الأخذ بالأسباب للفوز في الانتخاب

بداية يجب أن يكون العمل لله تعالى وحده لقوله تعالى:   يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ . وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ   (الآيتان 7/8 من سورة محمد ) ، أي الإخلاص في العمل فلا يكون العمل في سبيل الله إلا بالإخلاص له عز وجل في السر والعلانية ، لا رياء فيه ،  وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَراً وَرِئَاءَ النَّاسِ  ( الآية 47 من سورة الأنفال ).

وأعلم حفظك الله ، أن الإخلاص في العمل والتوكل على الله تعالى لا يتعارض إطلاقا مع الأخذ بالأسباب ذلك أن الله تعالى جعل لتحقيق الانتصار الأخذ بالأسباب وإتباع نواميس الكون، وسنن الحياة ، وكما هو معلوم فإن التوكل ليس هو الاتكال، وقد لخصَّها نبينا صلى الله عليه وسلم في الحديث الشهير الذي رواه الترمذي، عن أنس بن مالك وقال بعضهم أنه ضعيف :{ أعقلها وتوكل على الله}.
والتوكل على الله هو تفويض الأمر إليه تعالى وحده وهو واجب، بل أصل من أصول الإيمان؛ لقوله تعالى:   وعلى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ   ( الآية 23 من سورة المائدة ).

غير أن التوكل على الله تعالى لا يتنافى مع الأخذ بالأسباب ، فالذي يريد الحصول على محصول وافر عند الحصاد لا يكفيه رمي حبات من القمح أو الشعير أو الفول أو غيره في فلاة، وانتظار موسم الحصاد، وإنما علية اختيار حبوب ذات نوعية جيدة وتربة خصبة في موطن معتاد على الأمطار، أو يسقيها بيده، ويحرسها ليل نهار من الدواب والحيوانات، ويكافح الأعشاب الضارة بالمبيدات...  كل ذلك مع التوكل الكامل على الله تعالى الذي بيده وحده كمال العملية، لأنه مع كل هذا قد تأتي النيران عليها يوم حصادها فتصبح هشيما تذروه الرياح.

والذي يتوكل على الله ويرجو منه أن يرزقه ذرية قرة عين، ولكنه لم يتزوج الودود الولود يحتمل ألا تكون له ذرية أبدا، أو كالذي يدخل السوق وليس بيده سلعة لا رائجة ولا كاسدة ولا معرفة له بقواعد التجارة، فلا بد أن يخرج منها فارغ اليدين، فهذه أصول الحياة جعلها الله تعالى بهذه الموازين، لا يتحقق شيء من دونها إلا بمعجزة إلهية لنبي من أنبيائه أو بكرامة إلهية لعبد صالح من عباده.

والتوكل على الله مع إعداد القوة واستعمال سنن الحياة وهذا لا جرم من أعظم عوامل  الفوز في الدنيا والآخرة،  فإذا توفرت هذه الشروط ، فيترك الأمر لله تعالى:   فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِين   ( الآية 159 من سورة آل عمران(
 وأعلم أخي الكريم، أن استشارة المعنيين بالأمر، وأخيار الناس والعارفين واجبة وضرورية ، ففي الناس من له دراية بأمور الدنيا والدين، ومنهم من خاض مثل هذه المعارك ويعرف خباياها، ومنهم من لديه أسرارها، ومنهم من إن وقف معك أكثر سواد العاملين وشجعهم وآزرهم وثبتهم لمكانته في الناس.

ويقولُ بعض السلف" ما خاب من استخار، وما ندم من استشار " ويقول أحدهم " من أُعطِي أربعًا لم يُمنع أربعًا : من أُعطِي الشكرَ لم يُمنع المزيد ، ومن أعطي التوبةَ لم يُمنع القَبول ، ومن أعطي الاستخارةَ لم يمنع الخِيرة ، ومن أعطي المشورةَ لم يُمنع الصواب " ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " ما ندم من استخارَ الخالق ، وشاورَ المخلوقين وتثبّت في أمره "،  فالثبات الثبات، ثم التثبت التثبت.

وأعلم يرحمك الله أن من شروط التمكين بعد الإخلاص لله تعالى والتوكل عليه ، إسناد الأمر إلى أهله العارفين به، وتقديم النصح لهم ومساعدتهم، وترك الخلافات الفرعية، وتفاصيل الأمور فهي مسالك الشيطان، والأخذ من التجارب السابقة باجتناب السلبي منها والاستفادة من الايجابي منها، ثم أن المواقع تتحكم في المواقف، فليست الثكلى كالنائحة، والرأس أول من يتقبل الضربة، وإذا أصيبت الرأس فما بالك بالأطراف. فالفهم الفهم فيما  يعرض علينا ، والتأني التأني في تقليب الأمور.

وأعلم أخي، أن المسؤولية تقع على عاتق الجميع، لكنها على عاتق القادة المكلفين الحاليين أعظم، وأنه لا يجوز للقائمين على شأن الجماعة ترك الأمور تسيير نحــــو الأسوأ إلا إذا أخذوا بجميع الأسباب لتحقيق الانتصار، والبحث الدقيق عن مسالك وسبل النجاح، ولو باللجوء إلى  قاعدة (لزوم ما لايلزم) أخذا بالقاعدة الأصولية (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب). وإذا كان واجب المحافظة على الجماعة وعلى المصلحة العليا للأمة وللوطن لا يتم إلا بسلوك  هذا الطريق أو ذاك السبيل فما على المسئولين ـ قادة وجندا ـ  إلا سلوكه.

والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل