أسطول الحرّية (3) .. قصّة تحدّي

image

أسطول الحرّية (3) .. قصّة تحدّي

الجزء: 02

النائب: حمدادوش ناصر

من انجازات القضية الفلسطينية: تنامي ظاهرة التّعاطف الدّولي والتفاعل الإيجابي العالمي مع القضيّة شعبيًّا ورسميًّا، تزامنًا مع انكشاف الوجه القبيح الإجرامي والوحشيّ للعدوّ الصّهيوني، فابتكر "الشّرفاء والأحرار في العالم" نوعًا جديدًا من التّضامن الإنساني مع الشّعب الفلسطيني، فكانت فكرة "كسر الحصار البحري"، والتي بدأت بقواربَ صغيرةٍ ثم بسفنٍ متوسّطة ثم بأساطيل كبيرة.

حيث نجحت: 05 قوارب بالوصول إلى شواطئ غزة سنة 2008م، وهي: سفينتا "الحريّة" و"غزّة الحرّة" في أوث 2008م وأقلّتا أكثر من: 40 متضامنًا من: 17 دولة، وسفينة "الأمل" في أكتوبر 2008م وكان على متنها: 27 ناشطاً عربياً وتركياً وأوروبياً، وسفينة "الكرامة" في نوفمبر 2008م وعلى متنها: 22 ناشطاً، بينهم وزيرة التعاون الدّولي البريطانية في حكومة "توني بلير" السابقة "كلير شورت"، وسفينة "الكرامة القطرية" في ديسمبر 2008، وكانت تحمل على متنها: شخصيات وجمعيات خيرية قطرية بمساعداتٍ طبيّة.

فيما منع "العدو الصهيوني": 05 قوارب أخرى، وهي: سفينة "المروة الليبية" في ديسمبر 2008م وكانت تحمل:3000 طن من المساعدات الغذائية والطبّية، وسفينة "العيد" في ديسمبر 2008م وكانت تحمل مساعدات طبية وإغاثية مقدّمة من فلسطينيي 1948م، وسفينة "الكرامة" في جانفي 2009م والتي سيّرتها حركة "غزّة الحرّة" ومقرّها في قبرص وقد تمّ احتجاز ركّابها، وسفينة "الأخوّة اللبنانية" في فيفري 2009م، وسفينة "روح الإنسانية" في جوان 2009م لحركة "غزة الحرّة" أيضا، والتي شارك فيها نشطاء أوروبيون وعرب.

 ثمّ تطوّرت أسطورة التحدّي للحصار، والجرأة على المواجهة السّلمية للاحتلال الصهيوني إلى أساطيل الحرّية.       

فكان أسطول الحرّية (01) في: 31 ماي 2010م، حيث قرّرت: 6 منظمات دولية غير حكومية، أهمّها هيئة الإغاثة الإنسانية التركية  (İHH)تجهيز أسطول الحرّية المكوّن من: 5 سفن، أكبرها سفينة "مرمرة" التركيّة، وعلى متنه حوالي: 750 ناشطًا من: 37 دولة، وأسفر الهجوم الصهيوني عليه عن استشهاد: 10 من المتضامنين الأتراك، وجرح حوالي: 50 آخرين.

 ثمّ كان أسطول الحرّية (02) عام: 2011م، والذي يتكوّن من: 04 سفن تضامنية، تُقِلّ على متنها نحو: 60 ناشطًا من: 22 دولة للإبحار من اليونان، ولكنّ الضغوط الصهيونية والتي وصلت إلى استصدار أمرٍ من الأمين العام للأمم المتحدة بمنعِ دول البّحر الأبيض المتوسط من السّماح بانطلاق هذا الأسطول من أراضيها وموانئها، إضافة إلى جرأة "الموساد" وعملائه على تخريب السّفن والاعتداء على النّشطاء داخل الأراضي اليونانية حال دون انطلاقه.

ثمّ جاء أسطول الحرّية (03) هذه السّنة (2015م)، والذي يندرج ضمن التطوّر النّوعي لاستراتيجية توسيع التضامن العالمي (الشعبي والرسمي) المتزايد مع القضية الفلسطينية، بعد أن ابتكر "الشرفاء والأحرار في العالم" فكرة كسر الحصار البحري عن "قطاع غزة" المحاصر حصارا وحشيا وظالما منذ حوالي: 09 سنوات برّا وبحرا وجوًّا، مع تغوّل الحصار حاليا ليمتد إلى الحصار تحت الأرض بغلق وتدمير الأنفاق التجارية والإنسانية بين قطاع غزة ومصر، ويأتي هذا الأسطول ليثبت للعالم وللعدو الصهيوني الاستمرار والثبات والتراكمية في تجربة هذا "الجهاد المدني" لكسر الحصار عن الشعب الفلسطيني، ونحن نعتبر مجرد انطلاقه ووصول "السفينة السويدية: ماريان" لنقطة التّماس مع العدو الصهيوني والاعتداء عليها وقرصنتها بطريقة تكشف الوجه القبيح لهذا العدو هو: نجاحٌ في حدّ ذاته، وقد حقّق هذا الأسطول أهدافه والمتمثلة في: الإصرار والثبات على هذه الأساطيل، ومواجهة الغطرسة الصهيونية بمزيدٍ من الطابع السّلمي والسياسي والإنساني، وكشف الوجه القبيح للعدو الصهيوني، وتعرية إسرائيل أمام المجتمع الدولي والضمير الإنساني، ولفت أنظار العالم إلى مركزية القضية الفلسطينية وإعادتها إلى الواجهة، ولفت أنظار العالم إلى هذا الحصار الظّالم غير الإنساني وغير القانوني وغير الأخلاقي على الشعب الفلسطيني، ولفت أنظار العالم إلى وجود احتلالٍ الذي لابد أن يزول، وفضح الممارسات الوحشية للعدو الصهيوني ضد المتضامنين السّلميين، وكسب المزيد من التعاطف الدولي والحلفاء الجدد للقضية المركزية، والتأكيد أن هذا العدوّ هو المجرم وليس الضحيّة، وأنّه يشكّل تهديدا للسّلم والأمن العالميين، وأنه يشكل خطرا على استقرار المنطقة، وأنه العدوّ الحقيقيّ وسبب التّوتر فيها، وترسيخ الحقيقة بأنّ "إسرائيل" متمرّدةٌ عن القانون الدولي وحقوق الإنسان، وأنّها لا يمكن أن تخدع العالم بديمقراطيتها أو إنسانيتها الزّائفة، ممّا يزيد في إحراجها والضغوط عليها، وأنّ تهمة "الإرهاب" لابد أن تنتقل إلى ضفّتها، مع إضافةِ المزيد من الجرائم إلى سجلّها الأسود، وأنّ القانون الدّولي سيأخذ مجراه الطبيعي ضدّ قادتها يوما ما.      

 *) قصّة الأسطول .. الأسرار والخفايا: 

كانت هناك تجربةٌ مريرة وعَثْرةٌ قاسية في أسطول الحرية (02) سنة 2011م، حيث تمكّن "الموساد" وعملائه في اليونان من تخريب وتعطيل سفن الأسطول والاعتداء على النّشطاء والمتضامنين، في اعتداءٍ صارخ على السيادة اليونانية وفي قلب عاصمتها "أثينا"، كما بلغت حجم الضغوطات الدولية على اليونان إلى درجة استصدار الأمين العام للأمم المتحدة قرارا بمنع دول البحر الأبيض المتوسط للسّماح بانطلاق هذا الأسطول من أراضيها وموانئها، وتمكّن العدو الصهيوني من إجهاض الأسطول، فلم ينطلق ولم يحقّق أهدافه ولم يبلّغ رسالته للعالم..                                      إلى أن جاء أسطول الحرية (03)، والذي يتكوّن من: 06 سفن، وبمشاركة: 65 متضامنا من: 25 جنسية من مختلف الأديان والقارّات، وكانت خطّته تقضي بوصول السفينة رقم (1) "سفينة ماريان السويدية" إلى قبالة المياه الإقليمية لليونان، ومرابضتها في المياه الدولية خوفا من تغيّر الموقف اليوناني واستجابته للضغوط الدولية، ثمّ تلتحق بها السفينة رقم (02) بعرض البحر، وهما السفينتان المبرمج لهما الاقتحام والوصول إلى قطاع غزة مهما كانت التهديدات الصهيونية، أما السفينة رقم (03) فقد تمّ إعطابها من مجهولين، ولم يتم الإعلان عن ذلك حفاظا على السّرّية وعدم التشويش على الأسطول، وأمّا السّفن رقم: 04 و 05 و 06 فهي سفن مكريّة من شركات نقل يونانية، وهي مشارِكةٌ للدّعم والإسناد فقط، وتحاول الوصول بالسفينتين (01) و (02)، وتنقل إليهما بعض النّشطاء في عرض البحر ثم تعود، لتكون نواةً للأساطيل القادمة.

 كنت في السّفينة رقم (05) وفق إرادة وتقسيم المنظّمين، والذي حدث: أن سفن الدّعم والإسناد الثلاثة تأخّرت عن الوصول بسفينة "ماريان" لأسبابٍ أثارت في أنفسنا شكوكا كثيرة، حتى باغتها العدو الصهيوني وقام بجريمةِ قرصنتها في المياه الدولية قبالة المياه الإقليمية لمصر (شاطئ الإسكندرية)، والذي يؤكد نوعا من التواطؤ، وبالتالي لم نلحق بها ولم نكن ضمن طاقمها، وعند اقتحامها صبيحة يوم الإثنين: 29 جوان 2015 في الساعة: 03:12 صباحا، جاءتنا الأوامر من قيادة الأسطول بالرّجوع في حدود الساعة: 04:30 إلى الموانيء اليونانية، أمّا السفينة رقم (02) والتي يُفترض أن تكون مع سفينة ماريان رقم (01) فقد تمّ تعطيل انطلاقتها يوم السبت: 27 جوان 2015م بضغوط دولية ومن السفارة الصهيونية باليونان، فلم تنطلق أصلا..    

 ولذلك كان التحدّي الأكبر في أسطول الحرية (03) هو النّجاح في الانطلاقة وتبليغ صوته للعالم، وهذا الذي وقع، وهذا لا يعني أنه لم تكن هناك تحدّياتٌ وصعوبات، وتبقى العقبة الكبرى لهذه الأساطيل هو البلد الذي يحتضن انطلاقة هذه القوافل البحرية، فكانت هناك ضغوطات رهيبة على اليونان، خاصة وهو يواجه أزمة الديون وتوتر العلاقة مع الاتحاد الأوروبي والتهديد بإخراجه من منطقة "اليورو"، كما أن رئيس الوزراء اليوناني من أصدقاء القضية الفلسطينية وكان ضمن أسطول الحرية (02) سنة 2011م، إضافةً إلى شعورنا بوجود الموساد على الأرض، وعن طريق بعض المراسلين لقنوات إسرائيلية، وتتبّعهم لكلّ كبيرةٍ وصغيرة عن تحضيرات هذا الأسطول، مما زاد من الاحتياطات والتحفّظات، فقد كنّا في حربٍ حقيقية ومفتوحةٍ مع العدوّ الصهيوني..

لقد كانت الرّحلة شاقةٌ و متعبة، وتأخّر موعد انطلاق الأسطول لظروفٍ جوّيةٍ متعلقةٍ بالبحر، وكذا التهديدات الصهيونية والضغوط الممارسة على اليونان، كما أن الأسطول كان يتكوّن من سفنٍ صغيرةٍ فكانت الرّحلة فيها قاسيةً جدًّا، خاصة لمن كانت لديهم مشكلةٌ مع دوّار البّحر، وأنت تعيش بعض المعاني الواقعية لقوله تعالى عن سفينة سيّدنا نوح - عليه السلام:" وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ.." (هود:42)، مع شدّة الحرارة وتقلّبات الرّياح ومصارعة أمواج البحر وطول المسافة (حوالي: 1200 كلم) ولمدّة: 05 أيام، بعد أن قطعنا حوالي: 800 كلم، وبسرعةٍ بطيئةٍ، تقدّر الساعة فيه باليوم (حوالي:15 كلم/سا)، مع التهديدات الصهيونية باعتراض الأسطول، وتحليق الطائرات العسكرية فوقنا وعلى مسافات منخفضة، وانقطاع الاتصالات بالعالم الخارجي، وكنّا معرّضين للأخطار في أيّ لحظة، من الجوّ أو من سطح البحر أو من تحته بالغوّاصات، وكان عزاؤنا وسلوانا دعاءَ رسول الله صلى الله عليه وسلّم الذي لم يكن يدعه: " اللّهم احفظني من بين يديّ ومن خلفي، وعن يميني وعن شمالي، ومن فوقي وأعوذ بعظمتك أن أُغْتال من تحتي..".

تابع الجزء الأول من الرابط