الرئيسية مقالات أ. حمدادوش ناصر العقل المقاصدي والبُعد الفقهي لرجل التغيير (03)

العقل المقاصدي والبُعد الفقهي لرجل التغيير (03)

كتبه كتب في 26 سبتمبر 2021 - 12:18 م
مشاركة

 

أشار “ابن خلدون” (1332م – 1406م) في مقدّمته إلى تلك البداوة السياسية الطاغية على السُّلوك الإنساني في مسألة الحُكم والسياسة، والثقافة المتمرِّدة على النظام ومركزية السُّلطة وبناء الدولة، وأنه لا يمكن ترويض هذه الشخصية العصيَّة إلاّ بوازع الدِّين، وقد أثبت التاريخ قدرته أكثر من غيره على ذلك. وهو ما أكَّده كذلك فيلسوف الحضارة في العصر الحديث الأستاذ مالك بن نبي (1905م – 1973م) في كتابه: شروط النهضة، في فصل: “أثر الفكرة الدِّينية في تكوين الحضارة”، والدور الإيجابي والفعَّال لها في بناء إنسان التغيير والإصلاح، وكيف يؤثّر الدِّين في مجرَى التاريخ والحضارة. فالإنسان ليس كتلةً مادِّيةً من الشرِّ المطلق، فله فطرةٌ أصيلةٌ، وهو ذو معدنٍ نفيس، كما ورد في الحديث النبوي الشّريف: “كلُّ مولودٍ يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجِّسانه..”، وهي الحقيقة المرتبطة بالنّزعة العميقة للخير فيه، وبالحاجة الفطرية للدِّين عنده، كما قال تعالى: “فطرت الله التي فطر النّاس عليها، لا تبديل لخلق الله، ذلك الدّينُ القيّم.”(الرّوم:30). وهو ما جعل “ابن خلدون” يصل إلى حقيقةٍ راسخةٍ وهي أنَّ الدِّين هو المفتاح السِّياسي الأصيل للإنسان في عملية الإصلاح والتغيير، فقال في فصلٍ له: (أنَّ العرب لا يحصُل لهم المُلك إلا بصبغةٍ دينيةٍ من نبوَّةٍ أو وَلايةٍ أو أثرٍ عظيمٍ من الدِّين على الجملة.)، وهو ما يحُلُّ أزمة الازدواجية بين صعوبة الخضوع إلى منطق الدولة، وبين سهولة الانصياع إلى سلطان الدِّين عنده، فيوفِّر الجهد والوقت في حلِّ إشكالية الإصلاح الحقيقي والتغيير الفعلي عن طريق مركزية الإسلام في تحقيق فاعلية الإنسان في إقامة الدولة وصناعة النّهضة وبناء الحضارة. فالإنسان هو محور التغيير وأداة الإصلاح وهدف بناء الحضارة، وهو ليس كتلةً مادية فقط، بل هو لطيفةٌ علوية، من ذلك القبَس النوراني الإلهي المقدَّس، بتلك النَّفخة الغيبية من عالم السَّماء، وهي: الرُّوح، التي ترتقي بفاعليةُ الإنسان في الحياة نحو العطاء والإنجاز والإنتاج، كما قال سبحانه: “فإذا سوّيته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين.”(ص:72)، وانظر إلى نِسبة “الرُّوح” إلى الله تعالى، وهي إشارةٌ إلى الجوهر الديني للإنسان، والذي يحوي في أعماقه طاقةً كامنةً وقوَّةً غيبيةً خارقة، تؤثر في حياته لتحدِّد مسيره وتقرِّر مصيره، وأنَّ هذا الارتباط العلوي يجعل “التديُّن” نزعةً فطرية، وصفةٌ ملازمة، وحاجةٌ أصليةٌ للإنسان، لا تستقيم حياتُه إلا بهذه الفكرة الإسلامية الصَّميمة. فكان الإسلامُ أعظمَ نعمةٍ من الله تعالى على الإنسان، كما قال سبحانه: “الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا..”(المائدة:03)، وأنَّ يقينًا فريدًا في هدايات السَّماء أنَّها تهدي للتي هي أقوم، وأنَّ هذه الهدايات ليست مجرد عقائد غيبية أو مواعظ روحية أو تعاليم عامة أو قواعد كلِّية، بل هي أحكامٌ تفصيليةٌ وعملية أيضًا، تستوعب الفرد والأسرة والمجتمع والدولة والحضارة، والتي استقرَّت فيما سُمِّيَّ بالفقه. ومع أنَّ مصطلح “الفقه” كان يعني عند نزول الوحي: الفهم والإدراك والمعرفة والعلم بكلِّ ما ورد في النصِّ القرآني أو النبوي، كما قال صلى الله عليه وسلم: “مَن يُرِد الله به خيرًا يفقِّهه في الدِّين.”، والدِّين يشمل: العقائد والعبادات والمعاملات ومختلف الشَّعائر والشَّرائع والتصوُّرات عن الله والكون والإنسان والحياة (أي الآيات المسطورة في القرآن، والآيات المنظورة في الكون)، إلاَّ أنه استقرَّ معنى هذا المصطلح – ضمن تطوُّر دلالات الألفاظ وفي إطار التخصص المعرفي – فأصبح الفقه يُطلق على “الأحكام التفصيلية العملية في العبادات والمعاملات” فقط، ومع ذلك فإنَّه لا يمكن استصغار دور “الفقه” في بناء إنسان الإصلاح والتغيير والحضارة، إذ يكمن فيه السِّر الإلهي في إبداع علاقة الإنسان بالله والكون والحياة. وقد ذكر المؤرخ الفرنسي “جوستاف لوبون” في كتابه “حضارة العرب” أنَّ “نابليون بونابرت” قد أخذ معه عند عودته من مصر إلى فرنسا سنة 1801م كتاب: “شرح الدردير على متن خليل”، وهو من أشهر كتب الفقه المالكي، بل ذهب المؤرخ الفرنسي “لويس سيديو” في كتاب “ملخص تاريخ العرب” إلى أنَّ “نابليون” بَنَى التشريع الفرنسي على ذلك الفقه، وكان أحد أهمِّ أسباب نهضة الدولة الفرنسية، خاصة في مادة الأحكام والعقود والالتزامات، وأهمُّها: مدوَّنة الفقه المدني المعروفة بمدوَّنة نابليون. إنَّ من خصائص الأحكام الفقهية للشريعة الإسلامية أنها أحكامٌ عامَّة ومجرَّدة، أي أنها تتميَّز بخاصية العموم وفق اصطلاح الإمام الشاطبي في “الموافقات”، وأنَّها واقعية وعقلانية وذاتُ أبعادٍ إنسانية، وهو ما جعلها صالحةً لكلِّ زمانٍ ومكان، وأنَّها تستوعب الجانب النظري والتطبيقي للفكرة الإسلامية في حياة الإنسان، وأنَّ الاجتهاد المقاصدي في تنزيل أحكام الشريعة يتطلب ثلاث مراحل ضرورية، هي: 1_ مرحلة فهم المراد الإلهي من التنزيل: إذ الفقه الحقيقي هو فهم غرض المتكلم، وإدراك معنى الكلام، والعلم بما دقَّ وغمُض منه، وهو ما يتطلب جهدًا عقليًّا وجودةً ذهنيةً في إدراك المقصود، والذي ينتهي عبر الاجتهاد إلى إدراك حقيقة الأحكام الشرعية الخاصَّة بالمكلَّفين، وأنَّ الفقه فيها يستوجب العمل بها. 2_ مرحلة الصياغة القانونية لهذه الأحكام الفقهية: إذ لابد من ضوابط منهجية في ترتيب أولويات ذلك الفقه وتنظيم كيفيات التعاطي معه عبر أجرأته، وذلك بضبط دلالة تلك النصوص على تلك الأحكام عن طريق الاستنباط، كما قال تعالى: “وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ.” (النساء:83). 3_ مرحلة فقه التنزيل على الواقع، والاستدعاء إلى حياة الناس، والتمثُّل في أحوال الإنسان: إذ الفقه هو إجاباتٌ عن إشكالات وتلبيةٌ لاحتياجات، أي أنَّ المشروع الإصلاحي أو التغييري بحاجةٍ إلى الرَّبط بين الفقه وأصول الفقه ومقاصد الشريعة، لتحقيق المصلحة ودرء المفسدة في العاجل والآجل. إنَّ الفقه ليس مجرد مجموعةٍ من الأحكام، بل هو منظومة قانونية متكاملة تشمل مظاهر الحياة جميعًا. فالقيام بواجب التدبُّر والتأمل في النصوص الشرعية (قرآنًا وسُنَّة) يولِّد فهمًا وفقهًا، ويثمر غزارةً في الاستنتاج والاستنباط للأحكام، وهو ما ينتج ثروةً فقهية ضخمة، يدلِّل على ثراء هذه الشريعة، سواء فيما تعلَّق بالحوادث الآنية، والتي تطلبت نصًّا صريحًا مباشرًا زمن وُرُود النص، أو المسائل المستجدة، والتي تستدعي اجتهادًا في معرفة حكمها، بحثًا عن العِلَّة المشتركة مع المسائل المنصوص عليها فتأخذ حكمها بالقياس، أو المسائل التي ترجع في استنباط أحكامها إلى الاشتراك في نوع المصالح أو المقاصد الشرعية فتأخذ حكمها بإعمال العقل المقاصدي فيها. فالعقل المقاصدي في عملية التغيير يقتضي الانتقال من “الفقه”(وهو العلم بالأحكام الشرعية الخاصَّة بالمكلَّفين) إلى “أصول الفقه”(وهي القواعد التي يتم بواسطتها استنباط الأحكام الفقهية العملية من أدلها الشرعية) إلى “مقاصد الشريعة”(وهي الحِكم والأسرار والمعاني والغايات التي شُرِّعت من أجلها تلك الأحكام الشرعية) حتى تستقيم عملية التغيير من أجل التمكين الحقيقي. ذلك أنَّ الوظيفة الأساسية والأصلية – والتي هي من مبرِّرات وجود الإنسان – هي القيام بواجب الخلافة في الأرض، والتي تمَّ التنصيص عليها كوجودٍ معرفيٍّ سابقٍ عن الوجود المادي للإنسان في قوله تعالى: “وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً.” (البقرة:30)، والخلافة هي: سياسة الدُّنيا بالدِّين، وهو ما يتطلب الجمع بين البُعد الفقهي والعقل المقاصدي من أجل التغيير والتمكين.

تعليق