حركة مجتمع السلم

مقال: ماذا بعد الهجوم على قطر؟

ماذا بعد الهجوم على قطر؟
قراءة في التداعيات والسيناريوهات


لم يكن الهجوم الأخير على الدوحة حدثا عابرا في سياق إقليمي متوتر، بل جاء كرسالة سياسية مركبة تتجاوز البعد العسكري المباشر، لتضع قطر في قلب معادلة إقليمية ودولية شديدة التعقيد.

فبينما كانت مقاتلات F-15QA القطرية تنفذ دورية فوق الأراضي القطرية برفقة طائرات نقل أمريكية وبريطانية، وقعت الغارات بمشاركة عشر طائرات حربية، في وقت لافت لم تفعّل فيه أنظمة الدفاع الأمريكية المنتشرة في المنطقة. هذه المفارقة وحدها تكشف أن العملية لم تكن مجرد فعل عدائي معزول، بل تحمل بصمات غدر امريكي وابتزاز جيوسياسي متعدد الأبعاد .( وقد اجاب رئيس الوزراء في ندوة صحفية ان الرادارات لم تكتشف الصواريخ وهذا قمة الغدر الامريكي فهل يعقل ان قاعدة العديد الأمريكية المدجنة بآخر التكنلوجيا تعجز عن اكتشاف صاروخ في رقعة جغرافية ضيقة جدا وبعلم مسبق ) ؟؟

ابتزاز مزدوج: الفلسطينيون وقطر
من خلال تصريحات البيت الأبيض، اتضح أن ما جرى لم يكن سوى محاولة لفرض معادلة جديدة: على الفلسطينيين القبول بالشروط المطروحة أو مواجهة المزيد من الضغط، وعلى قطر القبول بتقليص دورها كوسيط وداعم سياسي أو دفع ثمن موقفها. الخطاب الأمريكي حاول أن يغلف هذه الرسائل بحديث عن “السلام”، لكن الحقيقة أن القوة جرى توظيفها كغطاء لممارسة الإكراه.

نتانياهو واستهداف قطر
الهجوم حمل أيضا بصمات حكومة نتانياهو التي لم تتوقف عن استهداف الدوحة إعلاميا وسياسيا، واعتبار قناة الجزيرة “منصة للإرهاب”، الجديد هذه المرة أن الانتقال من خطاب التحريض إلى الفعل العسكري المباشر يشير إلى محاولة صريحة لوضع قطر في قفص الاتهام، باعتبارها ـ في نظر إسرائيل ـ الراعي الأبرز لحركة حماس ، هذا الاستهداف يعكس حجم الألم الذي يعيشه نتانياهو بعد عملية القدس التي تبنتها كتائب القسام، والتي أثبتت أن المقاومة قادرة على الاستمرار في الضغط رغم الكلفة الباهظة.

أكثر من ذلك، بدا أن نتانياهو لا يكتفي بعرقلة أي جهد تفاوضي، بل يسعى إلى “اغتيال المفاوضات” نفسها عبر اغتيال قادة المقاومة، لأن وقف الحرب لا يخدم بقاءه في السلطة، وفي هذا السياق، تكتسب واقعة نجاة فريق التفاوض دلالة كبيرة، إذ تشير المعلومات إلى أن الاستخبارات القطرية وجهت القادة بترك هواتفهم وتغيير أماكنهم في وقت قياسي، ما أدى إلى تمويه الطائرات المهاجمة وفشل محاولة الاغتيال.

قطر في مرمى الشرق الأوسط الجديد
التحالفات القطرية مع تركيا وإيران جعلت منها وسيطا لا يروق لإسرائيل وبعض العواصم الغربية، وبالتالي صار من الضروري ـ في نظرهم ـ تطويعها أو تركيعها. فـ”الشرق الأوسط الجديد” كما يتخيله نتانياهو لا يقوم على الاستقرار، بل على تفكيك الجبهات وإخضاع الخليج تدريجيا، وتحويله إلى نسخ شبيهة بالإمارات: دول وظيفية فاقدة للسيادة، وفي هذا السياق، لا يستبعد أن يمتد التصعيد ليطال وسطاء آخرين، بما في ذلك تركيا ومصر، خاصة بعد تحذير نتانياهو الصريح بأن “لا حصانة لأحد”، في إشارة إلى أن المصلحة القومية الصهيونية تعلو على أي حساب آخر، حتى لو تعلق الأمر بحلفاء ظرفيين.

التداعيات المحتملة
داخليا، قطر تبدو مهيأة للصمود كما فعلت في أزمة حصار 2017، معتمدة على قوتها الاقتصادية وتحالفاتها الاستراتيجية، لكن التحدي هذه المرة مختلف، لأنه يمس الرمزية السيادية والأمنية والسياسية والإعلامية للدوحة، وهو ما قد يستدعي إعادة ترتيب أولوياتها الأمنية.

إقليميا، سيعيد هذا الهجوم خلط الأوراق داخل مجلس التعاون الخليجي، ويضع العلاقات مع السعودية والإمارات أمام اختبار جديد، خصوصا إذا استُخدمت الضغوط لجرّ قطر نحو القبول بدور وسيط منحاز لاسرائيل .

أما دوليا، فإن موقف واشنطن سيظل موضع تساؤل، فغياب أي رد فعل عسكري لحماية قطر من الغارات قد يُفهم على أنه رسالة مبطنة بالرضا أو القبول، وقبل بذلك غدر مغلف بالسلام ..

سيناريوهات ما بعد الهجوم

السيناريو الأول:

يتمثل في التصعيد، سواء عبر ضربات عسكرية قد تستهدف هذه المرة مقر الجزيرة بوصفها المنصة الاكبر اضرارا باسرائيل منذ بداية الطوفان أو عبر حملة إعلامية مكثفة تستهدف شرعية الدور القطري.

السيناريو الثاني قد يكون التسوية عبر وساطات إقليمية الامارات أو مصر أو عبر تدخل تركي أمريكي مباشر، خاصة إذا تبين أن استمرار التصعيد يضر بمصالح واشنطن.

أما السيناريو الثالث فهو أن يتحول الهجوم إلى فرصة تدفع قطر نحو توثيق تحالفاتها مع تركيا وإيران، بما في ذلك التفكير في تفعيل الشراكة الأمنية والعسكرية مع أنقرة، تحسبا لتوسيع نطاق الضربات الإسرائيلية في المنطقة. الموقف العربي والإسلامي
ما حدث ضد قطر لا يمكن عزله عن القضية الفلسطينية، بل هو امتداد لمحاولة كسر إرادة الشعوب وداعمي المقاومة، وإذا لم يتحرك الموقف الخليجي والتعبير عن موقف موحد مما جرى فإن الخليج سيواجه نفس المصير ، وكذا الدول العربية والإسلامية ، والرسالة التي ستصل لإسرائيل وحلفائها هي أن الساحة مفتوحة أمام تحويل أي طرف مستقل إلى هدف مشروع.

الخلاصة
الهجوم على قطر لم يكن مجرد غارة عسكرية، بل تعبير عن مأزق سياسي وأمني تعيشه حكومة نتانياهو، لقد تحولت الدوحة من وسيط فاعل إلى طرف مستهدف لأنها تمثل أحد آخر الأصوات الرافضة لتحويل المنطقة إلى ساحة نفوذ مطلق لإسرائيل وحلفائها، قد يكون التصعيد ضدها مرشحا للاستمرار، وقد تُدرج حتى قناة الجزيرة ضمن أهداف الضربات، لكن قطر تملك من أدوات الصمود والتحرك الدبلوماسي ما يجعلها لاعبا صعبا في معادلة الشرق الأوسط.

يبقى السؤال الأهم: هل يشكل هذا الهجوم بداية مرحلة جديدة لإعادة تشكيل الخليج وفق مقاس “الشرق الأوسط الجديد”، أم أنه مجرد جولة إضافية في معركة نتانياهو للبقاء وسط أزماته الداخلية؟