النهضة الإسلامية : فوز ورهانات

إن المجلس التأسيسي الوطني ليس إدارة شؤون البلاد بل هو أهم من ذلك وأخطر في أبعاده على كل المستويات فهو الذي يحدد ملامح ومظاهر الدولة التونسية ويرسم معالم الجمهورية ويحدد طبيعة النظام ومشروع المجتمع ويرسم قواعد اللعبة الديمقراطية فإذا نجح المجلس التأسيسي نجحت تونس ونشهد ميلاد جمهورية ثانية في تونس
والفوز الذي حققته النهضة ليس فوزا وإنما هو في الحقيقة فوزٌ بالمصداقية والتأهيل الديمقراطي ولا يستهان به ويبنى عليه الفوز القادم إن أحسنت النهضة إدارة الأمور الإنتقالية وكسب الرهانات المستقبلية أمامها

رهانات المرحلة القادمة

ستستقبل حركة النهضةرهانات  خطيرة والنجاح في كسبها وتجاوز بعضها يحتاج منها حنكة وحكمة ومرونة ووعي بالمرحلة القادمة وإدراك أن الوضع في تونس لايتوقف فقط على الحالة الوطنية بل أيضا على الحالة الإقليمية والدولية من هذه الرهانات هي :
أولاً : وضع الدستور الجديد
حدثت ثورة في تونس وكانت لها مطالب واضحة وهي تغيير طبيعة النظام وغلق كل منافذ عودة الإستبداد ونشر الحريات الفردية والجماعية وتنظيم الحياة السياسية وتحديد طبيعة النظام السياسي   وسيتم في وضع الدستور ثوابت الدولة القادمة وتعيين مشروع مجتمع في تونس وكل ذلك قائم على مدى توافق التونسيين والطبقة السياسية فيه وليس معنى الأغلبية رسم ذلك بالتصويت داخل المجلس بل الذهاب بالشراكة والتوافق وهذا متوقف على مدى قدرة النهضة على كسب الرهان وثقة الطبقة السياسية المشكلة للمجلس وغيرها خارج المجلس وأغلب النخب وعموم الشعب
ثانياً : القوانين المنظمة للحياة السياسية والإجتماعية
ستكون في تونس بعد الدستور الجديد ةقوانين تنبثق عنه تنظم الحياة السياسية فيجب أن تتجه الأمور نحو إقرار التعددية بقواعد قانونية سليمة تضعها الحكومة الإنتقالية والمرجح أن تقود النهضة الحكومة القادمة والتي تعمل على تحضير الإنتخابات الرئاسية والبرلمانية القادمة
وهذه القوانين ستكون تستوعب التنوع السياسي وتعمد إلى التوافق حولها وتبنى على تجربة إنتخابات 22 أكتوبر الأخيرة حيث كانت أول تجربة ديمقراطية ولايجب أن تقع تراجعات وتحويلات فيها والنهضة مطالبة بتكريس الفعل الديمقراطي بعيدا عن كل الحساسية السياسية لتكريس الذات الحزبية وهو رهان يجب كسبه
ثالثا :التحالفات السياسية
ظلت النهضة تردد على مسامع الجميع حاجة تونس إلى التحالفات و مشاركة جميع القوى السياسية لبناء المرحلة القادمة والضرورة السياسية تقتضي في تونس إلى تحالفات سياسية ومساهمة كل الطبقة السياسية الناجحة في الإنتخابات في بناء وتحديد ملامح المرحلة القادمة والمعركة الأتية هو الخروج من المرحلة الإنتقالية بسلام وإستقرار ووحدة وطنية مجسدة في تعاون كل الطبقة السياسية فنجاح النهضة في التحالفات يجعلها تكسب الرهان المستقبلي  في تونس فلا ترفث ولاتهذي بهذا الفوز بل تخلص إلى الشراكة ومأسسة الدولة التي تنعدم فيها المؤسسات الدستورية وما هو موجود كله إنتقالي بدءاً بالرئاسة
رابعا ً: الإنتخابات القادمة
لقد أدارت الهيئة المستقلة العلياللإنتخابات العملية الإنتخابات المتعلقة بالمجلس التأسيسي ونجحت في العموم كأول تجربة ولكن رغم ذلك لم تسلم من الإنتقادات والتحفظات مع أنها كانت حيادية فما بالك بالإنتخابات القادمة تشرف عليها حكومة تقودها النهضة  فالمراهنة على النجاح يكون مطلب الجميع بل ستجد النهضة أمامها كل الأنظار ترقب مدى نزاهة الإنتخابات وتكون الحيادية مطلب ملح وصريح من مختلف القوى السياسية فكسب نزاهة وشفافية الإنتخابات وتدارك الأخطاء وتجاوزات في الإنتخابات السابقة يكون كسب سياسي للنهضة في هذا الرهان
خامسا ً: تسيير الحكومة الإنتقالية القادمة
لايكون عمل الحكومة القادمة سهلا ستجد أمامها جملة من الملفات والأوضاع ويكون الوضع السياسي والإقتصادي والإجتماعي من أبرز الملفات أمام الحكومة الإنتقالية فتعقيدات التسيير وخبرة النهضة وحكمتها ستكون على المحك وفي الميدان وتذهب العناوين والشعارات التي رفعت في الحملة الإنتخابيةجانبا ويبقى الرهان على إدارة شؤون البلاد مطروحا بقوة هل تكسب النهضة الرهان فالأيام تظهر لنا ذلك
سادساً: الصعوبات الإجتماعية والإقتصادية
تعرف تونس مخلفات كارثية في بعض الجوانبتركها النظام السابق الذي أهمل التنمية والنموالإقتصادي فتراكمت المشاكل والصعوبات خاصة على مستوى الإجتماعي وهو الذي فجر الثورة وكان الوجع الأكبر في تونس وكذلك الوضع الإقتصادي المرهون بالتبعية لفرنسا خاصة فالشعب ينتظر أن تذلل أمامه الصعوبات وتحل له المشاكل المزمنة والموجعة التي يتخبط فيها خاصة التشغيل وتدني مستوى المعيشة والحرمان الإجتماعي العام فكسب هذا الرهان يقتضي العمل بتوجيه كل القدرات البلاد إلى التنمية والإنعاش الإقتصادي لتونس
سابعاً : القطيعة مع النظام السابق
 نعرف أن النظام ليس الرئيس بل هو منظومة متشابكة ومتنوعة ومتناوبة فالقطيعة تقتضي مراعاة هذا البعد ليس كل ماكان في السابق فاسد ومستبد بل هناك من ظلّ وفيا للدولة كمؤسسة فالقطيعة مطلب جماهيري ولكن أن توغل فيه النهضة برفق وإلا كان مقصلة ومقتلة لها فهي في حاجة لكل القدرات النافعة والكفؤة  في الدولة وفي الوقت نفسه في حاجة لإظهار القطيعة مع كل الممارسات والأشخاص التي كانت رمزا للفساد والظلم والإحتكار السياسي فهو رهان كسبه له مابعده
ثامناً : مشروع مجتمع
لايختلف إثنان أن تونس لها مكاسب على مستوى مشروع المجتمع لاتريد التفريط فيها خاصة من جهة العلمانيين والديمقراطيين وفئة النساء  فالرهان كيف تتعامل النهضة مع مشروع مجتمع فيجب أن تكون لها أجوبة واضحة من كل القضايا وقد قامت قيادات النهضة بالتعبير أن معركتهم ليست في مشروع مجتمع وإنما في تمرير وتكريس المرحلة الديمقراطية
فالدولة المدنية وتطبيق الشريعة والحداثة والعصرنة والسياحة والحريات الفردية والعامة وحقوق الإنسان  تلك القضايا عبرت عنها حركة النهضة بالوضوح الكافي بل  أحيانا بالجرأة
فتجنيب البلاد مثل هذا النقاش والذهاب إلى عمق المشاكل التي يعاني منها الشعب التونسي هو كسب للرهان

إستعددات النهضة في مواجهة الرهانات

النهضة رغم أنها كانت مطاردة ومحرومة من أبسط حقوقها وعرف كثير من رجالها ونسائها الإعتقالات والمضايقات والقمع الوحشي من النظام السابق لم يجعل منها حركة متطرفة وإرهابية ولم تغيير من قناعتها الفكرية والثقافية في السلمية وممارسة العملية السياسية بالديمقراطية وإحترام الرأي والرأي المخالف
فهي تملك ما يجعلها تتجاوب مع المرحلة القادمة في مواجهة الرهانات ومنها
أولاً : الوعي السياسي
النهضة تملك وعيا سياسيا ناضجاً قابل للنمو والإيجابية لقد شدتني كلمة قالها الشيخ الغنوشي زعيم النهضة لما زار الجزائر في رمضان الماضي في مقر حركة مجتمع السلم عند لقاء خاص جمعنا وإياه "أن الحركات الإسلامية غالبا تخاف من الهزيمة أما نحن في حركة النهضة نخاف من الإنتصار في المرحلة القادمة" إنها كلمة واعية يُفهم منها مدى معرفة الرجل وحركته حجم المسؤولية وخطورة المرحلة فحين ترى البعض من الإسلامين يحذرون ويتوعدون ويختالون سياسيا بنتيجة النهضة وهي في غير واقعهم وأرضهم ولايملكون فيها شيئاً
ثانياً :فكر سياسي قابل للتطور والإبداع
تحمل النهضة فكراً متطور غير متحجر لايكتفي بالإقتباس والتقليد بل أصحابه يعرفون بالإجتهاد والبحث المستمر في التطوير ولهم إجتهاداتهم يراها البعض من الإسلاميين أنها شاذة ومخالف للمعهود لايميلون للتبعية الفكرية لغيرهم بل يعتمدون البنائية الفكرية مع غيرهم حتى وإن صنفوا مع مدرسة الإخوان فليسوا بالتبعية السياسية والفكرية المطلقة لهم حتى التنظيمية وإنما يعملون على تطوير فكرهم السياسي بما هو متاح لهم والآن متاح لهم قيادة المرحلة السياسية القادمة مع غيرهم فهم يحركون فكرهم السياسي للتجاوب مع الرهانات لكسبها وتجاوز العقبات التي تعترضهم بكل إستيعابية للحقائق التونسية
ثالثاً: وضوح في الخط السياسي
منذ إندلاع ثورة 14 ديسمبر ونجاحها حددت النهضة لنفسها الخط السياسي بكل وضوح ولم تُحدث لنفسها تذبذب ولم يظهر منها من يشوش على خطها السياسي فكان الإنسجام في الرؤية السياسية والتعاطي مع التطورات بكل وضوح ولم تبدوا منهم الضبابية والتفلت السياسي بل كان الحسم والوضوح سيدا الموقف فكنا نلحظ ذلك التناغم بين القيادات السياسية للنهضة سواء في الإعلام أو الخطابات والمهرجانات أو البيانات والتصريحات وأظهرت النهضةقدرات قيادية لايعرفها الجمهور وإحتل الشيخ الغنوشي حيزاً يليق بمقام الرئيس وليس هو الحركة وكانت مواقف منسجمة ومتعاقبة في الأحداث
فأبرزت النهضة النقاط تستجيب للمرحلة منها تطمين الناس والطبقة السياسية والمجتمع الدولي وإزالة الخوف منها ومن مشروعها السياسي
التعاون والشراكة والتحالف وبناء تونس قضية الجميع كما كان يفعل الشيخ محفوظ بعد الوعيد الذي كان يتهدد به الجبهة الإسلامية للإنقاذ
الإلتفاف حول الحريات وحقوق الإنسان والديمقراطية والتعددية السياسية كما قال الأستاذ لعريضي القيادي في النهضة " جوهر حركة النهضة في نضالها السياسي الحريات "
ولقد أظهرت عند فوزها رشدا وإعتدالاً ولم تقع في جنون المنتصرين ووعيدهم بل وقع الغرور والتحذير والتعالي والتباهي في غير تونس من بعض الإسلاميين
رابعا : ثقافة التحالفات
لقد ظلت النهضة تنادي بالتحالف والشراكة مع مختلف القوى السياسية في بناء المرحلة القادمة وليس من باب التكتيك بل من باب الثقافة التي تملكها من خلال نضالها السياسي في المعارضة والمنفى مع كل المعارضين للنظام بن علي  وكذلك من قناعتها السياسية أن التحالف والشراكة يجسد بشكل عملي تطلعات الثورة التي شارك فيها الجميع وأن المرحلة القادمة بنائية وليست تنافسية وهي وضع الدستور وليس تدافع البرامج السياسية وإدارة الحكم
فالمرحلة القادمة تحتاج إستقراراً في المؤسسات والتشريع للحياة السياسية فالتحالفات أفضل منهج لتحقيق ذلك فلاتبنى تونس على حركة النهضة وحدها فثقافة التحالف والتعاون كفيلة بمواجهة الرهانات
خامساً : المدد الشعبي
تحظى النهضة بمدد شعبي لايستهان به فهو محوري في المعادلة خاصة أن هذه الإنتخابات ليست الأخيرة بل هي البداية لغيرها وجاء هذا المد الشعبي للنهضة من إعتبارات عديدة نذكر منها الإعتبار الإجتماعي والإقتصادي –والنضالى والنصرة – الديني والهوية – لتصفية المرحلة السابقة والقطيعة – البديل الصالح للمرحلة – الوفاء وردالإعتبار لضحايا
هذا المدد الشعبي تعمل النهضة على إقحامه في المعادلة السياسية لمواجهات تداعيات الرهانات خاصة ما يتعلق به وفي نفس الوقت تعمل على التواصل معه بشكل يدعمها في مواجهات الرهانات
والنهضة لها أروقة وممرات متنوعة ومختلفة في الأوساط الشعبية ومنفتحة بمدار واسع في الشعب والإنفتاح ليس عند النهضة شعار بل حقيقة رأها المتابع لهم حتى وقع الإستغراب في نوعية وكيفية الإستقطاب الشعبي
سادساً : فكر مؤسسي
حركة تقوم على المؤسسة وليس على البطولة والزعامة والشيخ راشد الغنوشي زعيم في وسط قيادة وليس زعيم في وسط أتباع وشبه قيادة
والفوز جعلت النهضة منه إعلاميا وسياسيا ينسب للحركة وأنصارها وليس لشخص أو المترشحين وحدهم رغم مكانتهم كمرشحين ذوي مصداقية
والفكر المؤسسي يترك في مواجهة المرحلة المجال مفتوح للتشاور والروية والحكمة والجماعية والإنضباط
سابعاً :تفعيل العلاقات السياسية
لقد كانت النهضة في المعارضة والمنفي شريكة لكثير من القوى السياسية ونسجت علاقات مع مختلف التوجهات السياسية مما أكسبها القدرة على التقاطع والتقاسم في المشترك عندما كان النضال في الحريات والمطالب السياسية وحقوق الإنسان ولمواجهات هذه الرهانات  تحتاج لتفعيل علاقاتها السياسية وفق حاجيات المرحلة السياسية لتحقق المناخ والأجواء السياسية لنجاح المجلس التأسيسي  وإستقرار المؤسسي لتونس الجديدة

وفي الختام ...إن هذا الفوز يعمل على ترسيخ الوعي بالمرحلة وتحقيق التوازن في المسيرة السياسية ويحدد حجم المسؤولية ونموذج تتقدم به النهضة  للحياة السياسية لأنها حركة إسلامية تنطلف من المرحلة التأسيسية وليس من ساحة سياسية قائمة  فنتمنى لها التوفيق والنجاح والتحضير الجيد لما هو قادم  وتعيش فرصة قد لاتتكرر في المستقبل وبالنسبة الحركات الإسلامية في دول الجوار المقبلة على الإنتخابات أن لاتكتفي بالإبتهاج والفرحة والتبشير بل تذهب إلى المراجعة والتقييم والتطوير وإعادة النظر في المنهجية السياسية والخروج من مرحلة العودة للسرية والمباهاة التنظيمية ومعالجة الصورة المتذبذبة للإسلاميين من مظاهر الصراع على الشرعية والزعامة والكيانات القديمة والجديدة والعمل على التقرب من الحقائق المختلفة في الشعوب المنطقة وما يجري من أحداث وتطورات والله المستعان

الشيخ عبدالرحمن سعيدي
رئيس مجلس الشورى الوطني