حركة مجتمع السلم

وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ

 إن المؤمن لا يزال في نعمة الله ما دام شاكرا لنعم خلق الله ولا يزال في عافية من أمره ما دام معترفا بجميل الرجال وسبق الخلان. هذا المؤمن الكريم لا ينسى فلانا أقرضه وعلانا ستره وأخا أعانه وإماما دعا له، وهو قبل هذا كله ما نسي ربا خلقه وأكرمه، وما أنكر فضل والدين كريمين تعبا عليه وهو صغير وشفقا عليه وهو كبير، وما غاب عن ذهنه قيمة معلم علمه الحرف وهو صغير. أخلاقه سامية وتصرفاته محمودة عالية. إنك إن أكرمت كريما وأعنت عزيزا رحيما ملكته حبا وتقديرا، وإن أنت أعنت لئيما وساعدت ذميما فإنه يتمرد عليك وينسى فضله بين يديك وذلك هو نكران الجميل ونسيان الفضل بين المؤمنين “وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ”. بمجرد خلاف، أو سوء فهم، أو قلة تقدير موقف ينسف الإنسان ليال وأيام وينسى تاريخا وأحوال ويحطم بنيان وكيان “يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ” لغرض تجارة كاسدة، فلاحة عابرة، أموال معدودة، ذرية محبوبة، انتماءات قبلية وتوجهات سياسية، نعرات طائفية، مصالح شخصية أو مواقف عن سوء فهم مبنيه، يحطم الإنسان نفسه وينسف بيته وينسى جميلا مغروس ويعيش بذلك ناكرا جاحدا لجميع الفضائل والعطايا والمزايا عبر العصور، فنفسه لئيمة وطبائعه كريهة وأخلاقه سافلة ومعدنه خبيث مثله كمثل الذي بنى بيتا وحطمه وزرع حرثا وأتلفه وجمع مالا وضيعه وأنجب ولدا وأهمله “وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا”. كل الدنيا مبنية على الفضائل المشتركة والمزايا المتبادلة والعطايا الواجبة ولكل انسان فضل واضح وشكر ذلك من شكر الله عز وجل. إن بتر الحقائق ونكران الجميل ليست من شيم المؤمنين الصادقين. إن مرض عمى الألوان عفانا الله وإياكم يجب ألا يتمناه أي انسان فيصبح وقتها عياذا بالله لا يرى الا أبيضا ناصعا أو أسودا قاتما وبقياس فارق لا يرى الا اللون الأخضر الناعم أو الأحمر القاتم، وتغيب عنه معادلة الأمل “لا يخلو شر من خير”، ويصبح لا يرى من الكأس إلا الجزء الفارغ منه. ولا يفقه من حديث النبي صلى الله عليه وسلم وهو يحكي عن المرأة إلا قوله “خلقت من ضلع أعوج” ولا يرى بياض أسنان الشاة الميتة. وينسى نظرية التغيير “بدل أن تسب الظلام أشعل شمعة”. فيحجب نفسه عن الحقائق وينسى ما به من نعماء وما يعيش من خيرات، فيشطب التاريخ وينكر المعروف، ويوهم الناس بأنه المهدي المنتظر لإعادة كتابة التاريخ وزرع القيم غير مدرك من أن النبي صلى الله عليه وسلم إختصر دعوته في قوله “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق” غير ناكر صلى الله عليه وسلم لمن سبقه معترفا بالفضل وجميل الخُلق لأمته قبل بعثته. إن نظرية التجديد أو التغيير أو الإصلاح أو ما يسمى بالتقييم والتقويم كلها يجب أن تنحى منحى الاعتراف بالجميل والخير لأهل العلم ومن له فضل علينا وأصحاب العطايا والمزايا وكل من علمنا حرفا ودلنا معروفا وأعاننا مشكورا ورعانا بعد الله مأجورا. إن الله قسم الأخلاق بين الناس كما قسم الأرزاق فطوبى لمن رزقه الأخلاق ليعيش بها على بصيرة فلا ينكر معروفا ولا ينسى فضلا ولا يحجب حقيقة ولا يقلل من جهود الآخرين قال صلى الله عليه وسلم ” إِنَّ اللَّهُ قَسَمَ بَيْنَكُمْ أَخْلاقَكُمْ كَمَا قَسَمَ بَيْنَكُمْ أَرْزَاقَكُمْ ، وَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُعْطِي الْمَالَ مَنْ يُحِبُّ وَمَنْ لا يُحِبُّ وَلا يُعْطِي الإِيمَانَ إِلا مَنْ يُحِبُّ ، فَمَنْ ضَنَّ مِنْكُمْ بِالْمَالِ أَنْ يُنْفِقَهُ ، وَهَابَ الْعَدُوَّ أَنْ يُجَاهِدَهُ ، وَاللَّيْلَ أَنْ يُكَابِدَهُ ، فَلْيُكْثِرْ مِنْ هَؤُلاءِ الْكَلِمَاتِ : سُبْحَانَ اللَّهِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَلا إِلَهَ إِلا اللَّهُ ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ ، لا يَضُرُّكُ بِأَيِّهِنَّ بَدَأْتَ ” . إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ ، فَأَحْكُمَ لَهُ بِقَدْرِ مَا أَسْمَعُ مِنْ حُجَّتِهِ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ بِشَيْءٍ فَلا يَأْخُذْ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ “.

 وبالله التوفيق

 النائب يحي بنين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *