درس وعبرة : وقفوهم إنّهم مسؤولون

1. محاكمة دنيوية : تابعت مثلكم مجريات محاكمة رئيس مصر السابق، في أوّل يوم من أيّام رمضان معظم، وشاهدت مثلكم صورة الهوان التي تناقلتها شاشات العالم،  فوجدت نفسي أغرق في أعماق التّاريخ أُقلّب صفحات الطغيان، أُفتّش فيها عن حقيقة المسؤولية وتبعاتها، وأقف مشدوها أمام قوله تعالى: « وقفوهم إنهّم  مسؤولون » وقفزت أقلّب صفحات المصحف الشّريف لأعيد قراءة سورة الصّافات (كنموذج لتصوير نهاية الظالمين)، وذهلت من صفات هؤلاء المسؤولين الظالمين المفسدين، فكلّهم يشتركون في ستّ صفات مقيتة، هي:

- أنّ حياتهم كلها هزءا وسخرية واستخفاف بالنّاس وبالحقّ في ساعات الرّخاء .
- وأنّهم إذا ذكّرهم أحد بما ينتظرهم من حساب لا يتذكّرون لأنّهم لا يسمعون ولا يقبلون النّصيحة.ويظنّون أنفسهم فوق المحاسبة وفوق المساءلة والسّؤال..
- وأنّهم إذا رأوا أدلّة الحق قائمة يسخرون منها ومن أصحابها لأنّهم عن الحقّ غافلون.
- وهم غافلون عن يوم الحساب ويخلطونه بالسّحر والكهانة والخرافة لأنّهم لا يحبّون تقديم الحساب.وليسوا مستعدّين للسّؤال..ولم يخطر ببالهم أنهم سيحاكموا..
- يشكّكون في كلّ الحقائق الغيبية لأنّ آباءهم لم يُبعثوا.وما رجع أحد بعد الموت! ؟
- يكذّبون بيوم الفصل ولا يؤمنون بيوم الحساب فحياتهم دنيوية.وطغيانهم بلا حدود.

     فإذا جاء يوم الحساب حشروا مع أزواجهم وأقاربهم ـ لأن الظلم مؤسسات ـ وتحشر معهم معبوداتهم « أحشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون » وفي لحظات الحساب يتحدّاهم الحق تبارك وتعالى بأن يقدموا أنصارهم ومشجعيهم أو يطلبوا النّجدة ممن كانوا لهم يصفقون وبحياتهم يهتفون (بالروح بالدم نفديك يا زعيم )، فأين هؤلاء اليوم : « مالكم لا تناصرون  بل هم اليوم مستسلمون ». وقد رأيت هذا الإستسلام مجسدا..

   ولكي أمضي إلى ما هو أبعد من محاكمة زعيم مصر السابق، لأنني أحب أن نأخذ الدرس مما يحدث اليوم، وأريد مشاركتكم في فقهه، لذلك أدعوكم إلى أن تراجعوا مفردات الظلم الواردة في القرآن الكريم وتتوقّفوا عندها للتأمّل والتدبّر، وسوف تجدون أن الظّالم مهما طغى وتجبّر فانّ نهايته مؤسفة في الدّنيا وكبيرة يوم يقوم الأشهاد، وإنّي أنطلق مما حصل لبعض طغاة الأرض ـ في القديم والحديث  ـ   لأعرض على إخواني وأبنائي درسين عظيمين، أحدهما متعلق بالطّغاة الظالمين ونهايتهم، والثّاني متعلّق بأعوان الظّالمين ومصيرهم في الدّنيا والآخرة، والفرق بينهما (أي بين الطاغية والظالم)بسيط ولكنّه جوهري، ويمكن حصره في سبعة (07) أمور أساسية هي:
- الطغيان هو الظّلم المبالغ فيه، فكلّ ظالم إذا بالغ وأسرف وعمّ ظلمه النّاس..صار طاغية.
- الطّاغية يعلن عن طغيانه ويتباهى به.فهو رصيده الكبير..
- الطّاغية يختار الدّنيا ويعلن أن الآخرة «خرافة » وحديث مستضعفين.
- الطّاغية يعتقد أنه لا يحتاج إلى أحد، بما في ذلك خالقه جل جلاله.
- الطّاغية يزيده الحق طغيانا، فكلّما ذكّر بالحق زاد ظلمه وطغيانه.
- الطاغية يعتقد نفسه مشرعا ولا يحتاج إلى وحي من السماء.
- الطغيان حالة نفسية عقائدية تجعل صاحبها يدعي « الرّبوبية » إما بالقول الصريح كما فعل فرعون : « أنا ربكم الأعلى » أو بممارسات وتشريعات وظلم وبطش واستبداد... يجمعها كلّها بين يديه، فهو الآمر الناهي، وهو الخافض الرافع، وهو المعطي المانع ــ في نظر نفسه ــ فإذا حاصرته الأمواج (أمواج الجماهير أو أمواج البحر) قال : « آمنت أنه لاإله إلا الذي آمنت به  بنو إسرائيل وأنا من المسلمين » لكن هذا الإعتراف لا ينفع صاحبه لأنّه يأتي بعد فوات الأوان، كما حدث لفرعون عندما أدركه الغرق ؟  

   أما الظلم فحالة عامة تبدأ بشهوة يحبها القلب أو شبهة « يتفلسف » بها العقل، ثم تتحول تدريجيا إلى سلوك يغطي كلّ أقضية الحياة، وأشنع ما يكون الظلم أن يصدر عن مسؤول يضع بين يديه أقوات النّاس ويمسك بحريّاتهم..وكلما إتّسعت دوائر المسؤولية زاد حجم الظلم وطاول خلقا كثيرا .
  ويمكن تقسيم الظلم إلى أربعة أقسام كبرى هي :
- ظلم في حقّ الله جل جلاله
- وظلم في حقّ النفس
- وظلم في حقّ الناس
- وظلم في حقّ سائر مخلوقات الله (حيوانات ،نباتات ،جمادات ...)

والطّاغية هو الذي يمسّ ظلمه هذه المستويات الأربعة، فلا ينجو من طغيانه غيب ولاشهادة، ولايترك حاجة ولاداجة إلاّ طالها ظلمه..حتّى ينتهي إلى تدمير نفسه في الدّنيا (مذلّة وهوانا ونهاية مأسوية) وفي الآخر أشدّ وأنكى.
لذلك كانت المسؤولية «أمانة» وهي يوم القيامة «خزي وندامة إلاّ من أخذها بحقّها وأدّى الذي عليه فيها » كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم (من المسؤولية على النفس إلى الإمامة الكبرى) فالجميع مسؤول أمام الحق تبارك وتعالى ـ حتى الأنبياء والمرسلون عليهم السّلام – كل في دائرة إختصاصه وفي إطار مهمته وحيِّز صلاحياته :«  فلنسألنّ الذين أرسل إليهم و لنسألنّ المرسلين »
  - لا أحد يقف خارج دائرة المساءلة : « فوربك لنسألنّهم أجمعين »
  - حتى الصادقون يسألون : « ليسأل الصادقين عن صدقهم »
  - وعلى النفقة سؤال وحول طرقها أسئلة : « واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا »
  - والموءودة تسأل من باب تأكيد شناعة الفعل : « وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت »
  - ومن كانوا منعمين يسألون عن نعيمهم: « ثمّ لتسألنّ عن النعيم »
  - فالله أخذ عهدا على جميع المخلوقات في عالم الذرّ بأنّ يلتزموا بما هم فيه، والعهد مسؤول: « وأوفوا بالعهد إنّ العهد كان مسؤولا »
  - وكل فرد مسؤول عن ضبط جوارحه : « إن السّمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا »
المهم أن المسؤولية شاملة وعامة وفردية وجماعية، وكلّما إستزاد الإنسان من المسؤوليات ثقلت الأمانة وطالت قائمة الحساب المحكومة بحدين كبيرين:
- حد العدل المخفف للسّؤال.
- وحد الظلم المردي في الجحيم.

2. الظلم ظلمات:  كل ما يجري اليوم من تحوّلات على مسرح الأحداث في عالمنا العربي (تونس،مصر، ليبيا، سوريا، الأردن، المغرب، اليمن...و القائمة مفتوحة) سببه الأساس هو الظلم بجميع أنواعه في الاتجاهات الأربعة السّالفة الذّكر، ويزداد الظلم شناعة إذا صدر ممّن يعتقد أنّه مسلم ولكنه يقع في الظلم ويمارسه بأوسع المواقع ومختلف الوسائل:
  - ظلم في حق الله: وخلاصته ذهول المخلوق عن الخالق، وابتعاده عن أوامره ونواهيه، وتحكيم النّفس واتّخاذ الهوى إلها. (راجع الآيات الروم: 29، الأعراف: 06، لقمان: 13، المائدة:45، البقرة 225 و254) فهي نماذج دالة على ظلم العباد للرّسالة والمنهج بالاعتداء على شريعة الرّبوبية والإلوهية والملكية، وتجاوز كل الخطوط الحمراء في حق الله جل جلاله.
  - وظلم في حق النفس : بتحميل النّفس ما لم يحملها اللّه تعالى، والإبتعاد بها عن نداء الفطرة الصافية السّليمة، واستخدامها في المعاصي والشّهوات (راجع الآيات البقرة 134، الطلاق:01، النحل:118، آل عمران :117، إبراهيم :45) فهي نماذج دالة على ظلم الإنسان لنفسه عندما يعتقد أنه « ربّ نفسه » أو يدّعي الربوبية على النّاس أو يتطاول على محيطه وينسى أنه قبضة من طين ونفخة من روح، وأنّه راجع إلى ربّه للحساب: «و إنّ  إلى ربك الرجعى »
  - وظلم في حق الناس:  بأخذ حقوقهم، ومصادرة حرّياتهم، والتّضييق عليهم في العيش والكرامة، واكل أموالهم، وحكمهم بالشّهوة والشبهة(راجع الآيات هود:116، الكهف:59، الشعراء:227، الشّورى:42....)فهي تصوّر نماذج طغيان الإنسان وتكبره وتجبره وحبّه للهيمنة والسّيطرة على السّلطة والثروة واستعباده للبشرية وتشويهه لجمال الحياة واستهدافه للنفس والعرض والدّين والعقل والنّسل والمال...
  - والظلم العام: الذي لا يعرف صاحبه الحدود الدينية والعقلية والعرفية (راجع الآيات من سورة النّحل  :61، النساء:75، غافر:40، الأنعام:129...الخ.) فهي صور بشعة من العلاقات المضطربة بين النّاس على نحو يمتد الظّلم لكل ما خلق الله تعالى من حيوان ونبات وجماد، إذا ظهر الفساد في البرّ والبحر بما كسبت أيدي النّاس وكلّها صور مفزعة للظلم والطّغيان..
  ولكي لا أطيل، أتوقف عند صورة صادمة للمشاعر ترسمها العلاقة بين الظلم والفساد كونهما توأمين لزواج هجين هو الإستبداد:
    - فكل مستبد ظالم.
    - وكل ظالم فاسد.
    - وكل فاسد مستبد.

   ويمكن أن نرسم هذه العلاقة التّرابطية بين الظلم والفساد والإستبداد في المعادلات التالية(إستبداد+ظلم=فسادًا، فساد+ظلم =إستبدادًا، إستبداد+فساد =ظلمًا) ثمّ تأتي المعادلة البشعة: ظلم+فساد+إستبداد= طغيان، فالظلم يقود إلى الإستبداد ،فإذا إستبد الإنسان تحول إلى كتلة فاسدة ،مهلكة للحرث والنسل، فإذا إجتمع الظلم والفساد والإستبداد تحول الإنسان إلى« طاغية »  لا يصلحه إلا أحد الأمرين :
- أما إجتثاث الفساد من أصوله لأنه نبته شيطانية لا ينفع معها أيّ علاج لقوله تبارك وتعالى : « إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتّلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض » وهذه قمّة العلاج الرّادع للفساد والمفسدين.
- أو إنتظار موت المفسدين، لأنّ نهاية رموز الفساد لا تكون طبيعية، فهم ينتهون نهاية مأساوية كما إنتهى فرعون غريقا،وفي لحظة الغرق أعلن توبته و« إسلامه » لكن الله لا يقبل التوبة لحظة الغرغرة، لذلك ردّ عليه المولى تبارك وتعالى توبته بقوله: « آالان وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين »  وكانت نهايته بشعة (كنهاية كلّ طاغية) فيها عبرة لكل فرعون ودرس لكل طـــاغية: «  فاليوم ننجّيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية  وإنّ كثيرا من النّاس عن آياتنا لغافلون » ومازالت هذه الآية الفرعونية تتكرر بصيغ مختلفة!؟

3. يا ظالم لك يوم: أعجب ـ مثلما تعجبون معي ـ من طغاة مستبدين لا يقرأُون التّاريخ ولا يعتبرون بمصارع الطّغاة قديما وحديثا من أمثال (بينوشي ،شاوشيشكومثلا) وكثيرا من نماذج طغاتنا في عالمنا العربي والإسلامي، وأعجب أكثر عندما أرى ظلمة فاسدين مستبدين يتمسكون  « بالكرسي » الزّائل ويدمرون – من أجله- الحياة ويهلكون الحرث والنسل  وشعوبهم تصرخ في وجوههم : « الشّعب يريد رحيل النّظام » وهم يمعنون في التّقتيل والتّعذيب والإبادة والتّفاخر بالهولوكوست والمجازر الجماعية في حقّ شعوبهم،  دون أن يدركوا أنهم «ساقطون» لا محالة إمّا بأيدي شعوبهم أو بعاقبة ربّانية يمهل الله فيها الظالمين ولكن لا يهملهم : « فانظر كيف كان عاقبة المفسدين »

     وأعود إلى ما يجري في عالمنا العربي اليوم لأقرّر حقيقة لا مفرّ من التّسليم بصحتها وسريانها لأنّها من سنن الله في خلقه التي قررها القرآن الكريم بقوله تبارك وتعالى : «وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة و أنشأنا من بعدها قوما آخرين .فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون .لا تركضوا وارجعوا إلى ما أُترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون .قالوا   يا ويلنا إناّ كنّا ظالمين .فمازالت تلّك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين » وهو تصوير بديع لحالة تتكرّر بصور مختلفة، تختلف ممارسة الطّواغيت فيها، لكن نهايتهم واحدة: فمازالت تلك دعواهم حتى « جعلناهم حصيدا خامدين »

  فائدة عظيمة : كلّما زاد الظّلم واستحكم الطغيان وعمّ الفساد..كان ذلك مؤشّرا على نهايته، فاللّيل تشتد حلكته قبيل إنسلاخ الفجر، ولذلك أخطر وضع تواجهه الأمّة الإسلامية ليس طغيان الظلم وشيوع الفساد وتحكّم الإستبداد في الأعناق والأرزاق ...فهذه مؤشّرات إقتراب الفرج، « حتّى إذا استيأس الرّسل وظنّوا أنّهم قد كذّبوا جاءهم نصرنا.. » إنّما أخطر وضعية تعيشها الأمّة هي وضعية نصف/نصف، أي  نصف عدل ونصف ظلم، نصف إستقامة ونصف إعوجاج، نصف ثورة ونصف إستقرار، نصف إسلام ونصف نفاق...الخ، فالحسم في النهاية من سنن الله في الظالمين، "ولن تجد لسنة تبديلا"..، والزّمن جـزء من العـــلاج: « وقل الحقّ من ربّكم فمن شاء فليؤمن وّمن شاء فليكفر »، ولتعلمنّ نبأه بعد حين .    
                                               

والله المستعان.