حركة مجتمع السلم

ثقافة الإسناد في مسار ثورة التحرير

شكّلت أحداث 17 أكتوبر 1961 التي عاشها الجزائريون المقيمون في فرنسا خلال سنوات الاستعمار البغيض، محطةً مفصلية في مسار إسناد ثورة التحرير الكبرى.
فقد رأت قيادة الثورة أن قرار فرض حظر التجوال الليلي على العمال الجزائريين والمسلمين يشكّل فرصة لتوسيع رقعة الضغط على المستعمر ورفع الحصار عن الثورة، من خلال تنظيم مظاهرة سلمية في قلب فرنسا عبّرت عن وعي سياسي عميق ورغبة في نقل المعركة إلى ضفة المستعمِر، وإيصال صوت الشعب الجزائري إلى الرأي العام الدولي.

لكن الردّ الاستعماري جاء وحشيًا وهمجيًا، أضاف إلى سجل فرنسا الأسود جريمة حرب مكتملة الأركان تعاقب عليها القوانين الدولية، ولا تسقط بالتقادم.

لقد كشفت هذه المجازر، التي جرت وسط تعتيم إعلامي وسياسي واسع، عن الوجه الحقيقي للاستعمار الفرنسي الملطخ بدماء الأبرياء، وأظهرت أن جرائمه لم تقتصر على أرض الجزائر، بل امتدت إلى قلب باريس نفسها، حيث قاد أحد مجرمي الحرب عملية قمع دموية أُعدم فيها الجزائريون بدم بارد، ورُميت جثثهم في نهر السين، في واحدة من أبشع صور الإرهاب الاستعماري المنظّم.

ومهما كان عدد الشهداء والمفقودين، فإن عبقرية الثورة الجزائرية تجلت في قدرتها على تحويل المأساة إلى منطلق جديد.
إذ نجحت عبر هذه المسيرة البطولية في كسر الحصار وتوسيع جبهات الإسناد، وخلق تفاعل سياسي وإعلامي فضح المستعمر وأربكه، ومهّد الطريق نحو مرحلة جديدة من المفاوضات التي أنهت الاحتلال وفتحت آفاق الاستقلال.

وتؤكد هذه الأحداث أن الممارسات الاستعمارية واحدة في جوهرها، مهما اختلفت الجغرافيا أو تبدّلت الأدوات.
فكل ما ارتكبته فرنسا في الجزائر يتقاطع في الحقد والوحشية مع ما يرتكبه اليوم الكيان الصهيوني في فلسطين من جرائم إبادة وانتهاكات ممنهجة ضد شعبٍ أعزل، في ظل تواطؤ دولي وصمت غربي مشين، ومشاركة فعلية في كل فصول العدوان.

لقد أسهمت أحداث يوم الهجرة في رسم مسارات جديدة في تاريخ مقاومة الشعب الجزائري لكل أشكال الاستعمار وممارساته، وشكّلت امتدادًا لـ ثقافة الإسناد التي قامت عليها الثورة — تلك الثقافة القائمة على التوازن بين العمل العسكري والفعل السياسي، وعلى أولوية الداخل الميداني مدعومًا بالجهد الخارجي.

فأحداث يوم الهجرة عبّرت بصدق عن تشبّث الجزائريين بالحرية والاستقلال ووحدة الوطن وسيادته، دون تنازل أو ضعف، بل بعزيمة راسخة وإصرار على تحقيق هدف واحد:
الاستقلال الكامل والكرامة الوطنية.

أ. عبد العالي حساني شريف
رئيس الحركة