هيئة التشاور والمتابعة للمعارضة
مذكرة حول تراجع المكتسبات الديمقراطية في الجزائر
الجزائر، في أول محرم 1438 الموافق لـ 03 أكتوبر 2016
مواصلة لعملها السياسي المشترك وإعلانا لتمسكها بالعمل من اجل المساهمة في ترقية الحياة السياسية في الجزائر، انطلاقا من مبادئ وأهداف وثيقة الحريات والانتقال الديمقراطي التي تجمعت حولها الطبقة السياسية في الجزائر وسعيا منها لزرع الأمل من جديد في التغيير والإصلاح السياسي الذي تسعى السلطة الحالية جادة لتعطيله من خلال الممارسات التي تعمق اليأس وتزرع الشك في المستقبل لدى فئات عريضة من الشعب وفي مقدمتها الشباب.
استعرضت هيئة التشاور والمتابعة للمعارضة الوطنية، المجتمعة بمقر حزب طلائع الحريات، يوم الاثنين أول محرم 1438 الموافق لــ 03 أكتوبر 2016، بالدراسة، الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية السائدة في البلاد.
تسجل الهيئة، أنه تحسبا للمواعيد الانتخابية القادمة، فإن خطة السلطة القائمة تتميز بالتضييق على الساحة السياسية والإعلامية وبالمساس بالحقوق والحريات الفردية والجماعية وكذا غلق الإطار الانتخابي قصد ضمان ديمومة النظام، وكل ذلك يعتبر خرقا لسيادة الشعب.
وفي هذا الشأن و قصد إشهاد الرأي العام حول خطورة الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية للبلاد واستعداد المعارضة للخوض في حوار وطني قصد الخروج من الأزمة من خلال آلية انتقال ديمقراطي هادئ، توافقي، سلمي ومنظم، بوضع السلطة القائمة بذلك أمام مسؤوليتها،
قررت هيئة التشاور والمتابعة الإعلان عن المذكرة التالية :
مذكرة حول تراجع المكتسبات الديمقراطية في الجزائر
في هذه المرحلة، يجتاز بلدنا وضعية صعبة؛ فبالإضافة لاغتصاب السلطة الشعبية، منذ استعادة السيادة الوطنية بحرمان الجزائريين من حقهم في اختيار ممثليهم الشرعيين، أضيف لهذا الاغتصاب، خلال السنوات الأخيرة، شغور في السلطة تزداد حدة أثاره مع مرور الوقت. هذه الوضعية، أدت إلى تعدد مراكز القرار ووقوعها تحت رقابة قوى غير دستورية إلى درجة أصبح معها التساؤل عن من يسير البلد جد شرعي.
إن احتدام التوترات، بين هذه القوى غير الدستورية، يشكل تهديدا للأمن الوطني؛ وقد تعقدت المعادلة أكثر بتغلغل المال الفاسد في المجال السياسي. يضاف إلى كل ذلك، أزمة مالية خانقة ناتجة عن الفشل الاقتصادي والاجتماعي الذي أصبح جليا بانخفاض أسعار البترول.
أصبحت الرشوة، نهب وتبديد المال العام، يمارس في وضح النهار. وصارت الفضائح معلنة ومتورط فيها أعضاء في الجهاز السياسي والإداري وأقاربهم وزبائنيات السلطة دون رد فعل من أية مؤسسة كانت.
إن التوترات الاجتماعية تزداد شدة؛ وقلق شريحة واسعة من المواطنين، التي ترى بأن قدرتها الشرائية وشروط معيشتها تتدهور، يتسع أكثر، مما قد يؤدي، في أية لحظة، إلى انفجار اجتماعي تكون له آثاره الخطيرة. إن السلطة الصماء عاجزة عن تقديم الحلول لأزمة النظام وللأزمة الاقتصادية التي بدأت تأخذ أبعادا خطيرة ولعدم الاستقرار الاجتماعي المعلن. إن هذه السلطة تتغذى من وهم إمكانية تجاوز الأخطار التي يواجهها بلدنا بسحر خطابها الأجوف الذي تريده أن يكون مطمئنا وكذا من خلال اللجوء إلى القمع.
أمام تعميق الانسداد السياسي والمؤسساتي و الاقتصادي، وانشغال النظام بإسكات الأصوات المواطناتية المشككة في شرعيته وفي حصيلته الكارثية وافتقاده لأي تصور لمستقبل الأمة، اختار النظام القائم الهروب إلى الأمام باندفاعه في عملية واسعة من المساس بالحقوق الأساسية، والتضييق على الحريات وتشويه التعددية السياسية كاحتياط للاستحقاقات المقبلة خاصة.
1- تضييق مجال الحريات:
تتصف الوضعية السياسية العامة بالتنكر الخطير المتعدد المجالات والذي يخص :
– حرية التعبير و حرية الرأي :
• تعرض مواطنين للاستنطاق في أماكن سرية بسبب نشرهم لتصريحات عبر وسائل سمعية بصرية.
• صدور أحكام ثقيلة بالسجن مبنية على أساس متابعات غير مبررة بذريعة القذف و إهانةة رئيس الدولة ضد ناشطين في شبكات التواصل الاجتماعي.
• لا يتوقف عنف النظام السياسي القائم على عالم الثقافة والصحافة فقط بل يمتد إلى المدافعين عن حقوق الإنسان و مناضلي أحزاب سياسية و نقابيين و ضباط سامون متقاعدون و حتى المحامون يتابعون قضائيا أثناء تأدية مهامهم.
– حرية الصحافة و الحق في الإعلام :
• تتعرض وسائل إعلام مستقلة لضغوطات كبيرة بسبب خطها الافتتاحي وتصل هذه الضغوطات حد الغلق التعسفي لقنوات تلفزيونية و لجرائد و التجريم والحكم على مديري وسائل إعلام و صحفيين بالسجن لمعاقبتهم على عدم الرضوخ وعدم الولاء وعدم التلوث.
• نظرا لطابعه المتميز بالتضييق، فان قانون الإعلام لم يزد سوى في تدعيم رقابة السلطة السياسية على وسائل الإعلام من خلال نظام جد معقد للحصول على الموافقات والاعتماد.
• إن التنظيمات الأخيرة المسيرة لقطاع السمعي البصري لاسيما تلك المتعلقة بشروط إنشاء وسائل سمعية بصرية خاصة تعبر عن إرادة الغلق الصلب للحقل الإعلامي.
– حرية التظاهر والاجتماعات العامة :
رغم أن حالة الطوارئ قد رفعت، منذ خمس سنوات، إلا أن ممارسة الحق في التجمع والتظاهر يبقى مقيدا،حيث تقمع المظاهرات السلمية بصفة آلية ويتعرض المتظاهرون للاستنطاق وتلجأ السلطات، أكثر فأكثر، للمتابعات القضائية ضد المتظاهرين السلميين المتابعين بتهمة ” التجمهر غير المسلح ” والحكم عليهم بالسجن مما يجعل منهم “سجناء الرأي”.
بقاء المنع للمسيرات والتجمعات والوقفات حولت عاصمة البلد إلى منطقة محرمة على كل نشاط تعبيري جماعي سلمي.
– المساس بحقوق المشتبه فيهم والمتهمين ، من خلال اللجوء التعسفي إلى الحبس المؤقت وحتى إلى المنع من مغادرة التراب الوطني ،وهو ما يعد خرقا لأحكام الدستور وقانون الإجراءات الجزائية الذي يكرس مبدأ قرينة البراءة ومبدأ الإفراج كقاعدة والحبس المؤقت كاستثناء. كما أن التسيير الشبه القضائي لبعض الملفات، مثل تلك المتعلقة بالأحداث الانتفاضية الاحتجاجية عبر العديد من المناطق و التي أدت إلى توقيفات تعسفية لمواطنين من بينهم مناضلين بأحزاب سياسية وناشطين حقوقيين.
وتكمن آليات الاعتداءات على حقوق الإنسان والتجاوزات المتعلقة بالحريات العامة في : خرق واضح لأحكام الدستور :
إن وضع الحريات المكرس دستوريا أصبح يخضع لمبدأ واحد ووحيد: مبدأ نظام سياسي يصر على وضع نفسه فوق الدستور وقوانين الجمهورية والذي لا يتراجع عن الاعتداء أو التجاوز إذا كان الأمر يتعلق بضمان بقائه ودوامه.
– تشويه النصوص القانونية والتنظيمية :
كثيرا ما يتم الاعتداء على النصوص القانونية والتنظيمية بالتعسف في استعمال السلطة وقراءات محرفة للنصوص من طرف جهاز سياسي-إداري وقضائي في غياب سلطة مضادة.
حيث يسعى الخطاب الرسمي للإبقاء على وهم التغيير وتعميق الديمقراطية في الوقت الذي تبرز الحقائق استمرار السلطة في ممارسة القمع، والاعتداء على الحريات السياسية وحقوق الإنسان.
– تسخير العدالة :
إن في بلدنا لا وجود لسلطة قضائية بل جهاز قضائي في خدمة الزمر؛ كما لا وجود لسلطة تشريعية بل غرف تسجيل؛ ولا وجود لفصل بين السلطات بل وصاية غير مقبولة للسلطة السياسية على العدالة والبرلمان، مما يصادر السيادة الوطنية ويفرض حالة عدم الاستقرار وانعدام الأمن على المواطنين.
فالعدالة في الجزائر هي مجرد جهاز تابع للنظام القائم مثلها مثل مجمل المؤسسات الدستورية الأخرى التي تمكن النظام من إخضاعها لإرادته. حيث تسخر العدالة لقمع المجتمع المدني والطبقة السياسة والنقابات ومناضلي حقوق الإنسان.
2- تقهقر التعددية الحزبية :
وتظهر إرادة السلطة في التراجع عن مبدأ التعددية السياسية من خلال عدة مظاهر:
– عدم قبول السلطة الأحادية القائمة لا بالتعددية الحزبية الحقيقية ولا بالتنافس النظيف للأفكار ولا بالتداول على السلطة.
– استغلال السلطة القائمة لمبدأ التعددية السياسية التي تحققت بفضل عشريات من النضال وبالأحداث الدامية لأكتوبر 1988 المكرسة في دستور 1989، لتحسين صورتها على الساحة الدولية.
– رفض منح الاعتماد لأحزاب ذات التوجه المعارض؛ أوعرقلة تأسيسها، في حين أن
الاعتماد يمنح للأحزاب التي تقدم ضمانات الولاء للسلطة القائمة: بهدف تشويه الساحة السياسية ومواجهة نشاطات أحزاب المعارضة.
– شراء ذمم بعض الفئات من المجتمع بواسطة امتيازات غير مشروعة وتحويلهم الى زبائن دائمين لمنظومة الحكم ؛
– التدخل في الحياة النظامية للأحزاب السياسية.
– قوانين تضييقية (قانون الأحزاب السياسية، قانون الجمعيات، قانون الإعلام، قانون الانتخابات)؛
– نظام سياسي يستمد دوامه من تزوير الانتخابات، واغتصاب السيادة الشعبية وتبديد ثروات الدولة وخوصصتها.
– عرقلة التعددية النقابية مما يفرمل التعبير عن الانشغالات الاجتماعية والاقتصادية للعمال والموظفين.
– المساس بحق الإضراب من طرف جهاز قضائي خاضع للسلطة التنفيذية؛
– المساس بحق إنشاء الجمعيات من خلال قانون خانق للحريات؛
– غلق وسائل الإعلام الثقيلة في وجه أحزاب المعارضة.
– غلق النظام الانتخابي لقطع الطريق أمام أحزاب المعارضة من خلال توسيع دوائر التزوير.
– عرقلة نشاطات الأحزاب السياسية المعارضة بتشديد إجراءات الترخيص والرفض المتكرر لها.
تتجنب السلطة القائمة تنظيم انتخابات نزيهة ونظيفة وترفض المسار الديمقراطي السليم وفي المقابل تدع الشعب والأحزاب السياسية للمشاركة فيها بدون ضمانات مقنعة و صادقة وتسيرها وفق قاعدة “الكوطات”.
لم تهدف المراجعة الدستورية القصرية ليوم 7 فبراير 2016، رغم الخطاب الرسمي حول تدعيم الديمقراطية وتقوية التعددية السياسية ودور المعارضة، سوى إلى تثبيت شبه شرعية النظام وديمومته واستخلافه ، وتشويه التعددية السياسية وتعزيز آليات مصادرة الإرادة الشعبية في الاستحقاقات القادمة .
3- إطار انتخابي على المقاس لتثبيت كيان السلطة :
يعرض النظام الانتخابي الجديد التعددية السياسية إلى تقهقر خطير، فهو يحافظ على التسلط الاصطناعي لزبائنه ويجدد ويطور نظام التزوير لضمان تحويل الإرادة الشعبية. بهذا يؤجل هذا النظام الانتخابي تحقيق بناء مؤسسات شرعية وممثلة حقا والتي يستدعيها بناء دولة القانون.
يباشر النظام القائم إستراتيجية تهدف إلى إضعاف المعارضة الديمقراطية وإعادة تشكيل المشهد السياسي لتحقيق أهدافه.
يواصل النظام القائم تصميمه على رفض كل محاولة هادفة إلى التغيير الديمقراطي السلمي الهادئ والمنظم بتوجيه مسار الانتخابات المقبلة حصريا لصالح بقائه،.
تمثل العقبات القانونية المفروضة على الأحزاب السياسية المعارضة تعديا على الديمقراطية وعلى حرية التعبير وعلى الإرادة الشعبية.
إن الشروط القاسية المجحفة المفروضة لتقديم قوائم انتخابية و المتمثلة في جمع توقيعات الناخبين في حين أن العديد من الأحزاب تعد ضحايا التزوير في الاستحقاقات السابقة المرجعية.
حافظ القانون العضوي المتعلق بالانتخابات على مكامن التزوير التي لن يكون لهيئة مراقبة الانتخابات، التي لا هي عليا ولا مستقلة، أي سيطرة عليها؛ كما يُسجل إضافة بؤر تزوير أخرى للبؤر السابقة.
إن إنشاء “هيئة عليا مستقلة لمراقبة الانتخابات” تهيمن عليها السلطة التنفيذية من خلال طريقة تعيين تشكيلتها،تمثل تشويها صارخا لاقتراح المعارضة المطالبة بانتقال ديمقراطي وإنشاء هيئة مستقلة دائمة لتنظيم الانتخابات ومراقبة الاقتراع مما يعني تولي المسار الانتخابي من بدايته إلى نهايته.
لكن، ما حدث هو أن:
– هذه الهيئة المنشأة مبعدة تماما عن تحضير وتنظيم الانتخابات في حين أن آليات التزوير تقع على هذين المستويين بالضبط لإعطاء الصبغة الشرعية للأمر الواقع.
– إن “الهيئة العليا المستقلة لمراقبة الانتخابات”، المؤسسة بحكم قانون مصادق عليه من طرف برلمان منقوص الشرعية، وزكاها مجلس دستوري مأمور، هي هيئة تابعة للنظام السياسي القائم، وفي خدمته الحصرية، وتعلن له الولاء والطاعة وتخضع لأوامره .
إنه عنف سياسي يمارس من طرف سلطة سياسية عاجزة وأغلبية برلمانية فاقدة للشرعية، ضد حق المواطنين الجزائريين في التعبير الحر عن خياراتهم.
تعبر هذه الترسانة القانونية عن الإرادة الواضحة للسلطة في غلق أكبر للمجال السياسي تحسبا للاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
إن البعد الممنهج الذي اكتسبه التزوير الانتخابي في الحياة السياسية لبلدنا، يدعم قناعة المعارضة السياسية بأن الطريق الوحيد لتجنب التزوير وتنظيم انتخابات ذات مصداقية يكمن في منح هيئة المراقبة صلاحيات التنظيم والإشراف ومراقبة كل مراحل المسار الانتخابي، من وضع قوائم الناخبين ومراجعتها حتى الإعلان النهائي عن النتائج. إن الهيئة العليا المؤسسة بحكم القانون العضوي هي مناقضة تماما للمطلب الملح للمعارضة.
4- النظام السياسي يشكل خطرا على البلد:
لقد جعل النظام القائم سياسة الهروب إلى الأمام وسيلة للحكم في البلاد رغم التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تواجه الأمة.
لقد قاد المتحكمون في السلطة البلاد إلى انحرافات وتجاوزات خطيرة مساهمين بذلك في مضاعفة عوامل الانفجار. لكونهم رفضوا وواجهوا، بطريقة ممنهجة، كل انفراج سياسي أو ديمقراطي للأزمة،
ليس أمام النظام السياسي سوى هدف واحد: استعمال كل الوسائل لمنع أي بديل ديمقراطي وضمان بقائه على حساب استمرار الدولة.
إن هذه السياسة المتمثلة في تفضيل بقاء السلطة على حساب مباشرة انتقال يكرس الحريات واستقلالية القضاء وإعادة الكلمة للشعب ومنح الدولة مؤسسات شرعية ذات مصداقية، تجعل الدولة عرضة لخطر دائم.
5- البديل موجود ويفرض نفسه لصالح البلد :
لا بد من التغيير في بلدنا والبديل موجود، وأي مسار مسؤول لا يمكنه أبدا تجاهل الحل السياسي، السلمي، الديمقراطي والشامل للأزمة.
إن هيئة التشاور والمتابعة ترفض العنف كوسيلة للوصول إلى السلطة أو البقاء فيها. لقد أعلنت المعارضة عن استعدادها للحوار مع السلطة على أساس أرضية لقاء مازافران، المنعقد بتاريخ 10 جوان 2014، للسير نحو انتقال ديمقراطي سلمي يجنب بلدنا الانزلاق العنيفة ولشعبنا الانحرافات التي تثقل الوضعية الحالية نحن في غنى عنها.
مع بقائها مرتبطة بمحتوى أرضية مازافران وبمقاربة توافقية من أجل انتقال متفق عليه، فإن المعارضة مصممة على مواصلة معركتها بوسائل سلمية للدفاع عن الحقوق والحريات الأساسية، وترقية التعددية السياسية والنقابية والثقافية، والدفاع عن السيادة الشعبية وحق الجزائريين في اختيار حكامهم، وبناء دولة القانون ومجتمع ديمقراطي.
إن السلطة، التي تبقى، للأسف، صماء عن كل نداءات المعارضة لمباشرة الحوار لأجل مخرج سياسي سلمي من الأزمة، تتحمل المسؤولية الكاملة عن الوضعية الحالية وعن كل انزلا قات محتملة أو ناتجة عن صممها.