عواطف رمضانية


- شروط الإنتساب : صيام شهر رمضان ليس مجرد حمية (رجيم) يمارسها أصحاب أمراض السمنة، ولكنه، فوق كونه قاعدة من قواعد الإسلام الخمس التي لا يصح إيمان المسلم إلاّ بتطبيقها لقوله صلى الله عليه وسلم : "بني الإسلام على خمس" وهي شهادة أن لا إله إلاّ الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله لمن إستطاع إليه سبيلا. فهو كذلك مدرسة للصابرين وفرصة للشاكرين..
لكن الإنتساب لمدرسة الصوم يتطلب أن تتوفر في المنسب إليه خمسة شروط ليكون "عضوا" كامل العضوية في مدرسة "أهل الجائزة"، وهي الشروط الأساسية للإنتساب، لأن هناك شروطا أخرى للقبول (هي القانون الأساسي والنظام الداخلي لهذه المدرسة) سنذكرها لاحقا إن شاء الله.
أما شروط الإنتساب فهي :

- النية : ومحلها القلب، لأنها تحدد هدفك من الإمساك عن الطعام والشراب وسائر المفطرات من طلوع الشمس إلى غروبها لتخرج من خسارتين ماحقتين كثيرا ما يقع فيهما بعض الصائمين، وهما :
- خسارة التعب بلا أجر (الحديث الشريف).
- خسارة والجوع بلا ثواب (الحديث الشريف).
فالنية تحدد طبيعة العمل : "إنما الأعمال بالنيات.." لذلك قال صلى الله عليه وسلم : "من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له" أي من لم يعزم على أداء فريضة  الصيام بقلب أسلم قياده لله تعالى فإنه لم يصم (فالنية هي التي تحدد الهدف من الإمساك)، كون النية ركنًا عند البعض (وهي شرط كذلك) لإنعقاد الفعل بها ووضوح الهدف منه.
ويمكن أن تكون النية عامة  في ليلة أول رمضان – قبل الفجر- لصوم الشهر كله، كما يمكن تجديدها في كل ليلة بإحياء سنّة السحور، فالقيام للسحور بمثابة النية، لذلك قال صلى الله عليه وسلم "تسحروا فإن في السحور بركة".
فالنية شرط أساس (بل هي ركن) لصحة الصوم، كما أنها شرط لازم للإنتساب لمدرسة "أهل الجائزة".

- الإيمان : هو الباب الذي يدخل منه الناطق بالشهادتين إلى ملكوت رب العالمين، أما غير المؤمن فلا يقبل الله منه عدلا (فرضا) ولا صرفا (نافلة)، ولكن الإيمان درجات : يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي، فكلما إجتهدت في تنفيذ شرع الله تعالى  والإمتثال لسنة المصطفى (صلى الله عليه وسلم) زاد إيمانك، والعكس صحيح..وليس إيمانك كإيمان العشرة المبشرين بالجنة، ولا إيمان سائر الصحابة عليهم الرضوان كإيمان رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، ولا إيمان الأنبياء والمرسلين جميعا عليهم السلام كإيمان أولي العزم من الرسل..وهكذا :
- فأقل الإيمان النطق بالشهادتين
- وأعلاه مراقبة الله تعالى كأنك تراه
وبينهما إيمان المجتهدين ودرجة المقتصدين، وعليك أنت الإجتهاد في الطاعات (ما إستطعت) والإنتهاء عن المعاصي ما ظهر منها وما بطن، "ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فانتهوا" فإن زللت وتبت تاب الله عليك "ويتوب الله على من تاب". وأقرب ما تُقبل التوبة خلال الشهر الفضيل لأن أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار.

- الإحتساب : معناه ردّ كل عمل تقوم به لله وحده، وطلب الأجر والثواب من الله وحده، لذلك نحذر بعض الصائمين من إعتقادهم أنهم أصحاب مزايا لأنهم صائمون، فإذا صاموا أعتقدوا أن من حقهم الصخب والصياح في وجوه الناس، والردود الخشنة، والمعاملات الجافة..والخطأ في حقوق الناس..لأنهم يعتقدون أن صومهم "عقوبة" تعطيهم حق الخطأ و"حق النرفزة" بينما من روحانيات الصوم :
- أنه شهر التجليات الربانية عطفا وكرما ومغفرة وإحسانا..
- وأنه شهر القرآن : تلاوة وتفكرا وسباحة في الملكوت
- وأنه شهر الملائكة (عليهم السلام) يشاركون الصائم ملائكيته
- وأن الصائم إيمانا واحتسابا يتشبه بملائكة العرش
- وأنه شهر التنظيم (كل لحظة فيها عبادة خلال 24 ساعة) حتى نوم الصائم خارج أوقات العمل والصلاة عبادة.
- وأنه شهر القيام الذي تتحول فيه ليالي رمضان إلى محاريب للذكر والشكر والدعاء والتراويح والتهجد..إلخ.
فهل بعد كل هذه الروحانيات يتحجج بعض الصائمين بجوعهم وعطشهم وقلة نومهم فيبطلون صومهم بالإساءة إلى الناس، فكم من المسلمين ناس يصومون كما نصوم ويفطرون كما نفطر ويتسحرون كما نتسحر، ويقومون الليل كما نقوم..ولكن قلوبهم ليست موصولة بالعرش (فمجال مغناطيس الإيمان لا يجذب شفافية الإحتساب) تماما كمن فقد مناعته المكتسبة فلا تنفع معه صيدليات الأرض كلها.

- الصبر :
فالصيام عبادة فيها إختبار لإحتياطي الصبر ورصيد التحمل بشوق وطاعة وتسليم إلى تنفيذ ما جاء في تعاليم الإسلام وهديه القويم، والعبادة الوحيدة التي تعطي لصاحبها الحق بالدخول إلى الجنة من غير حساب هي الصبر : "إنما يوفّ الصابرون أجرهم بغير حساب".
والصبر في رمضان صبران :
- صبر عام يعبد به المؤمن ربه كما كان خلال 11 شهر ماضية.
- وصبر خاص يجتهد فيه المؤمن بأن يضاعف العبادة أضعافا كثيرة لأن الله تعالى أعطانا فرصة إضافية لنفتح حسابا جاريا خاصا بالشهر الفضيل يكون رصيدنا فيه مضاعفا بمقدار التنافس :
- الحسنة بعشر أمثالها إلى 700 ضعفا (خاصة الصدقات).
- الفريضة بسبعين (70) فريضة فيما سوى رمضان.
- النافلة كأنها فريضة.
- التوبة بابها مفتوح على مصراعيه : "يا باغي الخير أقبل"
- إطعام الصائم "تأشيرة" إلى الجنة.
- صلة الأرحام تجديد للعلاقة بالله جل جلاله، فالرحم منه

- حسن الخُلق : أما هذا الشرط فالحديث فيه يطول، ولكني أختصره في ثلات كلمات صادقات هنّ :
* أثقل شيء في الميزان حسن الخلق
* أقرب المؤمنين منزلة من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يوم القيامة  أحاسن الناس خلقا.
* يتفاوت الناس في الدنيا بحسن الخلق، وتفاوت درجاتهم في الجنان يوم القيامة بما كانوا عليه من خلق عظيم.

02- القانون الأساسي : لكل مؤسسة قانونها الأساسي ونظامها الداخلي، وأنت الآن عضو في المدرسة الرمضانية، وعليك أن تعلم أن أول درس فيها هو الإطلاع على - القانون الأساسي- للمنتسبين إليها لتلتزم به، والذي يحتوي على 30 مادة بعدد مفردات المنهاج التربوي للتدريب الرمضاني المطلوب، وكذلك بعدد ليالي الشهر الفضيل.
- أول مادة فيه تنص على ضرورة "تفريغ" القلب إلاّ من حب الله و"تفريغ" العقل إلاّ من التفكير في عظمة الخالق ومآلك إليه يوم الحساب.
- والثانية تنص على العزم على تجديد الصلة بالخالق.
- والثالثة تنص على ترك جميع العادات السيئة. فالسنّة تغنيك عن العادة.
- والرابعة وضع برنامج شامل لشغل كل دقيقة من دقائق أيام رمضان ولياليه. تستزيد بها الحسنات وتستعطف بها الرحمات.
- والخامسة البدء بربط العلاقة مع ذوي أرحامك (خاصة الوالدان والأقربون). وأن تصل من قطعك "وخيركما من يبدأ صاحبه بالسلام)
- والسادسة إختر لك مصحفا واحدا تختم به القرآن مرتين على الأقل.
- والسابعة تذكر إخوانك في العالم الإسلامي (فلسطين، العراق، سوريا، ليبيا، اليمن، الصومال، تونس، مصر، الأردن، أفغانستان، باكستان، المغرب..إلخ) وادع الله لهم بأن يفتح عليهم وهو خير الفاتحين. (فمنهم من لا يجد ما يفطر به)
- والثامنة أن تخصص جزءا من مالك تتصدق به على المحتاجين، فإن الصدقة تطفيء غضب الرب وتعالج مرضاك وتفتح لك طريق  الخيرات والبركات.
- والتاسعة أجَّل حصة النوم قدر المستطاع إلى ما بعد شهر الصوم. (فلا صوم مع كثرة نوم).
- والعاشرة أول رمضان رحمة "فارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء". ومن معاني الرحمة أن تأخذ الناس على قدر عقولهم : "فما كل الناس يفهمون كما تفهم يا عمرو" وتقبل الله الطاعات.

وإلى العشرة الوسطى إن شاء الله.

ملاحظة : لا تنسونا من صالح دعائكم عند الإفطار، وعند القيام (التراويح) وعند السحور، فالدعاء معراج المؤمن. ومن دعا لأخيه بظهر الغيب قالت الملائكة آمين.