الرئيسية مقالات الدكتور عبد الرزاق مقري منطقة القبائل وشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

منطقة القبائل وشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

كتبه كتب في 15 أغسطس 2021 - 4:27 م
مشاركة

 

حينما نرى ذلك المشهد الهمجي في الأربعاء ناث إيراثن والتواطؤ العام على القتل نشعر بأنه وضع غير طبيعي انهار فيه الضمير الجمعي ولم يصبح في المنطقة، على الأقل في مثل تلك اللحظات، حس اجتماعي للنهي عن ما هو منكر في الفطرة البشرية، ووفق التشريعات الدينية أو القانونية، بغض النظر عن حيثيات القضية، سواء كانت الجريمة عنصرية، أو جريمة همجية لأسباب ودوافع سادية بربرية تتجاوز مسألة حرق الغابات.

كيف يصل مجتمع ما إلى هذه الحالة المفزعة، الخطيرة على سلامة الأفراد والمجتمعات؟ حاولنا أن نعالج الأمر سياسيا وقد نعود إلى ذلك، ونحاول عبر هذه الأسطر أن نساهم في المعالجة من زاوية شرعية إسلامية، وأقول من البداية حتى لا يؤل حديثنا بأن الأمر لا يتعلق بمجتمع يسكن فيه هذا العرق السكاني أو ذاك، إنما هي حالة سننية تعطي نفس المخرجات حينما تخضع لنفس المدخلات.

حينما نرى مناكر عظمى تقترف في منطقة ما ولا يوجد من يستطيع أن يرفع صوته لينكرها معنى ذلك أن الضمير الجمعي قد انهار، وسبب شيوع المنكر وانتصاره واهتزاز حصانة المجتمع هو، في ديننا، سقوط شعيرة من أكبر الشعائر الدينية الإسلامية، وهي شعيرة التناصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونتيجة انهيار شعيرة الأمر بالمعروف والنهي هو ضياع الدنيا والدين، والمحصلة النهائية معروفة لدى المسلمين: إنه الدمار والعياذ بالله، يقول الله تعالى: (( وإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (16) ))، وقوله تعالى: (( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (*) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ)) سورة المائدة: 79،78
وفي الحديث الشريف عَنْ حُذيفةَ رضي الله عنه، عن النَّبيِّ ﷺ قَالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَتَأْمُرُنَّ بالْمَعْرُوفِ، ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ، أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّه أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْهُ، ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلا يُسْتَجابُ لَكُمْ.
رواه الترمذي وَقالَ: حديثٌ حسنٌ.

لا شك أن الخوف من الله وابتغاء الأجر هو أساس قيام شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، غير أن صلاح أمر المجتمعات في أمور دنياهم يمكن أن يتحقق، ولو كانوا غير مسلمين لو حافظوا على ضميرهم الجمعي بالثقافة المجتمعية المناسبة وتحقيق التدافع في إطار القانون.
فحينما قال الله تعالى: (( وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (251) )) وحينما قال: (( ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ )) الروم:41، تحدث عن الناس جميعا، مؤمنهم وكافرهم.

ولهذا السبب نجد كثيرا من المجتمعات غير المسلمة منعوا الفساد واللاعقاب فصاروا مجتمعات مستقرة وقوية، ومجتمعات أخرى مسلمة وغير مسلمة تسلط فيها الفسدة، وأفلت الظالمون من العقاب، فسلط الله عليها كل أنواع العذاب.
إن العقاب بسبب ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واللاعقاب أنواعه كثيرة على نحو ما ذكره الله تعالى في الآية السابقة المتعلقة بشيوع الفساد في البر والبحر، وفي قوله سبحانه: ((قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ)) وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سألته زينب رضي الله عنها: ((أنهلك وفينا الصالحون . قال نعم إن كثر الخبث)) رواه مسلم.
ومن أنواع العقاب الفتن الداخلية والأزمات وتسلط الحكام الظالمين والأمراض والكوارث الطبيعية وغير ذلك، وقد تكون بعض الأزمات تنبيها للتوبة، ويتأكد العذاب في الأمم حين لا يبقى من ينكر المنكر نهائيا أو لا تتحقق الكفاية منه حتى يظهر الفساد ويغلب.

وإن لم يتم الاستدراك في منطقة القبائل سيصل الحال إلى نقطة اللارجوع ولا يمكن معالجة الأمر أبدا، بل سيبتلع الفساد والمنكر أعدادا كبيرة من ضعفاء الناس، الذين ينخرطون في شيع وعصب وجماعات ليسو منها في الأصل دون أن يشعروا، وتبدأ مسيرة الانخراط بالجبن وإيثار العافية، ثم ينتقل السكوت إلى تبرير المناكر، والذي هو في حقيقة الأمر تبرير مواقف هؤلاء الضعفاء المتخاذلة، ومما لاحظناه في منطقة القبائل مؤخرا أن كثيرا من الجرائم الخطيرة أصبحت تبرر، ولا تكاد تسمع لها إنكارا ومن ذلك:

– عدم انكار استضافة زعيم تنظيم انفصالي عميل لدول أجنبية وللصه*اي*نة داخل احدى المؤسسات الرسمية (جامعة تيزي وزو) لتقديم محاضرة عند بعد للطلبة وتبرير ذلك، في الوقت لا يستطيع أي مسؤول سياسي معارض في إطار القانون أن يضع قدمه محاضرا في أي جامعة.

– عدم إنكار ما يهدد الوحدة الوطنية من استعراضات انفصالية علنية وبحضور رايات الانفصاليين العملاء والاجتهاد الدائم في تبرير ترك هذا السلوك يتمادى، ويتم التهجم بقسوة، في نفس الوقت، على القوى السياسية الوطنية بلا هوادة لأي رأي سياسي أو فكري مخالف لخيارات التيار المهيمن في المنطقة.

-عدم إنكار إنزال العلم الوطني داخل إحدى الثانويات واستبداله بعلم انفصالي.

– عدم إنكار جريمة ذبح إمام مسجد في محرابه وتقديم تأويلات لصالح الجاني.

– عدم إنكار التعدي على حرمة المساجد وعدم محاسبة من تفاخر عبر الوسائط الاجتماعية بببث الأغاني فيها.

– … الخ

ومن العجب العجاب أن حتى جريمة القتل الجماعي لشاب مليانة لم ينكرها رؤوس التيار العلماني المتطرف الذين يلاحقون خصومهم أيديولوجيا على أبسط الهفوات، ويصنعون لهم هفوات كثيرة باطلا وزورا.

ليس هذا الصنف من الناس بالطبع من يهمنا، فهم جزء أصيل في الأزمة، ولكن يهمنا النخب الوطنية والإسلامية في المنطقة، وكذا المواطن الجزائري البسيط فيها، كيف يصل بهم الحال أن يصبحوا يبررون للمتطرفين وللمجرمين، ومن غرائب مبررات التبرير قول من يقول: “يجب السكوت لكي لا تكون فتنة” تماما كما هو حال أولئك الذين طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرخص لهم في الجهاد في سبيل الله، فلا يخرجون معه لمواجهة أحزاب وعصب الضلال، فقال عنهم الله تعالى: ((وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ)) التوبة 49، فأي فتنة أعظم من أن يُسكت عن هؤلاء الفسدة فيسيطرون على منطقة بكاملها في البلاد كما نراه الآن يتحقق شيئا فشيئا.

حينما يصل التبرير إلى هذا الحد معنى ذلك أن آخر مراتب الإنكار تلاشت وفق الميزان الذي ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح : ((من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)) رواه مسلم في الصحيح.

إنه لا يطمع عاقل أن تخلو بلدية أو ولاية أو جهة، أو أي مكان في العالم من الفساد والمفسدين كلية، ولكن المطلوب أن تُرفع شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليكون الضمير الجمعي سليما، فلا يضر أن تكون بعض الضمائر الفردية منحطة.

المطلوب أن يرفع المعروف رأسه ويتوارى المنكر فيخشى أن يظهر، لا خوفا من القانون فقط بل قبل ذلك من المجتمع الصالح المحصن بالخير الذي يتعاون فيه الناس على البر والتقوى وليس على الإثم والعدوان كما قال الله تعالى: (( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ )).
و لا بد أن نذكر بأن المسؤولية عن إحياء شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر عليها هي مسؤولية الفرد والمجتمع والدولة، فالنصيحة شرط من شروط الإيمان كما قال الله تعالى: ((الدين النصيحة قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)).

والقول الفصل في الأخير أنه لا يمكن لمؤمن أن يجامل أحدا على الباطل ولو كان من أقرب أقربائه ومن عشيرته وعرقه كما بينت هذه الآية الكاشفة الصارمة الواضحة؛
(( لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ ۖ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ أُولَٰئِكَ حِزْبُ اللَّهِ ۚ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (22)))
صدق الله العظيم

يتبع..

تعليق