عـواطـف رمضـانية : برنامج التشغيل الكامل



1. شروط إضافية للإنتساب : إستعرضنا الشروط العشرة اللازم توفرها للإنتساب لمدرسة الصيام (حسب القانون الأساسي المستخلص من الكتاب والسنة)، ولأنني أحســـست ـ من تعاليقكم على الموقع ـ أنكم بادرتم بتسجيل أنفسكم تلقائيا في صفوف هذه المدرسة ووفرتم الشروط الإيمانية اللاّزمة للإنتساب، فإني سوف أمضي معكم إلى تحديد مستويات التعليم والتكوين الذي ينتظركم، وهي ثلاثة :
    - المستوى الأول هو صوم العامة الذي يكتفي فيه صاحبه بالإمساك عن المأكل والمشرب وسائر المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس
   - المستوى الثاني هو صوم الخاصة من الذين يضيفون على واجبات المستوى الأول واجب مراقبة الجوارح وحفظ الرأس وما وعى والبطن وما حوى،  والإبتعاد عن المفطرات المعنوية (النظر بشهوة، الغيبة، النميمة، الكذب، اللغو، الجدل والمراء... إلخ )
   - وأما المستوى الثالث، فيجمع صاحبه (صاحب الهمّة العالية) كل ما تقدم في المستوى الأول والثاني ويضيف عليهما  ما نسميه « برنامج التشغيل الكامل »، فالنهار  24ساعة (1440دقيقة) يحتاج الراغب (صاحب الهمّة العالية) في تحصيل المستوى الثالث إلى شغلها 100% بالطاعات إعتمادا على أنّ أيام رمضان ولياليه  ليست كسائر أيام أشهر السنة ولياليها، فالشّهر مبارك، وكلّ لحظة فيه مباركة، والأجر فيه مضاعف:
- فالفريضة = 70 إلى 700 فريضة فيما سوى رمضان.
- والنافلة = فريضة وأجرها مضاعف.
- والصلاة الواحدة =50×70=350 صلاة (وفق حساب ليلة المعراج).
- والصدقة =70 إلى 700 صدقة مقارنة بالأيام العادية.
- وإفطار صائم واحد يفتح باب الجنة (ولو كان ذلك على تمرة أو شربة ماء أو مذقة لبن) كما أوضح ذلك المصطفى عليه الصّلاة والسّلام في أوّل خطبة له نهاية شهر شعبان سنة 02 للهجرة.
- والرزق يزاد في شهر البركة ,والرحمات تتنزل بالليل والنهار (خاصة ليلة القدر ) والأعظم من كل ذلك إن الملائكة عليهم السلام يتنزّلون سائحين في الأرض يسمعون تلاوة القرآن ويعجبون من مباهاة الله تعالى لهم بما صار عليه الصائمون: « تركوا طعامهم وشرابهم من أجلي » وهجروا سائر شهواتهم متشبهين بالملائكة لأجل الله، وارتقوا في منازل الإحسان حتّى كأنّهم يرون اللّه « الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك »
      فما هو هذا البرنامج التشغيلي الكامل المقترح لأصحاب الهمم العالية ؟
تذكـير:نشرنا العام الماضي لائحة مفصّلة سمّيناها :يوماً في حياة صائم، رصدنا فيها نشاطا يوميا نموذجيا لصائم إستيقظ من نومه عند الأذان الأول وبدأ نشاط يومه الرمضاني لحظة بلحظة حتى أوى إلى فراشه بعد صلاة القيام ( التراويح + التهجد و الوتر )إستعداداً ليوم جديد، ولست أرى ضرورة لإعادة نشر ذلك، وسوف أقترح على المنتسبين لمدرسة الريان (الطامعين في حصد جائزة يوم العيد ) منهجا آخر فيه ما أعتقد  أنه يضع كل فرد أمام مسؤولياته الإيمانية على قاعدة « يسألونك ماذا ينفقون قل العفو »
        ليحدد كل واحد منا «عفوه»، كما فعل الصحابة (عليهم الرضوان) لما نزلت هذه الآية، فاجتهد كل واحد منهم في تحديد نسبة «العفو » حسب علوّ همّته ودرجة إيمانه ويقينه في اللّه:
- بعضهم قدر العفو بنسبة الزكاة (ربع العشر =2.5%)
- وبعضهم قدره بنصف العشر 5%
- وآخرون قدروه بالعشر 10%
- بينما قدره عمر الفاروق رضي الله عنه بالنصف 50%
- وحطم أبوبكر الصديق رضي اللّه عنه،  الرقم القياسي، في علوّ الهمّة، فقدر إن كل ماله هو ملك لله ورسوله فوضع كل ما يملكه في خدمة الدعوة، ولما سأله البعض، ماذا ترك لأولاده ؟ أجابهم الإجابة الواثقة « إدخرت مالي لنفسي عند ربي ، وادخرت ربي لأولادي » فعاشوا في رحمة الله ويقين الواثقين بالله .
      ها أنا أضع بين أيديكم منهج برنامج التشغيل الكامل و أترك لكم مطلق الحرية في تقدير نصيبكم من العفو على قاعدة: « وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ».
2. برنامج التشغيل الكامل:  العبادات لا تخرج عن أربعة أصناف يُكثِّرها صاحبها بالنية الصادقة ويقلِّلها بالغفلة، ويمحقها بالرياء والمن والأذى ويبطلها بالشرك (والعياذ بالله)
- الصنف الأول، هو عبادات القلب، وكلّها متعلقة بقواعد الإيمان (وهي مفتاح كل العبادات)، وكل عابد بزعمه لله من غير دخول على باب «الغيبيات » ترد عليه عبــاداته : « قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم »، فأوّل درجات الإيمان هو الإيمان بالغيب،  لذلك يجب عليك أن تعيد علاقتك بالغيب ليتمّ تحرير الولاء لله تعالى وتجدد في قلبك الإيمان مستجيبا لنداء المولى عزّوجل « ياأيها الذين آمنوا » إفعلوا كذا وكذا، وكأنّ الإيمان عقد وبيعة والتزام بينك وبين الله تعالى يفرض عليك الإستجابة، فمن لم يؤمن ليس مطلوبا منه أن يعمل لأنّ إلهه هواه، وكمثال على ذلك لا صوم لمن لا إيمان له ولاصلاة، ولازكاة، ولاحجّا، ولاصرفا ولاعدلا.. لأنّ الخطـــــاب موجه للمؤمنين : «ياأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام.. »  وقد تكرر النداء في القرآن أكثر من 83 مرة  بهذه الصّيغة: « ياأيها الذين آمنوا » ليأتي بعدها تكليف بالأمر أو النهي، ولولا خشية الإطالة لبسطت بين أيديكم 83 موضعا للعمل جاء التكليف بها بعد النداء « ياأيّها الذين آمنوا »خلاصتها :
- إذا دخل الإيمان القلب يجب أن يصدقه العمل
- إذا كان النّداء موجها لأهل الإيمان فقد وجب السمع والطاعة
- أعظم عبادة هي عبادة القلب و أخطر معصية هي معصية النية.
والغريب في هذه النداءات القرآنية أن الله تعالى يدعونا إلى «تجديد» الإيمان بعد الإيمان بالقول : « يأيها الذين آمنوا آمنوا... » أو التشكيك في صحة الإيمان بالقول : «إن كنتم مؤمنين »، و هو ما يعني أن مربط الفرس، في الدّين كلّه، هو صحة الإيمان أو صحّة النّية بالعبادة القلبية التى سماها إبراهيم الخليل عليه السلام القلب السليم : « ولا تخزني يوم يبعثون يوم لاينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم »
      - الصنف الثاني، هو عبادة العقل، والعقل ـ على خلاف ما يعتقد كثير من الناس ـ تابع للقلب وليس العكس، فما يحبه القلب «يخطط» العقل لتنفيذه، وما يكرهه القلب «يخطط» العقل لاستبعاده وطرحه ونسيانه، وهو ما يعني أن «المضغة» التي في الجسد هي «السلطان»الذي يتحكم في كل «جنوده » وعماله وخدمه وحشمه..صلاحا وفسادا، كما أكّد على ذلك المصطفى صلى الله عليه وسلم في حديثه عن المضغة التي:
      -إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله «ألا وهي القلب ».
فالعبادات العقلية هي ـ في مجملها ـ مخطّطات عمل مادي أو معنوي لمرادات القلب ،فهي بهذا المعنى ،تبع لها و«تنفيذ » للمشاعر والأحاسيس، وكأنّ القلب هو مولِّد الطاقة و العقل هو الخيوط التي يسري فيها التيار الكهربائي و«الشّبكة » التي توزع الضوء والنور والحرارة على سائر أعضاء الجسم ,فالعقل لايقرّر، وإنّما الذي يقرّر هو القلب: حبًّاوبغضا، وطوعا وكراهية، وقبولا ورفضا.. والعقل هو الذي يقوم بصياغة القرار ويعلن عنه، لذلك فعبادة العقل ـ من حيث الترتيب – تأتي في المقام الثاني بعد القلب، وتتلخص في ترسانة معقدة من العمليات المتسلسلة نذكر من بينها :
- تصوّر المسألة كما يريدها القلب ووضع برنامج لتنفيذها.
- ربط المقدمات بالنتائج من خلال آثارها
-تلخيص مايدور من نقاش بين مكونات القلب والنفس
-تدوين خلاصات ماتنتهي إليه الهواجس والمشاعر والعواطف و الميول ...
-التدبُّر في خلق السموات والأرض
-التفكُّر والتذكر في ملكوت اللّه ووضع الحسابات والمآلات
-التّمييز بين الخير والشر والنفع والضر.
-إستدعاء الذكريات وإسقاطها على الواقع
-تخزين ما تقع عليه الجوارح (لاسيما السمع والبصر )...الخ
    لكن أهم العبادات المسندة للعقل المؤمن عبادتان هما:
*التأمل والتفكر في عظمة الخالق وجلال قدرته ,كون هذه العبادات آية من آيات الله تعالى للذين أنعم الله عليهم بكثرة ذكره وشكره قياما وقعودا وعلى جنوبهم:«ويتفكرون في خلق السماوات والأرض... »
*الإعتبار بما يحدث في هذا الكون من صراع ونزاع ونهايات مؤسفة للطواغيت، و «عقلها »بما يجعلها مؤشرات توبة ونذر إستقامة حتى لا يقع  الإنسان ضحية سوء إستخدام عقله فيندم : «وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السّعير » وللأسف الشديد فإن العبادة العقلية صارت في حياتنا قليلة، بل هي فينا منعدمة أحيانا، لأننا لا نتأمل ولا نتفكر في عظمة الخالق ولا نعتبر بمصارع الطّغاة من حولنا ,وكلما "عطل" الإنسان وظيفة من وظائف العقل إبتعد عن منازل التكريم ونزل إلى مراتع البهائم التي لا تعقل ماحولها  :« إن شر الدوآبّ عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون »ولذلك كانت أعظم نعمة ينعم الله بها على عباده المتّقين هي تناغم عبادة القلب مع عبادة العقل فيصبح التسبيح تعظيما لله ,والحمد ردا لكل فضل لله ,والشكر إعترافا بعجز المخلوق أمام قدرة الخالق وكثرة آلائه عليه، والصيام تعظيما لشعائر الله لأنها من تقوى القلوب .

       هذان هما الصنفان البارزان في مستويات العبادة (القلبية والعقلية) بينّاهما باختصار، وقبل أن أستعرض الصنف الثالث والرابع، أذكرك بأن المواد العشرين (20) من القانون الأساسي لمدرسة الريان سوف تكون متضمنة في هذه الأصناف الأربعة، فلا أحب أن أثقل عليك بسردها مادمنا قد جلسنا على مقاعد الدراسة وبدأنا بشرح درس برنامج التشغيل الكامل، فقد سلّمنا بأنّ عضويتك في هذه المدرسة تامة وعليك أن تأخذ ورقة وقلما وتلخص هذا الدرس الأول بانتظار الدرس الثاني الذي سيكون بعنوان :ويعلم ما جرحتم بالنهار   .

وتقبل الله منا ومنكم الصلاة والصيام والقيام     

إقرأ أيضا :
عواطف رمضانية 1