من منطلق اختصاصنا في العمل السياسي نحن ضد السياسات الإيرانية في المنطقة العربية، من حيث موقفها السلبي في القضية المصرية، وإجرامها في سوريا والعراق ودعمها واستعمالها للمليشيات الشيعية المجرمة، ومن استغلالها للمذهب والطائفة ومحاولتها ضرب استقرار المنطقة العربية بحملات التشييع المنظمة وبجواسيسها وأتباعها وبتحالفاتها المشبوهة مع الغرب والكيان الصهيوني وندعو الحكومات إلى ضرورة الحزم والصرامة في مواجهة سياساتها التمددية ومحاولات الاختراق التي تنتهجها مع تفضيل تفضيل الطرق الدبلوماسية وضرورة محاورتها وإقناعها ما أمكن بأن مصالحها في التعاون وليس في التآمر، ونحن في نفس الوقت نقاوم فساد الأنظمة العربية السنية بكل مسؤولية، ليس من منطلق المنافسة على السلطة والكرسي ولا من باب المناكفة السياسية والأيديولوجية ولكن من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالنظر لتفريط هذه الأنظمة في خدمة بلدانها وتطويرها وتحقيق وحدتها وبسبب موالاتها للأجنبي وبسبب التفريط في فلسطين وخذلان المقاومة، كما نواجه كل أنواع التطرف السني بكل مصداقية. ونحن إذ نؤكد على ضرورة فضح جرائم الميليشيات الشيعية في سوريا والعراق ودعم ومناصرة ونجدة ضحاياها وإذ نقر حق البلدان العربية في مقاومة التمدد الإيراني فإننا في نفس الوقت ضد الخروج من الدائرة السياسية في الصراع إلى الدائرة الطائفيية المدمرة لكيان الأمة على النحو الذي يريده الغرب والصهاينة، وحتى إذا انحرف الصراع إلى المواجهة العسكرية لا قدر الله لا يجب أن تكون حربا بين الشيعة والسنة بل بين دول تدافع عن ترابها وكيانها وسيادتها وقد يكون ذلك في سبيل الله وفق مقاصد ونوايا كل طرف وإذا كانت المواجهة على أسس شرعية. غير أننا نفضل صناعة القوة الاقتصادية والدفاعية والفكرية ووحدة عالم السنة على المجابهة والاقتتال مع الشيعة، ونحن ضد تكفيرهم علىالعموم، وضد رسم جدر القطيعة مع عالم الشيعة أوالدخول معهم في عداوة طائفية، بل لا بد من البحث عن المساحات المشتركة ما أمكن وذلك هو منهج صلاح الدين الأيوبي رحمه الله معهم قبل أن يحرر المسجد الأقصى كما سنرى في المقال المقبل.
غير أننا ونحن نمارس السياسة، في حركة مجتمع السلم، نحن مسلمون وأهل ثقافة وعلم، ولا نُقدم على شيء حتى يكون لنا فيه تأصيل شرعي، نتبع فيه ما يذهب إليه جمهور علمائنا الموثوقين لا نعتدي في ذلك ولا نزيد، وحينما يكون في الأمر وسع نبحث ونجتهد جماعيا حتى يتضح لنا الحق، مستعينين بالله، ندعوه بدعاء نبيه المصطفى عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه مسلم عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها: ((اللَّهُمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ. فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ. عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ. أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ. اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ))
وأريد أن أعتمد في هذا المقال التأصيلي لموقفنا من عموم الشيعة على ما ذهب إليه علماء كبار من أكثرهم تشددا في حق الشيعة لا يستطيع من يخالفنا رد أقوالهم، نبدأ بابن تيمية وننتهي بالعثيمين رحمهما الله تعالى، في قضايا حساسة تتعلق بتكفيرعامة الشيعة، وقتالهم على أساس المذهب، وقضية تفضيل اليهود والنصارى عليهم، وأرجو بعد هذا المقال المؤصل أن يسكت الذين ليس لهم علم، كما أرجو من الذين يريدون تحويل المواجهة المشروعة مع إيران وحزب الله إلى حرب دينية خدمة لبعض الدول والأنظمة التي يوالونها أن يتقوا الله في الإسلام والمسلمين، وأن ينتبهوا إلى مخاطر الحروب الطائفية على الأمة جمعاء وأن يراجعوا منهج صلاح الدين في معالجة قضية الشيعة قبل تحريره المسجد الأقصى.
أولا: الموقف الحقيقي للإمام ابن تيميه من الحكم على الشيعة:
حينما نتحلى بالموضوعية العلمية ونتحرى الحقيقة في ما ذهب إليه ابن تيمية في قضية تكفير الشيعة سنجد بأنه لم يتجه إلى ما اتجه إليه بعد المتشددين المعاصرين وفق مذهب إجمالي يطلق حكما واحدا على جميعهم دون تمييز بين فرقهم، وبين معتقداتهم وأفكارهم والأشخاص المنتمين للمذهب، بل نجده تبنى مذهبا تفصيليا لا يقر فيه بخروج الشيعة كلية عن الإسلام. فهو رغم “وصفهم بالضلال وقلة العلم والعقل، والتناقض والاضطراب، والعداء للمسلمين، والتعاون مع الأعداء” لا يخرجهم من دائرة الإسلام بالكلية، ومما يدل على ذلك ما يلي:
1 ـ أنه يعتبر أن دخول الكافر للإسلام على مذهب الرافضة خير له من بقائه على الكفر ويقول في هذا: “( وقد ذهب كثير من مبتدعة المسلمين من الرافضة والجهمية وغيرهم إلى بلاد الكفار فأسلم على يديه خلق كثير، وانتفعوا بذلك، وصاروا مسلمين مبتدعين، وهو خير من أن يكونوا كفارا ) (مجموع الفتاوى : 13/96).
2 ـ يعتبر أن في الرافضة خلق مسلم فيقول بخصوص عصمة الأئمة: ( فهذه خاصة الرافضة الأمامية، التي لم يشركهم فيها أحد، لا الزيدية الشيعة , ولا سائر طوائف المسلمين , إلا من هو شر منهم كالإسماعيلية الذين يقولون بعصمة بني عبيد , المنتسبين إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر , القائلين : بأن الإمامة بعد جعفر في محمد بن إسماعيل دون موسى بن جعفر , وأولئك ملاحدة منافقون . والإمامية الاثنا عشرية خير منهم بكثير , فإن الإمامية مع فرط جهلهم وضلالهم فيهم خلق مسلمون باطنا وظاهرا , ليسوا زنادقة منافقين , لكنهم جهلوا وضلوا واتبعوا أهواءهم ..) (منهاج السنة : 2/452 ).
3 ـ يُعذِر جاهلهم ولا يقول بتكفير عوامهم فقد بين أن عوام الشيعة الذين لم يعرفوا أمرهم قد يكونوا مسلمين حيث يقول (.. وأما أولئك فأئمتهم الكبار العارفون بحقيقة دعوتهم الباطنية زنادقة منافقون، وأما عوامهم الذين لم يعرفوا أمرهم فقد يكونون مسلمين , (منهاج السنة : 2/452.
4 ـ فرق بين تعميم التكفير على القول الكفري المعين وبين تكفير الشخص المعين حيث يقول فى مجموع الفتاوى ( وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذِهِ الْأَقْوَالَ الَّتِي يَقُولُونَهَا الَّتِي يُعْلَمُ أَنَّهَا مُخَالِفَةٌ لَمَّا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ كُفْرٌ وَكَذَلِكَ أَفْعَالُهُمْ الَّتِي هِيَ مِنْ جِنْسِ أَفْعَالِ الْكُفَّارِ بِالْمُسْلِمِينَ هِيَ كُفْرٌ أَيْضًا . وَقَدْ ذَكَرْت دَلَائِلَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ ؛ لَكِنْ تَكْفِيرُ الْوَاحِدِ الْمُعَيَّنِ مِنْهُمْ وَالْحُكْمُ بِتَخْلِيدِهِ فِي النَّارِ مَوْقُوفٌ عَلَى ثُبُوتِ شُرُوطِ التَّكْفِيرِ وَانْتِفَاءِ مَوَانِعِهِ . فَإِنَّا نُطْلِقُ الْقَوْلَ بِنُصُوصِ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ وَالتَّكْفِيرِ وَالتَّفْسِيقِ وَلَا نَحْكُمُ لِلْمُعَيَّنِ بِدُخُولِهِ فِي ذَلِكَ الْعَامِّ حَتَّى يَقُومَ فِيهِ الْمُقْتَضَى الَّذِي لَا مَعَارِضَ لَهُ . وَقَدْ بَسَطْت هَذِهِ الْقَاعِدَةَ فِي ” قَاعِدَةِ التَّكْفِيرِ)
5 ـ ينكر القول بتفضيل اليهود النصارى على الشيعة : حيث يقول فى الرد على من يفضل اليهود والنصارى على الرافضة ( كل من كان مؤمنا بما جاء به محمد فهو خير من كل من كفر به، وإن كان في المؤمن بذلك نوع من البدعة، سواء كانت بدعة الخوارج والشيعة والمرجئة والقدرية أو غيرهم) (مجموع الفتاوى :35/201 ).
6 ـ يقول بصحة الصلاة خلف الإمام الرافضي: حيث يقول( والفاسق والمبتدع صلاته في نفسه صحيحة , فإذا صلى المأموم خلفه لم تبطل صلاته، لكن إنما كره من كره الصلاة خلفه لأن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر واجب، ومن ذلك أن من أظهر بدعة أو فجورا لا يرتب إماما للمسلمين، فانه يستحق التعزير حتى يتوب، فإذا أمكن هجره حتى يتوب كان حسنا، وإذا كان بعض الناس إذا ترك الصلاة خلفه وصلى خلف غيره آثر ذلك حتى يتوب، أو يعزل، أو ينتهي الناس عن مثل ذنبه، فمثل هذا إذا ترك الصلاة خلفه كان فيه مصلحة، ولم يفت المأموم جمعة ولا جماعة، وأما إذا كان ترك الصلاة يفوت المأموم الجمعة والجماعة فهنا لا يترك الصلاة خلفهم إلا مبتدع مخالف للصحابة رضي الله عنهم. وكذلك إذا كان الأمام قد رتبه ولاة الأمور، ولم يكن في ترك الصلاة خلفه مصلحة، فهنا ليس عليه ترك الصلاة خلفه، بل الصلاة خلف الإمام الأفضل أفضل، وهذا كله يكون فيمن ظهر منه فسق أو بدعة تظهر مخالفتها للكتاب والسنة، كبدعة الرافضة والجهمية(مجموع الفتاوى : 23/354)
7 ـ وقرر ضرورة التمييز بين الفرق الشيعية ونفى إجماع العلماء في تكفيرهم جملة، ونتيجة لذلك لم يضع حكم واحد على هذه الفرق، بل وضع أحكام متعددة ،وهذا الموقف يتفق معه فيه كثير من علماء أهل ألسنه الذين قرروا : إن الشيعة على ثلاثة أقسام: قسم كافر بالإجماع كغلاة الشيعة، وقسم غير كافر بالإجماع كالشيعة المفضلة، وقسم وقع فيه خلاف بين العلماء كالرافضة .حيث ذكر الإمام ابن تيمية الشيعة المفضلة عند ذكر الفرق التي أجمع الأئمة على عدم كفرهم (مجموع الفتاوى : 3/351 ). كما ذكر ان غلاة الشيعة بفرقهم المتعددة كفار بالإجماع) منهاج السنة : 3/452 و 5/337) , وذكر أن العلماء لهم في الرافضة قولان , هما روايتان عن الإمام أحمد) مجموع الفتاوى :3/56 والصارم المسلول :567ـ571.
8 ـ وبخصوص القضية الخطيرة المتعلقة بقتالهم فقد جعله مقيدا بمن تنطبق عليه شروط القتال ممن خرج على الحاكم الشرعي، أو أعان الأعداء على المسلمين فهو من باب قتال الفئة الباغية وليس من باب جهاد الكفار المحاربين، أي أن سبب قتالهم سياسي وليس على أساس البعد الديني أو الطائفي.
ثانيا: موقف الشيخ ابن عثيمين في تكفير الرافضة:
يقول ابن عثمين: الرافضة كغيرهم من أهل البدع ، إذا أتوا بما يوجب الكفر صاروا كفارا وإذا أتوا بما يوجب الفسق صاروا فساقا ، وإذا كان لشيء من أقوالهم القريبة من أقوال أهل السنة شيء من النظر، وصار محل اجتهاد فهم فيه كغيرهم ، فلا يمكن أن يجاء بجواب عام ويقال:كل الرافضة كفار، أو كل الرافضة فساق ، لا بد من التفصيل والنظر في بدعتهم، ويجب علينا أن ندعوهم إلى الحق، وأن نبيّنه لهم، وإذا كنا نعلم من أي فرقة هم، فعلينا أن نبيّن عيب هذه الفرقة، ولا نيأس، فإن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن عز وجل، ربما يهديهم الله على أيدينا، فيحصل لنا خير كثير ، والانسان الذي يهتدي بعد أن كان غير مهتد قد تكون فائدته للمجتمع أكثر وأكبر من الذي كان مهتديا من الأول ، لأنه عرف الباطل ورجع عنه ، وبيّنه للناس فيكون بيانه للناس عن علم. المرجع: لقاءات الباب المفتوح رقم السؤال 1557رقم اللقاء 703 / 520 طبعة دار البصيرة.