حركة مجتمع السلم

قوة التغيير في تغيير القوى ” تركيا نموذجا”

قوة التغيير في تغيير القوى … ” تركيا نموذجا”
محددات الموضوع:
التغيير: هو حركة دائمة و مستمرة، و هو سنة كونية، تخضع لها جميع مخلوقات الله، و نعني به الانتقال من حال إلى حال أفضل، من وضع إلى آخر أحسن، و تخضع عملية التغيير إلى مراحل متدرجة و إلى بناء تراكمي
القوة: مبعث النشاط و النمو و الحركة و هي طبيعية، حيوية و عقلية، و نقصد بها المؤثر الذي يغيّر حالة الأشياء من حال إلى آخر، و هي عموما ضد الضعف.
القوى: و نقصد بهذا المصطلح في هذه الورقة البحثية :كل ما يعطل نمو و حركة المجتمع بصورة طبيعية بغرض تحقيق ذاته، و إفادة غيره،وفق إديولوجياته، من ذلك قوى الظلم و الاستبداد، قوى الرجعية و اللادينية، قوى العلمانية و التخلف، قوى الانقلاب و الاستعباد، قوى الدكتاتورية و الا أمن، قوى الانهزامية و الاستسلام،…. و كل ما يندرج تحت هذه المفاهيم.

تركيا البلد الذي أسال الكثير من الحبر ماضيا على عهد الخلافة العثمانية، و حاضرا في موقعه، نموه، تطوره، نقطة، نقلة النهضة التي شهدها هذا البلد، ترتيبه العالمي في شتى المجالات، استقرار الحزب الحاكم به، تركيبة نظامه السياسي، و الأمني و أخيرا إدارة أزمة الانقلاب التي شهدها لساعات إن لم أقل لثوان.
لكن هل يكفي أن نساند، و نتفاعل، بل و حتى نتأثر بشكل عميق حول ما يجري في هذا البلد النموذج الذي أسميته في هذه الورقة البحثية “الأمل المنشود” و حتى أسترسل الحديث في بعض التفاصيل و عبر عدة أجزاء أود أن أتحدث عن التغيير كظاهرة ملازمة للإنسانية، و كحقيقة بشرية قابلة للدراسة و الاستنتاج ، بل قابلة للتقليد و الاستنساخ كلما توفرت نفس الأسباب و نفس المسببات، طبعا مع انسجام لمحيط إلى جانب تجانس المتغيرات الداخلية و الخارجية.
إن الحديث عن التغيير في الواقع، و في المحيط المعاش، علينا أن نتفحص بنظرة متأنية في الأركان اللازمة لإحداث عملية التغيير في أي ظاهرة كانت، و في أي مجتمع كان، و لعّل أوّل ركن هو الإنسان.
أوّلا: المغيّر (الإنسان): الفرد هو رأس مال كل فكرة، كل نظرية، ذلك أن حديثنا عن التغيير دون الانطلاق من النقطة الصحيحة و الخانة الأولى يعتبر هدر للوقت، مضيعة للجهد و أكثر من ذلك هو استهلاك جنوني لما هو موجود من خلال تعطيل للطاقات، و تدمير للمقدرات، و من ثمّ نكون كالتي نقضت غزلها …. و صدق المولى عزّ و جل حيث يقول في محكم التنزيل ((….لا يغيّر الله ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم)).
لنبدأ من الخانة الصحيحة حتى لا نخطأ المسير و لا نبدد الجهود، فالإنسان هو المستهدف رقم واحد في عملية التغيير، لأنه و ببساطة هل يمكن لنا أن نتطور أو حتى ننشد التغيير نحو الأفضل، نحو الأحسن أو نتغنى بالأحكام و الإتقان بعقلية فوضوية، أو بأسلوب بائد، أو بنظرية بسيطة عفوية، فكم من المحاضرات و الندوات و الجلسات التي تعقد حول مسألة التغيير، و التعيير منها براء، فالحديث عن الأساليب التسييرية، و الأنماط التغييرية، و البدائل العميقة، و القيم الغريبة المبهرة، ما هو إلا مظهر من مظاهر التغيير، لكن يبقى الوجه الحقيقي له هو الإنسان. و بمفهوم المخالفة لا يمكن أن نسير في طريق التغيير إلا من خلال تغيير عقلية و تفكير المغيّر في حدّ ذاته “الإنسان”.
و على الإنسان نفسه أن يعلم أن سنة التغيير تكون وفق:
01 – التغيير قوة داخلية:
التغيير ينبعث من داخل الإنسان نفسه، بل هو و حده القادر عليه (( لا يغيّر الله ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم)) فلا ننتظر التغيير من الخارج بل هو قوة ذاتية تشع من ذات الإنسان، و من ثمّ يكون تغيير المعتقدات السلبية، و الأفكار الوهمية و الأساليب البالية، لتنطلق في رحلة البحث عن الاستراتيجيات الصحيحة، و الطرق السلمية، و الأفكار البنّاءة، كل ذلك يكون بناءا على قوة داخلية.
02– استعن بالله ولا تعجز:
علينا أن نوقن أنه لا يقضى شيء في الأرض حتى يقضى في السماء، و أن الكل بمقدار يقول المولى عزّ و جلّ: ((وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله)) فالتوفيق من الله و الهدية منه، و عندها فقد نعلم أنه تعالى يقول: (( فإن عزمت فتوكّل على الله إنّ الله يحبّ المتوكّلين)).
03 – استفد بتجارب الآخرين:
دعوة للتأمل و التفكير فيما سبقك بالتجربة، و فاز بالنتيجة، و الأمر ليس ببعيد ولا بمستحيل، استفد أكثر من التجارب الناجحة و استغل التجارب الفاشلة في تصحيح المسار، و تقويم المنهج التغييري الذي اتخذته.
04 – ألا تتأثر بالمحيط سلبا:
يقولون أن الاستئناس بالناس دلالة إفلاس، و عليه ينبغي ألاّ نكون مع الذين يجرون وراء كل ناعق، و يصفقون لكل شاهق، و يبكون مع كل باك، بل الواجب اختيار الطريق، و تحديد الثوابت و معرفة المتغيّرات، و أخيرا استشراف النتائج، و من ثم لا يغرّك من خالفك.
و حتى أعود لربط الموضوع بالنموذج المثار سابقا المجتمع التركي: يقول الدكتور عبد الرحمان سعد العرابي:” يشهد المجتمع التركي الحالي تغييرا جوهريا بإعادته إلى المحيط الشرقي الأصيل. وهو ما يستدعي من العرب استثمار اللحظة لتفويت الفرصة على إسرائيل و الغرب في تعميق الأخطاء التاريخية التي شهدتها العلاقات العربية التركية”.
الإنسان التركي أدرك أن التغيير لابد و أن ينطلق من الذات، من داخل الفرد في حد ذاته، و لعلّ أهم شخصية تستجيب و مقاييس التغيير هو الرئيس التركي رجب طيب أردغان زعيم حزب العدالة و التنمية.
خريج المدرسة الدينية، هو كغيره أدرك ضرورات التغيير يقول عن نفسه (كنا نعمل من خلال الجماعة إلى أوقات متأخرة جدّا من الليل، و مرّة كتبت لي ابنتي : يا أبي خصص لنا وقتا لنراك فيه…).قلت هذه الشخصية التي عملت وفق معالم واضحة، و استراتيجيات دقيقة استطاعت أن تحول تركيا من وضع إلى آخر في ظرف قياسي. قاوم قوى الظلم و الاستبداد بالحلم كما قاوم قوى العلمانية ، أقول القوى العلمانية ممثلة في قوى الجيش ، والكتلة السياسية الضاربة بقوة في المجتمع التركي، ورغم ذلك استطاع أن يؤسس لمنظمة اقتصادية سياسية أجبرت الكثير من السياسيين و الحكام على ضبط استراتيجياتها وفق المتغيّر التركي.
ثانيا: المتغيّر (المحيط):
جميعا نعم أن محيطنا سواء الداخلي أو الخارجي قوى كبرى مستعصية تمنعنا من إحداث عملية التغيير، بل عملت هذه القوى على خلق ملاعب وهمية لتتعب أبدان و أفكار الشباب، و ذلك من خلال خلق فضاءات و إبداعات توهم الكثير أنه يستطيع التغيير من خلالها و هو لا يعد خطوة إلى الأمام و حتى أعطي مثال على ذلك مسألة الانقلاب الأخير في تركيا هو وضع يستوجب تغييره، كيف نظر بعض الشباب إلى ذلك. هل يكون بالمساندة من خلال الشعارات هل يكون بسهر الليالي بتتبع ما يحدث و كثرة التعليقات، بل منّا من ذهب إلى تغيير اسمه، أو اسم ولده ليعبّر عن إعجابه بالرجل الأوّل في تركيا. هل هذا يكفي؟. إنّ تغيير القوى المرابطة على صدر الأمّة يستلزم جملة من المقاسات نوجزها فيما يلي:
01 – الإيمان المطلق بأن مسألة التغيير تنطلق من ذات الإنسان و عليه أن يغيّر ما بداخله ليصلح ما هو محيط به.
02 – تغيير المنظومة القانونية: الكثير من القوانين تحيل عملية و التغيير بل ترهق الطاقات، و ترهن القدرات، بل تكبل المنطلقات كالمنظومة التشرعية، و المنظومة القضائية، و المنظومة التعليمية وغيرها..
03 – ضرورة التخصص: هذه مسألة مفصلية و هامة. قرأت لبعض الشبان على شبكات التواصل الاجتماعي يتحدثون في كل شيء في السياسة، في الاقتصاد، في الأعلام، في الحكم، في الرياضة، في كل شيء لكن لا يعدّ هذا سوى كلام يستدعي منا الكثير للوصول، نريد التخصص في المجال الواحد حتى نبدع و نفيد ونعطي النتائج للمجتمع .
04 – الأخذ بأسباب النجاح: أنّ سنن الله لا تحابي ولا تجابي أحدا و أن السنن غلابة، و عليه ينبغي تقديم الأسباب كل الأسباب لأجل إحداث التغيير، و منها نذكر:
أ – الأسباب العملية.
ب – الأسباب الكونية.
ج – الأسباب المادية.
د – الأسباب البشرية.
05 – عدم اليأس: علينا أن نعمل بجدّ و بإخلاص لهذا الوطن و أن نؤمن أنّه مهما طال الزمن فإن النهاية للمجدّ و أن النتيجة للمخلص، و أن الحق واحد لا يتعدد في حين أن للباطل ألوان ينبغي تداركها.
06 – الاستفادة من إرث البشرية فيما ينفع، لأنه ببساطة ملك الجميع، و علينا أن نأخذ به لإفادة أنفسنا و إفادة غيرنا.
07 – الإمتناع التنازع و التدابر: فإن ذلك يضغف الهمة ، ويقوي الفتنة، يمزق الأمة ،ويفني عزيمة البغيير…
و أخيرا علينا أن نتوكّل على الله حقّ التوكّل و أن نتّقه حقّ التّقى فإنه أهل التقوى و أهل المغفرة.

((و من يتّق الله يجعل له مخرجا و يرزقه من حيث لا يحتسب))

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *