حوار رئيس الحركة الدكتور عبد الرزاق مقري مع جريدة الفجر
انتقد رئيس حركة مجتمع السلم، عبد الرزاق مقري، ما جاء في تعديل الدستور، وركز في حوار مع ”الفجر” على نقطتين أساسيتين وهما نظام الحكم ولجنة تنظيم الانتخابات، وأوضح أن الصراع بين أطراف السلطة مستمر رغم تنحية الجنرال توفيق، ”لأن الأمر لا يتعلق بالأشخاص”، مبرزا أن انتخابات رئاسية مسبقة متوقفة على وجود خليفة لبوتفليقة بتوافق الأطراف المتصارعة أو فوز طرف على آخر، وقال إن سنة 2016 ستكون ذهبية للمعارضة وسنة متاعب للنظام.
ما قراءتكم لما جاء في التعديل الدستوري؟
نحن نعتبر أن تعديل الدستور هو خطأ لفلسفة محددة للغة من وضعه، هذه الفلسفة أولها هو ربح الوقت ومحاولة استيعاب أكبر عدد ممكن من الأطراف السياسية والمجتمعية الغاضبة على النظام السياسي، وكانت المنهجية هي المحافظة على لب السلطة وأن يبقى النظام السياسي رئاسيا له صلاحيات وسيطرة على مختلف الأجهزة، وبعد ذلك وزعوا من المنح الدستورية، ليست في الجوهر لهذا الطرف أو ذاك، بغرض الإرضاء، بدليل أن تلك الأحاديث والوعود التي سبقت تعديل الدستور وآخرها ما صدر عن سعداني، وانا أعزيه بهذه المناسبة، حين قال إن رئيس الحكومة سيكون من الأغلبية، وهو ما لم يتحقق، ولايزال الرئيس هو من يعين رئيس الحكومة وحتى الوزراء، ورئيس الحكومة هو المسؤول أمامه، ويحل الحكومة والبرلمان، كما له سيطرة كلية على الجهاز القضائي، وقد تجاهل مطالب الحقوقيين والسياسيين والمجتمع المدني، فهو لا يزال رئيس المجلس الأعلى للقضاء، وهو من يعين رئيس المحكمة العليا ورئيس المجلس الدستوري وأضاف له صلاحية تعيين حتى نائب رئيس المجلس، إنها سيطرة كلية على القضاء والجهاز التنفيذي، ما يعني استمرارا للانحراف الدستوري الكبير الذي حصل سابقا.
النظام الجزائري لا هو نظام برلماني ولا هو نظام رئاسي ولا هو نظام شبه رئاسي، وليته كان نظاما رئاسيا لأن رئيس الجمهورية في هذه الحالة هو من يسير الحكومة ويتحمل المسؤولية في الإخفاق والفشل، لكن في النظام الجزائري الرئيس وضع نفسه بما يشبه الملكية المطلقة في القرون الوسطى، وكأنه ملك لا يجوز لأحد انتقاده، ولا يتحمل مسؤولية الإخفاق على الإطلاق، حيث إذا وقع الإخفاق فالحكومة تتحمل المسؤولية والأحزاب والشعب، وإذا حصل النجاح فهو وحده المسؤول على النجاح، هذه الصورة التي وضعها الدستور الجزائري، ولا تزال مستمرة إلى الآن. إنها صورة الملكية المطلقة التي تقترب من التأليه.
لقد أصبح نقد بوتفليقة يكاد يكون كفرا عند الكثير من القوى المحيطة به، فالصيغة الدستورية تعطيه هذه الهالة، بأنه في منأى عن التسيير، فهو يحكم ولا يسير، ولا يتحمل المسؤولية، بل تتحملها الحكومة والأحزاب وحتى الشعب الذي طالبه بتغيير عاداته الاستهلاكية. فهو لم يصنع شبكة مؤسسات ولا معامل تنتج للجزائريين وبعد ذلك يطلب من الشعب بأن يغيروا من نمط استهلاكهم، رغم أن الجزائري يستهلك كل ما يأتيه من الخارج، فكيف يغير من استهلاكه؟!
هذا أهم وأكبر عيب في هذا الدستور، وهو الاستمرار في نظام رئاسي مغلظ، أضاف له عبارة أنه يستشير ولكنه ليس مجبرا على الخطوة.
أمر آخر نسجله وهو عدم دسترة لجنة تنظيم الانتخابات، لأن المشكلة ليست في المراقبة، لأن هيئات مراقبة الانتخابات موجودة، وبإمكانك أن تراقب وتأخذ المحضر، ولكن تلقى النتيجة مخالفة للفرز، لماذا؟ لأن الجهات التي تجمع الحواصل لا تستطيع أن تدخلها، وهي في تشبيك مع وزارة الداخلية، وهناك توزع الكوطات. فالمشكل إذًا في تنظيم الانتخابات، وفي الكتلة الناخبة، هذا هو المشكل الأساسي وليس في مراقبتها، لأن سابقا كان التزوير الأكبر يقع في الصناديق أما الآن ففي الكتلة الناخبة عبر مشاركة الأسلاك المشتركة، والتزوير عبر الكوطات، والدليل ما صرح به مؤخرا، الأمين العام للأفالان، بأن الانتخابات السابقة كانت كلها كوطات. أنا أعلم أن سعداني كان يقصد الأرندي وحزب العمال، لكن هو يؤكد أن الانتخابات كانت كوطات، ويثبت بهذه الاتهامات أن الانتخابات كانت مزورة، بالإضافة إلى هذا، معنا في المعارضة 5 رؤساء حكومات كلهم يقولون إن الانتخابات مزورة.
أويحيى يقول إن الدستور جاء بما طالبت به المعارضة، وأن المعارضة باتت تعارض من أجل المعارضة فقط ولن يوصلها ذلك لشيء، ما تعليقكم؟
المعارضة قدمت مقترحات بشكل مباشر للجنة بن صالح، وقدمت مقترحات من خلال وسائل الإعلام حينما قاطعت لجنة أحمد أويحيى، واقتراحات أخرى في ندوة مزفران، ولكن هل يستطيع أويحيى أن ينكر أن كل الأحزاب، حتى الموالاة، طالبت بأن الحكومة يجب أن تتشكل على أساس الأغلبية البرلمانية؟ وأن حمس طالبت بالنظام البرلماني، بينما الأفالان والأرندي طالبا بالنظام شبه الرئاسي؟ لا يستطيع أن ينكر هذا. الدستور لم يستجب حتى لمطلب عليه إجماع، وليس المعارضة فقط.
تصريحات أويحيى هي فسطفائية وكلام من أجل الكلام، وأدعوه لأن يتأمل في ما أقوله. أويحيى وزنه مرتبط بمنصبه، غدا يخرج من منصبه يصبح مواطن عادي، فأويحيى لم نراه متميزا لا بمساهمات فكرية ولا علمية ولا له إنجازات خارج منصبه، وقد كان رئيس حكومة لفترة والآن انظروا إلى أين وصل الوضع. فأحمد أويحيى تكلم لأنه مستغول بالسلطة، هو يتحدث ويتقوى بمؤسسات الدولة كلها، وبالتالي يقول ما يشاء ويفعل ما يشاء. أنا أبشره بأن المشكلة في 2016 ستكون بينه وبين الشعب وليس الأحزاب، فلا تحد بيننا وبينه أو بين السلطة، فنحن أصحاب مشروع سياسي وندعو للإصلاح والتغيير، لسنا دعاة صدام أو فوضى أو صراعات، ولكن لما لم يسمعوا لكلامنا ومخططنا في مزفران، فالمشكلة ستكون مع الشعب، وعندئذ سنرى كيف سيكون الأمر.
كيف ستتصرفون كحزب ثم كتنسيقية في التعامل مع مسودة الدستور؟
سنواصل في توعية الجماهير وسنعمل كل ما تعمله الأحزاب في العالم، وسنلتزم بما تلتزم به كل أحزاب العالم، وهو الاتجاه للجمهور وللرأي العام، والاتجاه للشركاء في التغيير، من بينهم رجال الإعلام، لأن الإعلام شريك في التغيير، والنقابات والمجتمع المدني، وسنقيم التحالفات مع الأحزاب من أجل تأطير وتوعية المجتمع والرأي العام، ونحن متفائلون جدا، لأننا نعتقد أن هذه السنة 2016، ستكون سنة ذهبية للمعارضة. وبالنظر إلى تقرير لكصاسي الذي هو خطير، فإن سنة 2016 ستكون سنة متاعب للنظام السياسي، لأن الشعب سيتنبه بأنه كان مخدوعا، ونحن نتمنى أن تكون سنة ذهبية للجزائر، نتمنى أن النظام السياسي عندما يشعر بالمخاطر في المواجهة مع الشعب والتبعات الخطيرة أمام 40 مليون جزائري، يتعقل ويشعر بأن عليه أن يسمع نداء العقل ويرجع للمشروع الذي قدمته له المعارضة المتعلق بالانتقال الديمقراطي المتفاوض عليه.
ألا ترون أن السلطة تجاوزت المعارضة؟
السلطة تجاوزت المعارضة والشعب ووسائل الإعلام والنقابات، لقد تجاوزت الجميع، لقد تجاوزت الجزائر بكاملها، وهي ما دام بيدها القوة تفعل ما تشاء، لكن في آخر المطاف ”الخبر يجيبوه التوالى” كما يقول المثل الشعبي، لأن الزمن لا يشتغل لصالح النظام السياسي إطلاقا، لذا فهو من خلال الدستور الجديد يحاول أن يستوعب أطرافا من المعارضة، ونلاحظ أن أغلب أطراف المعارضة، أو على الأقل التي معنا في التنسيقية وهيئة التشاور والمتابعة، لم تتمكن السلطة من استيعابها، لذا فالنظام أصبح معزولا، يبحث عن حلفاء وتوسيع قاعدته الشعبية التابعة له، ولكن يبقى على حاله. وحتى الجهات والوسائط التي معه في حد ذاتها متصارعة، والدليل حديث سعداني تجاه الأرندي، فيه صراعات بينهم على السلطة، فهم لا يعانون الفشل فقط والانهيارات الاقتصادية، بل أيضا يعانون من الصراعات الداخلية بينهم في الوقت الذي تتكتل فيه المعارضة.
ما هي قراءتكم لهذه الصراعات، خاصة بين سعداني وحنون ثم مع أويحيى؟
أطراف السلطة باتت في حالة تنافر وصراع شديد، لأن هؤلاء شيء واحد يهمهم وهو الحكم والسلطة، لا يتصارعون على الأفكار والبرامج وإنما على السلطة، لذلك فإنه عندما تقع الرجة بينهم تخرج العبارات وكما يقال ”كل إناء بما فيه ينضح”، اللبن يعطي اللبن، العسل يعطي العسل، وشيء آخر يعطي الآخر، فهم يعبرون عن حقيقتهم، الصراع على المناصب والمنافع.
الكل كان يتحدث عن الغرفة المظلمة التي تصنع الرؤساء، وقد تمت تنحية الجنرال توفيق، وسجن اللواء حسان وأحيل آخرون على التقاعد، من سيصنع الرؤساء في المستقبل؟
هو في الحقيقة يوجد صراع، صحيح في فترة سابقة كان هناك توافق داخل المؤسسة العسكرية بجناحيها العسكري والأمني، وهم من يصنعون الرؤساء وكل ما يأتي بعد ذلك مجرد أشكال، لكن لما الغرفة التي تصنع الرؤساء وقعت بها رجة كبيرة جدا، وجدوا أنفسهم في حالة صراع كبير حول بديل بوتفليقة، لأن الجزائر منذ الاستقلال محكومة من الأعلى بين رئيس الجمهورية والجيش، فإذا كان رئيس الجمهورية من المؤسسة العسكرية فهو يسيطر على الرئاسة والجيش، وأما إذا كان من خارج المؤسسة العسكرية يقع اضطراب وتوازن غير مستقر، كما وقع بين بن بلة وبومدين ثم مع بوضياف والمؤسسة العسكرية وانتهت باغتيال بوضياف، وكذلك ما وقع منذ 15 سنة بين بوتفليقة والمؤسسة العسكرية، وقد استطاع أن يصنع استقطابا داخل المؤسسة العسكرية بين قيادة الأركان وجهاز الأمن العسكري، فوقع تشتيت، والصراع الحالي هو حول من يخلف بوتفليقة.
وتلاحظون أن في مسودة التعديل الدستوري تم تمديد الفترة الانتقالية بعد وفاة الرئيس، إلى 90 يوما، لماذا هذا التمديد؟ لأنه ليس لديهم بديل جاهز، وأرادوا أن يمنحوا الوقت لأنفسهم في حال ما وقع مكروه لا قدر الله، والأعمار بيد الله. الآن المشكل والمعركة بينهم لم تحسم بعد.
القضية ليست قضية أشخاص، بل هي قضية دولة عميقة بين شخصيات لها منافع ومصالح وارتباطات في الداخل والخارج، لذا فالصراع مستمر، لكن باتت كل أطرافه ضعيفة ومكشوفة أمام الخارج، وهذا الخارج له اليد الطولى في الموضوع، فالرئيس المقبل بكل تأكيد، الأطراف المتصارعة يحرصون على أن يأخذوا الإذن والرضا من الخارج لتنصيب الشخص الذي يريدونه.
ما حدث للجنرال مدين واللواء حسان، هل هو تصفية حسابات؟
هذا شأن داخلي فيما بينهم، مثل الإخوة الأشقاء في العائلة الواحدة يتصارعون فيما بينهم على إرث ومكاسب الأسرة ولا يقبلون أن يتدخل آخر من الخارج، إذن هذا شأنهم وحدهم، والصراع بينهم هو تصفية حسابات في كل الاتجاهات.
هل مازلتم تصرون على أن سعيد شقيق الرئيس هو من يحكم رفقة اللوبي المالي؟
نحن نعتبر أن سعيد بوتفليقة جزء من أصحاب النفوذ داخل السلطة.
بعد تمرير قانون المالية لـ2016 ثم طرح مسودة تعديل الدستور، كيف ترون المستقبل؟
مستقبل البلاد تحكمه محددات كثيرة، وأولها الوضع الاقتصادي والاجتماعي وهو الأهم، فعند قراءة تاريخ الجزائر منذ الاستقلال، نجد أن التحولات الكبرى كان سببها الانهيارات الاقتصادية، 5 أكتوبر 1988 أو ما تعلق بسنوات التسعينيات والإرهاب الذي تمدد في البداية حيث كانت الدولة مفلسة وجاثمة أمام البنك الدولي، حيث لم تتمكن من التسديد، ويتبع ذلك صراعات داخل منظومة الحكم، ليزداد الوضع تعفنا أكثر، وتأثيرات إضافية كالتدخل الأجنبي بسبب المصالح والقرب الجغرافي، فالجزائر دائما تحت المراقبة، ثم دور الشعب الذي يحسم الأمور، ونحن نميل إلى الجهة المجتمعية، حيث نؤدي الذي علينا وهو تقديم رؤية استشرافية وفق ما جاء في وثيقة مزفران وطورته الحركة إلى الانتقال الاقتصادي المتوافق عليه الذي يسير بالتوازي مع الانتقال السياسي.
هل تنوون الترشح للرئاسة؟
الوقت مبكر للحديث في هذا الموضوع لاعتبارات أولها الوضع السياسي والقانوني هل يكون مواتيا للأحزاب والشخصيات، ثم التشاور مع المعارضة وهو أساسي، ثم مؤسسات حركة حمس، ليأتي بعدها القرار الشخصي، وهذا الأخير يحدده ما سبق. في الأصل كل شخصية أو رئيس حزب خاصة بحجم حمس، لا تمارس السياسة من أجل المنافسة فقط، مبدئيا نعم، ولكن لا يجب أن نكذب على الشعب بأنه يتم إنشاء حزب من أجل الممارسة السياسية فقط، فالحزب له برنامج يريد تطبيقه ويخدم بلده، وهذا يختلف عن القرار الشخصي. وبالنسبة لي شخصيا القرار يحتاج إلى تفكير.
هل تتوقعون انتخابات رئاسية مسبقة؟
لو وقعت انتخابات رئاسية مسبقة فلن يكون الأمر مستغربا، لأن الرئيس حالته المرضية كبيرة، والمشكل الوحيد الذي يؤخر رئاسيات مسبقة هو عدم وجود بديل متفق عليه. أؤكد لك أن كل الأجنحة المتصارعة داخل السلطة مقتنعة بانتخابات رئاسية مسبقة، لكن المشكل الأساسي هو عدم الاتفاق على خليفة بوتفليقة. لو يتفقون وهو أمر مستبعد، ستكون هناك رئاسيات مسبقة، ولو يتغلب طرف نهائيا على الطرف الآخر بشكل كاسح ويكون له بديل جاهز ستكون رئاسيات مسبقة.
توضيح من جريدة الفجر
لقد سبق لجريدة ”الفجر” أن نشرت ثلاثة مقالات اتهمت فيها رئيس حركة مجتمع السلم د.عبد الرزاق مقري بتلقي أموال من الخارج وتهريب أموال وربط علاقات مشبوهة مع منظمة أمريكية، وقد تبيّن أن هذه الاتهامات عارية من الصحة وكانت تجاوزا كبيرا من الجريدة في حقه، سربها للجريدة شخص مغرض. وإذ تقدم مديرة وأسرة جريدة الفجر اعتذارها للدكتور عبد الرزاق مقري وللحركة التي يرأسها فإن هذا التجاوز لن يتكرر في المستقبل، وتشكر الدكتور على سعة صدره والتعامل الراقي مع الموضوع.
المصدر : موقع جريدة الفجر
