ملفات للنقاش
ينبغي أن يكون للحوار رؤية واضحة وثمرة مرجوة. وأعتقد أن أهم ما نحتاجه في هذه المرحلة هو تعميق التقارب بين الجزائريين، والتصالح فيما بينهم، وإعلان التوبة التامة عن خطاب الكراهية ومنطق الانتقام. فقد بلغنا الذروة في التصنيف وإطلاق الأحكام العدائية، وتجاوزنا الحدود في رفض بعضنا البعض، وساهم بعض المسؤولين، في مستويات مختلفة، في إذكاء هذا الوضع من خلال إجراءات ومواقف تتطلّب المراجعة والتصحيح.
مجالات الحوار الوطني
كما ينبغي أن يستوعب الحوار كل الملفات ذات الصلة بالشأن العام: كالحوكمة، والحريات، والحياة السياسية، والاقتصاد، ومعيشة الناس، والعلاقات الخارجية، والسكينة المجتمعية.
فالحوار الجاد يعيد الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، ويضيّق المساحات أمام من يعبثون بالوحدة الوطنية، ويستثمرون في الاختلاف الطبيعي بين الجزائريين، والذي كان ولا يزال مصدر قوة وجمال وتنوّع إيجابي.
فوضى النقاش العام ووسائل التواصل
وبالحوار نستوعب النقاش الفوضوي المنتشر في المجتمع، خاصة في فضاءات التواصل الاجتماعي التي منحت لكل من هبّ ودبّ منبرًا للاشتباك السلبي مع الآخر دون مسؤولية أو التزام بقيمة الكلمة، تلك الكلمة التي قد تهوي بصاحبها إلى السجون بسبب الاندفاع وسوء التقدير والعنف اللفظي المشين.
استعادة ثقة المواطنين
وبالحوار نستعيد ثقة الجزائريين، الذين لا تزال آمالهم معلّقة على توجّهات وقرارات المسؤولين الذين انتخبوهم أو سلّموهم زمام أمورهم، منتظرين تحسّن أوضاعهم الاجتماعية، وتحقيق حقوقهم المشروعة في العيش الكريم، والخدمات المناسبة، والسكن اللائق، والعمل، والتداوي، والتربية الإيجابية لأبنائهم، والتمتع بالحريات، والمشاركة السياسية والمجتمعية في بناء وطنهم ونهضته، والعيش الآمن بعيدًا عن الخوف من الحاضر والمستقبل.
منطق القيادة وبناء الدول
فالشعوب تُقاد بالتحفيز، والعدالة، والكرامة، والنزاهة، أما الإكراه والقمع واستعمال منطق القوة فلا يُنتج إلا نفاقًا وتملّقًا وحقدًا سرعان ما ينفجر عند أول اضطراب.
الخطوة المطلوبة من السيد الرئيس
منذ انتخابه سنة 2019، أظهر الرئيس عبد المجيد تبون توجهاً نحو إحداث تغييرات سياسية واقتصادية ودبلوماسية. ومهما كانت مواقفنا السياسية وتقييمنا للأداء والنتائج – الذي قد لا يتناسب مع سياق المقال – لا يمكن إنكار أن شيئًا ما قد بدأ يتغيّر، خاصة في العلاقات الخارجية، حيث وقفت الجزائر في كثير من الحالات موقف الندّية، وحاولت ترسيخ سيادة قرارها، وحماية هويتها، وتنويع شراكاتها، وحاولت الدفاع عن القضايا العادلة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية.
كما انتهج الرئيس خطابًا وُصف بأنه بسيط وقريب من الشعب، مما أكسبه تقدير شرائح واسعة من المواطنين، خاصة مع بعض الإجراءات الاجتماعية التي، رغم محدوديتها، أدخلت الفرح على المواطن البسيط.
وقد سبق للرئيس أن فتح قنوات تواصل مع الأحزاب واستقبل أغلبهم، ونظّم جلسة حوار وطني منذ عامين، لكنها لم تُفضِ إلى مخرجات عملية ملموسة.
فرصة المصالحة الوطنية الشاملة
واليوم، تبدو الفرصة مواتية للرئيس عبد المجيد تبون لتتويج مسار العمل السياسي بإطلاق مصالحة وطنية شاملة وجامعة، حيث وجب على الجميع امتلاك الشجاعة لتقديم التنازلات اللازمة لنجاحها، مصالحة لا تستثني أحداً من أبناء الوطن في الداخل والخارج، إلا من ثبت تورّطه في الخيانة العظمى والعمالة والفساد الكبير.
مصالحة شجاعة تُعيد الاعتبار لفكرة التنازل المتبادل من أجل الوطن، وتؤسس لرؤية وطنية طويلة المدى، تستنهض الكفاءات، وتُعيد الأمل للشباب، وتُصلح البيئة الداخلية حتى تصبح جاذبة وآمنة ومستقرة.
فكلما تأخرنا في ذلك، ازدادت كلفة الاستدراك، وربما ضاعت فرص ثمينة قد يعيدها التاريخ مرة أخرى.