الرئيسية غير مصنف 20 أوت 1955: الأحداث والعبر

20 أوت 1955: الأحداث والعبر

كتبه كتب في 20 أغسطس 2021 - 10:57 م
مشاركة

 

لو أردنا أن نحصي أيام الثورة العظمى ومآثرها الكبرى لما كفت مجلدات ضخمة لكثرة الوقائع البطولية في كل ولاية، بل في كل قرية ودشرة، ولست أدري أين وصلت وزارة المجاهدين في مشروع توثيق شهادات الشهود على إحداثيات الثورة الذي انطلق منذ كان عدد كبير منهم أحياء.
غير أني بعد طول اهتمامي بتاريخ الثورة، وما سمعته من المجاهدين منذ طفولتي وما قرأت عنه وكتبت فيه أرى أن ثمة ثلاثة تواريخ تسبق غيرها في الأهمية وهي: الانطلاقة في 01 نوفمبر 1954، هجومات الشمال القسنطيني في 20 أوت 1955، الانتفاضة الشعبية الكبرى في 11 ديسمبر 1960 إلى أن جاء يوم الاستقلال الأغر المعلن عنه يوم 05 جويلية 1962.
وفي هذه المناسبة المباركة لهجومات 20 أوت نسترجع الأحداث ونقف عند العبر والعظات .
جاءت أحداث 20 أوت بعد قرابة سنة من اندلاع الثورة، وقد وصلت في تلك المرحلة إلى نقطة الانعطاف، إما تثبيت هبة نوفمبر وتأكيد الإنجازات أو انكسار المسار وقبر الثورة والعودة إلى هيمنة الاستعمار والشك في الذات.
كانت الثورة قد حققت إنجازات مهمة منها بدايات تأطير الشعب ضمن الهياكل المدنية للثورة لضمان احتضان الثوار وجمع الاشتراكات وتوعية الجماهير، وتأسيس بعض المنظمات كاتحاد الطلبة المسلمين الجزائريين (جويلية 1955)، ونقل الثورة على الأرض الفرنسية بتأسيس فيدرالية جبهة التحرير هناك (ديسمبر 1955)، وعلى الصعيد الخارجي توطت الصلة مع الأشقاء والأصدقاء، وتحقق اختراق دبلوماسي كبير بتسجيل القضية الجزائرية في مؤتمر باندونغ بإندونيسيا (24 أبريل 1955) للدول التي أسست منظمة عدم الانحياز.
غير أن الثورة واجهت ردة فعل غاية في العنف والهمجية من جيش الاحتلال ضد المجاهدين والمدنيين لترهيب الجزائريين معنويا وإيهام الداخل والخارج بأن فرنسا لا تزال قوة كاسحة تتحكم في الأوضاع، فنزلت للجزائر تعزيزات عسكرية غير مسبوقة وعمد الاحتلال إلى القيام بعمليات تمشيطية واسعة، خاصة في الأوراس، ظنا منه بأن الثورة معزولة في مهد انطلاقها ولكسر شوكة المجاهدين استهدف القادة فألقي القبض على بعض مفجري الثورة كمصطفى بن بولعيد ورابح بيطاط واستشهد قائد المنطقة الثانية ديدوش مراد.
لم تكن هجومات 20 أوت أعمالا بطولية بلا أهداف، بل ما حققته من نتائج أظهر عبقرية الثورة الجزائرية وأنها ظاهرة عالمية رائدة في تاريخ الثورات الكبرى في تاريخ البشرية.
تم اختيار يوم 20 أوت للتضامن مع الأشقاء المغاربة بمناسبة ذكرى نفي السلطان محمد الخامس بالمغرب لإظهار البعد المغاربي للثورة، وكان ثمة بعد إقليمي وعالمي لإشعار الدنيا بأن ثمة شعب قد كسر أغلاله وأنه هو السيد على الأرض، وحتى تصل رائحة البارود وعمق دماء الشهداء إلى الأشقاء في العالم العربي والإسلامي فينتبهوا بأن ثمة شعب عربي مسلم في الجزائر تحت الاحتلال يقاوم بشهامة نادرة فتقوى عزائمهم لدعم الثورة، وليدرك الأحرار في العالم بأسره بأن عشقهم للحرية له قصة مشوقة في أرض الجزائر فيضغطوا على حكوماتهم الاستعمارية أو المترددة، ولتدخل الثورة في اللعبة الدولية فتراهن عليها دول المعسكر الشرقي لإرهاق الرأسمالية الامبريالية، وسيساعد ذلك كله في كسب معركة الأخلاق عالميا، وعلى ساحة الدبلوماسية في محافلها .
ولتحقيق ذلك كله يجب إذلال فرنسا عسكريا في الميدان على أرض الجزائر، حتى تفقد أملها كلية في الرجوع بالقضية إلى ما قبل نوفمبر، وأن محاولات خلق القوة الثالثة العميلة التي سعى إليها الحاكم الجديد جاك سوستال آنذاك أحلام زائلة، فكانت العمليات شاملة عبر ثلاثة أيام في ما يقارب 39 هدفا بين عمليات فدائية ضد العدو، وتصفية الخونة والعملاء، وحرق مزارع المعمرين، وعلاوة على ذلك إنهاء مساحات التماس مع الإدارة الفرنسية في المجالس المحلية التي كانت تزورها ضد مرشحي الحركة الوطنية، بدعوة من استطاعوا افتكاك مقاعدهم بالانسحاب والالتحاق بالثورة بعد مرور قرابة سنة من اندلاعها، إذ لم يبق من حل مع الاستعمار بعد رسوخ نهج الجهاد في نفوس الجزائريين إلا حل واحد ولا شيء معه هو البارود.
وبالفعل اندمج الشعب الجزائري قاطبة في الثورة، وأدركت الأقلية العميلة “الحركى” حقيقة مصير الخيانة، وانتهى تردد أحزاب وشخصيات الحركة الوطنية فاندمجوا مع إخوانهم في الكفاح وصار للجزائر جبهة واحدة موحدة، وتصدع الرأي العام الفرنسي تجاه القضية الجزائرية، وارتفعت معنويات ونخب الأشقاء في العالم العربي والإسلامي، وسُجلت القضية الجزائرية في الجلسة العاشرة للأمم المتحدة في 30 سبتمبر 1956.
ولهذا كله نقول بأن معارك 20 أوت 1955 فاصلة في تاريخ الثورة تشتمل على دروس عظيمة في النضال والتضحية والسياسة والدبلوماسية والعمل الشعبي، وفي مسائل التخطيط والقيادة والإدارة والتنظيم والاتصال والتواصل. وقبل ذلك كله في الصدق مع الله وحسن التوكل عليه والوطنية الحقة والأخوة والوحدة والتعاون والتضامن.
فكيف يمكن لشعب وهبه الله هذا الكنز العظيم وهذه المرجعيات الخالدة أن يُضيّع معالمه وأن يتفرق ويشك في هويته وتاريخه، وأن يلعب الاستعمار ببعض نخبه بعد قرابة ستين سنة من الاستقلال وبعد هذه التضحيات العظيمة.
إن هذه الذكرى من أيام الله سبحانه التي نذكره فيها ونشكره، ونعاده على الوفاء لثورة نوفمبر ولعهدها وبيانها ودماء شهدائها.
والحمد لله رب العالمين.

رئيس الحركة

د. عبد الرزاق مقري

20 أوت 1955: الأحداث والعبر

تعليق