رسالة العيد : عيد بثوب جديد و فكر رشيد




إن الإحتفالات بالذكرى 57 للثورة المظفرة وكذا بعيد الأضحى لهذا العام سوف تأخذ طابعا آخر غير الذي إعتادت عليه الشعوب الإسلامية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية لأربعة أسباب كبرى فيها من جهد البشر القليل، وفيها من لمسات الغيب الكثير، ولكنها من نعم الله تعالى علينا، التي لو عددناها لا نُحصي لها عدًّا لأنّها مترامية الأطراف بلا حد.

أبدأ بالأسباب الأربعة التي سوف تعطي طعما جديدا لإحتفالات هذا العام وتحولها من طابعها الرسمي إلى طابعها الشعبي، وهي :

1- كسر حاجز الخوف : لم يعد مواطن واحد على طول الخارطة الجغرافية العالمية للعالم الإسلامي يخاف أحدا إلا اللهّ ، فبعد بروز ظاهرة "الحرق الإحتجاجي" إنكسرت كل حواجز الخوف من السلطان و صارت كلمة  "الشعب يريد.." تزرع في مفاصل الحكام الرعب الذي أفرز مصطلحات جديدة منها "هرب " في تونس ،و"تنحى" في مصر، و"قتل" في ليبيا، و"فاته القطار" في اليمن و"إرحل" في سوريا..والحبل على الجرار..
2- نهاية التأبيد والتوريث : بعد الذي حدث في عالمنا العربي لم يعد أحد يجرؤ على أن يتحدث عن دستور تمدد فيه العهدات الرئاسية، كما لم يعد واردًا في الخطاب السياسي الرسمي والحزبي الحديث عن "توريث" الحكم للأقربين..فقد فرضت حركة الشعوب الغاضبة منطقا جديدا للتداول على السلطة : إما قوة الحق و إما حق القوة. والعالم لم يعد يتحمل المزيد من "حق القوة". بعد أن صار الشعب هو الحكَم.
3- صعود التيار الإسلامي: ففي كل الأقطار التي حدثت بها ثوارت بزغ نجم التيار الإسلامي ،كما أن الإنتخابات النظيفة والنزيهة – رغم أنها أولية ومؤقتة وانتقالية للتأسيس - إلا أن نظافتها ونزاهتها إستلت إعجاب العالم كله، وحققت نتيجتين باهرتين هما:
- نهاية العزوف الإنتخابي بالمشاركة الكثيفة للناخبين بسبب جدية الانتخابات ونظافتها ونزاهتها.
- إنحياز الطبقة الشعبية للإسلاميين بتصويت ثقيل مرجح للخيار وصانع للفرق..وجاعل نهاية لمسمى "فزاعة الإسلاميين" ومشجَب الأصولية!؟
مما يعني أن "الكتلة الناخبة النائمة" التي بيدها قرار ترجيح كفة الصراع لصالح من تريد أن يحكمها – هي في مجملها-كتلة اليائسين من التغيير عن طريق الصندوق بسبب ظاهرة العزوف الناجمة عن التزوير الفاضح للنتائج ومصادرة إرادة الشغب
4- عودة القضية المركزية إلى الواجهة: بعد الذي حدث لأسطول ا لحرية من إعتراض وعدوان، وما تحقق ببركة دماء الشهداء الذين سقطوا فداء لفلسطين..واستمرار محاولات كسر الحصار عن غزة، كللت جهود الناشطين في العالم بخلخلة الإدارة الصهيونية ،وتسارعت الأحداث بعد "تنحي" حاكم مصر إلى أن كللت بتحرير أزيد من 1000أسير فلسطيني في مسمى "صفقة تبادل الأسرى" وهو ما يعني أن سلاح المقاومة –التي كانوا يسمونها عبثية-قد بدأ يؤتى أكله باعتراف الأسرة الدولية بحركة المقاومة الإسلامية (حماس) والتحاور معها مباشرة. بعد أن عجزت كل وسائلهم عن تحرير الجندي "شاليط".

فماذا تعني هذه المؤشرات الأربعة؟

إنها تعني، باختصار:
أن العالم قد تغير في مجمله ، وتغيرت نظرته للأشياء، لاسيما في "الأجزاء" التي مستها الثورات الناعمة (تونس، مصر) أو بعد الثورات العنيفة (ليبيا)..وأن الأجزاء التي لم يمسها التغيير بعد، سوف تداهمها فيضانات العولمة التي زادت في وعي الشعوب عبر الوسائط الإعلامية التي غيرت كل شيء إلا "ذهنيات" الأنظمة الشمولية ،فقد كان يفترض –بعد شنق حاكم العراق يوم عيد الأضحى المبارك سنة 2007-أن تعيد الأنظمة الحاكمة في الأقطار العربية كلها النظر في سياساتها وممارساتها على ثلاثة محاور كبرى هي مربط الفرس لكل ما يحدث في العالم من حولنا :
- محور علاقة الأنظمة مع شعوبها، لاسيما الشباب والنساء والشرائح الأكثر فقرا..
- و محور الديمقراطية والحريات والتداول السلمي على السلطة
- ومحور العلاقات الخارجية للتحول من التبعية إلى التعاون
فبعد أربع سنوات مرت على "شنق " صدام حسين صبيحة يوم عيد الأضحى المبارك، في مشهد مذلّ للكرامة الإنسانية ومستفز للمشاعر الإسلامية..تابع العالم كله – في مشهد أكثر إذلالا وإستفزازا- "بهدلة" قتل معمر القذافي بكيفيات مهينة، وغير إنسانية وغير إسلامية.. ولم تصدر أية جهة رسمية  -في العالم العربي  كله- بيانا رسميا تشرح فيه موقفها الرسمي مما حدث لحاكم العراق (قليل الحيلة)، كما لم تفعل تجاه ما حدث للقائد الليبي (سيئ الحظ).
بناءا على هذا "الصمت الرسمي" تحركت حتميات التاريخ الخاضعة لسنن الله لتصنع مسارها الكرونولوجي الطبيعي خلال أربع سنوات رابطة بين أكتوبر 2007- واكتوبر2011، ومع كل الذي حصل، طوى الزمن صفحات مؤلمة من تاريخ أمتنا وفتح صفحات جديدة على وقع ثلاثة أعراس سوف تمهد لما بعدها وهي:
العرس الديمقراطي في تونس التي منها إنطلقت شرارة الثورة على التأييد والتوريث  والتهميش والإقصاء،ومنها إنطلقت "العدوى" إلى مصر، فليبيا، فاليمن، فالبحرين، فالمغرب، فالأردن،فسوريا..والحبل على الجرار
والعرس الإنفتاحي في مصر التي كانت "أم الدنيا" بدفاعها عن القضايا العربية وتبنيها للقضية الفلسطينية وإشعاعها الإسلامي بالأزهر الشريف. ثم تحولت فجأة – بعد كامب دافيد- لتتنكر لإسلاميتها وعروبتها و"قوميتها"..فتخرج عن الإجماع العربي، وتدير ظهر المجن للأشقاء في فلسطين وتهدم الأنفاق التي هي شريان الحياة بين غزة والعالم الخارجي.. بل ويقيم نظامها البائد الجدر الفولاذية فوق المعابر لمنع تهريب الدواء للجرحى والحليب للأطفال..فإذا بالشعب المصري العظيم يثور على هذا الواقع المهين ويسقط  "فرعونه" ويكسّر الحصار الرسمي على مصر المحروسة ويبدأ طورا جديدا من الإنفتاح على نفسه وعلى الديمقراطية والحريات..
والعرس الفلسطيني المتمثل في عودة القضية الفلسطينية إلى واجهة التداول الإعلامي والتعاطي السياسي العالميين، وما لعبته الأساطيل والقوافل من كسر الحصار، وقد كان للحركة-بفضل الله تعالى-دور محوري في هذا الشرف، وهو ما سوف يفتح الصراع ضد الكيان الصهيوني على أسلوب جديد من التدافع.. بدأت تباشيره تلوح في الأفق بعد نجاح صفقة تبادل الأسرى؟؟
  فيا ذكرى الثورة المباركة، ويا أيها العيد السعيد، حللتا أهلا  على أمة بدأت تعيد اكتشاف ذاتها بعد أن فقدت كل أمل في الإنبعاث، فها نحن في الجزائر نستقبلكما بأمل جديد، (كما يستقبل العالم الإسلامي كله عيده المبارك، بثوب جديد) أما في الجزائر فمازال بأيدينا قرارنا في الذهاب إلى إصلاحات شاملة جادة وعميقة نربط بها أمل جيل الإستقلال بجيل الثورة التي نحتفل اليوم بذكراها السابعة والخمسين (57)  بأمل فريد هو أن يحفظ الله الجزائر من تداعيات "الربيع العربي" بالخروج من دوامة المراحل الإنتقالية ومحاولات تعويم الإصلاحات وتحزيبها، فيا أيها الشباب إننا ندعوكم بإخلاص إلى أن تدركوا حساسية المرحلة وإلى المساهمة الجادة في فتح الملفات الأساسية للإصلاحات المأمولة لنحتفل العام المقبل على وقع الأعراس الثلاثة للجزائر : العرس الديمقراطي، وعرس الإنفتاح، وعرس الانتصارات الكبرى في فلسطين، وبها تتوج الجزائر بأزهى أعراسها.
تهانينا بذكرى أول نوفمبر 1954


وتمنياتنا لكم جميعا بحسن القبول والصلاة على الرسول (عليه صلوات الله وسلامه).

 عيد مبارك سعيد

رئيس الحركة
الشيخ أبو جرة سلطاني