومخلوقاته، ﴿إنّ في خلق السّموات والأرض واختلاف الليل والنّهار لآيات لأولى الألباب * الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكّرون فى خلق السّموات والأرض ربّنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النّار﴾ [ آل عمران: 190-191 ]. إنّه سياق عجيب يقرن بين توجّه القلب إلى ذكر الله وبين التّفكّر فى خلق السّموات والأرض، فيوحي لنا هذا الجمع بين الحركتين بحقيقتين هامّتين، هما:

الحقيقة الأولى: إنّ التّفكّر فى خلق الله والتّدبّر في كتاب الكون المفتوح وتتبّع يد الله المبدعة وهي تحرّك هذا الكون وتقلّب صفحاته هو عبادة لله من صميم العبادة وذِكر لله في صميم الذّكر.

الحقيقة الثانية: أنّ آيات الله في الكون لا تتجلّى على حقيقتها الموحية إلاّ للقلوب الذّاكرة العابدة

فتتفتّح لبصائرها الحقائق الكبرى في خلق السّموات والأرض واختلاف الليل والنّهار وهم الذين يتّصلون به، مُسبّحون من ورائها بالمنهج الإلهي الموصل إلى النّجاة والخير والصّلاح.

لحظة تمثّل صفاء القلب وشفافية الرّوح وتفتَحُ الإدراك واستعداده للتّلقى كما تُمثّل الاستجابة والتّأثّر والانطباع، إنّها لحظة العبادة، ولحظة الاستقبال، وهى بهذا الوصف تمثّل لحظة الاتصال بالله في قمة تحقُّقها بالتربية.

فعلينا أن ننظر أيّ وجه من الوجوه قد حافظنا عليه، وإلى أيّ حدّ حقّقنا مقتضياته، وأيّ نقص لا زال في أنفسنا بشأنه شيء، فعلى قدر ما يقوى هذا الشّعور فينا تزداد صلتنا بالله تعالى انسياقاً واستيثاقاً، فمن وجود العلاقة بيننا وبين الله على سبيل المثال:

-  منها أنّنا عباده، وهو المعبود،ونحن خلفاؤه في الأرض قد خوّلنا ما لا يحصى من نعمه وآلائه.

-  ومنها أنّنا لمّا آمنا به فقد اشترى منّا أنفسنا بأنّ لنا الجنة.

-  ومنها أنّنا مسؤولون أمامه وهو لا يحاسبنا حسب ظاهرنا بل قد سجّل عنده جملة حركاتنا وسكناتنا ونيّاتنا وإرادتنا.

 

فهذه وكثير من أمثالها هي وجوه العلاقة بيننا وبين الله تعالى، فعلى فهمها والشّعور بها والوفاء بمقتضياتها تتوقّف قوة صلتنا بالله، وتقربّنا إليه، وإنّنا على قدر ما نغفل عنها ولا نتفكّر في الوفاء بمقتضياتها، نبتعد عن الله ونفصم صلتنا عنه، وعلى قدر ما نكون منتبهين إليها، ساهرين على الاحتفاظ بها والاهتمام بشأنها، تكون علاقتنا به قويّة وعميقة.

 

إلاّ أنّ هذا الطريق الفكري لا يؤتي ثماره، بل لا يمكن التّمسّك به مدّة طويلة، ما لم يكن مستنداً إلي الطريق العملي، وهو الطّاعة المخلصة للأحكام الإلهية، وبذل النّفوس والنّفائس في كلّ طريق يفضي إلى مرضاة الله سبحانه وتعالى، ومع الطاعة للأحكام الإلهية أن نعمل بكلّ ما أمر به الله تعالى عن طواعية نفوسنا وعلى منشط منّا ومكره، سرّا وعلانية، بدون أن نراعي فيه غرضاً دنيوياً، وإنّما نراعي فيه وجه الله عز وجل، وأن ننتهي عن كلّ ما نهى الله سبحانه وتعالى عنه سرّا وعلانية على كراهية ونصرة قلبية منّا.

 

وألاّ يكون الباعث لنا على الانتهاء، خوفنا من مضّرة دنيوية، ولكن خوفنا من الله تعالى وحده، وهذا ما سيرتفع بنا إلى درجة تقوى الله، وأمّا ما سيرتفع بنا إلى درجة الإحسان بعد درجة التّقوى، فهو أن نعمل لترقية كلّ فضيلة يحبّها الله ورسوله، وإحباط كلّ رذيلة يبغضها الله ورسوله، وألاّ نضنّ في هذه السّبيل بكلّ ما نملك من نفوسنا ونفائسنا وأوقاتنا وجهودنا وقوانا الفكرية والقلبية، مع ملاحظة ألاّ ينشأ في قلوبنا شئ من الزّهو والاعتزاز بما نأتي به في هذا السّبيل من أعمال التّضحية والإيثار والفداء، وألاّ يمرّ بخلدنا أنّنا قد صُغنا بها إلى أحدٍ يدا، بل أن تكون فكرتنا على كلّ حال أنّنا مقصّرون في أداء ما علينا من حقّ خالقنا سبحانه وتعالى.

رمضان الكريم ووسائله:

 التّفكّر في القيامة واليوم الآخر:

إنّ التّفكّر في الموت والقبر والنّشور والقيامة، وما ينتظر الإنسان من الغيب،- كل ذلك يقوّي الصّلة بالله عز وجل، ويبدأ الغيب الذي يستحقّ التّفكّر فيه من اللحظة التّالية حتى الموت، ثم الموت والقبر وحياة البرزخ، ثم البعث والعرض والحساب والصّراط، ثم الجنّة أو النّار.

فالإنسان لا يعرف هل تطول به مرحلة ما قبل الموت أو تقصر، ثم يأتي الموت إن عاجلا أو  آجلا ﴿ كل نفس ذائقة الموت ثمّ إلينا ترجعون ﴾ [ العنكبوت: 57]، وبقوله: ﴿ كلّ نفس ذائقة الموت وإنّما توّفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النّار وإخل الجنّة فقد فاز وما الحياة الدّنيا إلاّ متاع الغرور ﴾ [ آل عمران: 185].

وتوقَعُ الموت وانتظاره يقوّي صلتنا بالله، وكذلك الاستعداد لفتنة القبر وحياة البرزخ، فالقبر إمّا روضة من رياض الجنّة أو حفرة من حفر النّار، والتّفكر في القيامة واليوم الآخر يجب أن يأخذ حقّه من الاهتمام، فنتفكّر فى النّفخ في الصّور والبعث والنّشور والعرض على الجبّار ونصب الميزان واجتياز الصراط إلى الجنّة أو النّار.

ولقد كان حال النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - مع صحابته حال المذكّر الدّائم بهذه الغيبيات لتكون فى قلوبهم دائما واقعا لا يغيب، فكثيرا ما كان يقول لهم صلى الله عليه وسلم: (أكثروا من ذكر هازم اللذّات ). يعنى الموت، ويقول صلى الله عليه وسلم: ( والذي نفسي بيده لتموتنّ كما تنامون ولتُبعثُن كما تستيقِظون ثم لتُجْزَون بالإحسان إحساناً، وبالسّوء سوءاً، وإنّها لجنّة أبداً أو النّار أبدا ).

فبلغ بهم الأمر أنّهم كانوا إذا سمعوا ذكر الجنّة بكوا شوقا إليها، وإذا سمعوا ذكر الموت أو القبر أو النّار بكوا خوفا من ذلك، وبهذا الخوف ومعه الرّجاء توطّدت صلتهم بالله.

القرآن والصّلاة والقيام والنّوافل: 

- تعلّم القرآن وتلاوته: فعن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من تعلّم آية من كتاب الله استقبلته يوم القيامة تضحك في وجهه ) [ رواه الطبراني ورجاله ثقات- مجمع الزوائد: 4/ 161 ].

وعن أبي بريدة قال: كنتُ جالسا عند النّبيّ صلى الله عليه وسلم فسمعتهُ يقول: ( " تعلّموا البقرة فإنّ أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا يستطيعها البطلة"، قال: ثمّ سكت ساعة، ثم قال: "تعلموا البقرة وآل عمران، فإنّهما الزّهروان، يظلّان صاحبهما يوم القيامة، كأنّهما غمامتان أو غيابتان أو فرقان من طيرٍ صوافّ، وإنّ القرآن يلقى صاحبه يوم القيامة حين ينشقّ عنه قبره، كالرّجل الشّاحب، فيقول: هل تعرفني، فيقول: ما أعرفك، فيقول: أنا صاحبك القرآن الذي أضمأتك في الهواجر، وأسهرت ليلك ، وإنّ كلّ تاجر من وراء تجارته، وإنّك اليوم من وراء كلّ تجارة، فيعطى المُلك بيمينه والخلد بشماله، ويوضع على رأسه تاج الوقار ويكسى والداه حلّتين لا تقوم لهما الدنيا، فيقولان: عمّ كسينا هذا؟ فيقال: بأخذ ولدكما القرآن، ثمّ يقال: اقرأ واصعد في درج الجنّة وغرفها، فهو في صعود ما دام يقرأ حدرا كان أو ترتيلا ) [ قال الهيثمي قلت: روى ابن ماجه منه طرفا- رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح/ الزوائد: 4/ 159].

وعن عبد الله يعني ابن مسعود قال: ( من أحبّ أن يحبّه الله ورسوله، فلينظر: فإن كان يحبّ القرآن، فهو يحبّ الله ورسوله). [ رواه الطبراني ورجاله ثقاة / الزوائد: 4/ 165]. وعن عبد الله ابن مسعود قال: ( من  أراد العلم فليثور – يتفكر في معانيه وتفسيره وقراءته- القرآن، فإنّ فيه علم الأوّلين والآخرين). [ رواه الطبراني بأسانيد  ورجال أحدها رجال الصحيح / الزوائد: 4/ 165]. وعن ثابت: ( أنّ أنس بن مالك كان إذا ختم القرآن جمع أهله وولده فدعا لهم). [ رواه الطبراني ورجاله ثقاة / الزوائد: 4/ 172 ].

فلا شك أنّ هذه النّصوص كافية لفضل الحفاظ على تلاوة القرآن وتعلّمه والعيش في كنفه اليوم وغدا إن شاء الله.

-  فأما الصلاة؛ فهي الصّلة بين العبد وربّه، وهي عنوان القرب من الله، ودليل الإيمان، لقوله - صلى الله عليه وسلم-: ( إذا رأيتم الرّجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان ).

وعن جندب بن عبد الله قال: قال رسول الله - صلي الله عليه وسلم-: (من صلّى الصّبح فهو في ذمة الله فلا يطلبنّكم الله من ذمّته بشيء، فإنّه من يطلبه من ذمّته بشيء يدركه ثم يكبّه على وجهه في نار جهنّم ) أخرجه مسلم وأبو داود والترمذى .

وذمّة الله: أي عهده وأمانته، فأيّ قرب وأيّة صلة بعد أن يكون المسلم  في عهد الله وأمانته ؟!

عن أبي - هريرة رضي الله عنه - أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم – قال: (أقرب ما يكون العبد من ربّه وهو ساجد فأكثروا الدّعاء ).أخرجه مسلم. وعن عمرِو بن عُتبة أنّه سمع النّبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: ( أقرب ما يكون العبد من ربّه في جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممّن يذكر الله في تلك السّاعة فكن ). أخرجه الترمذى وقال حسن صحيح وابن خزيمة فى صحيحه.

وجوف الليل الآخر ثلثه الأخير. وليس المراد من الصّلاة هنا مجرّد حركاتها، بل المراد الخشوع وحضور القلب، وقطع الشّغل بشيء سوى عظمة الله، ومن عرف حال الرّسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه في الصّلاة عرف كيف يصلّي.

قال عبد الله بن الشّخير: ( رأيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم - وفى صدره أزيز كأزيز المِرجل) وهو القِدر الذي يغلي.

وقال الأعمش: ( كان عبد الله بن مسعود إذا صلّى كأنّه ثوب ملقى )، يعنى سكونه وخشوعه وحضوره، وغير ذلك كثير فى تواريخ الصحابة والتابعين -رضى الله عنهم - ، وهل يكون المسلم في قرب من الله وأنس به.

-  وفيها استرواح وخلوص من مشاغل الحياة بين يديّ الله في خشوع وخضوع نسبِّحه ونعظِّمه وندعوه ونستغفِره، وكأنّ الصّلاة معراج لأرواحنا إلى الله بعيدا عن جواذب الأرض، ولعلّها لذلك فرضت ليلة المعراج، وبين كلّ صلاتين يشعر المسلم أنّه منذ قليل كان بين يديّ الله، وبعد قليل سيقف مرّة أخرى فلا يليق به أن يغفل عنه وينساه بين الصّلاتين. ثم إنّ هذا الخضوع والرّكوع والسّجود بين يديّ الله فيه القربُ والأنسُ بالله، فالقرب ما يكون العبد من ربّه وهو ساجد.

 

-  وفي صلاة الليل بصفة خاصّة خلوة مع الله، وفي الخلوة قربٌ ومناجاةٌ، وفي النّوافل قرب من الله، وفي الحديث القدسي عن ربّ العزّة  جلّ وعلا: (وما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنّوافل حتى أُحبّه …) ولهذا يجب الإكثار من النّوافل حسب المقدرة، ولكن ما يجب التّنبيه إليه في هذا الصّدد، أنّ علينا أن تؤدّي النّوافل في الخفاء قدر استطاعتنا حتى تتقوّى علاقتنا الشّخصية بالله، وتنشأ فينا صفة الإخلاص والتّجرّد.

إنّ إظهار الإنسان صلاته النّافلة، ولا سيما صلاته في جوف الليل قد ينشئ فيه ريّاء، من أشنع أنواع ال