الرئيسية غير مصنف خلفيات ومغالطات ماكرون في التنديد بجرائم 17 أكتوبر 1961

خلفيات ومغالطات ماكرون في التنديد بجرائم 17 أكتوبر 1961

كتبه كتب في 19 أكتوبر 2021 - 2:32 م
مشاركة

 

حينما يجهل المرء خلفيات مواقف السياسيين الميكيافيليين يختلط عليه أمرهم ويخطئ في تشكيل رأي صحيح بشأنهم. لقد وجد ماكرون في الج_رائم التي اقترفها الفرنسيون في حق الجزائريين الذين خرجوا للتظاهر السلمي في باريس يوم 17 أكتوبر 1961 للمطالبة باستقلال بلدهم فرصة سانحة لكسب صداقة المسؤولين الجزائريين دون تقديم أية تضحية حقيقية داخل فرنسا أو خارجها.

لم يكن موقفه ذلك موقفا بطوليا علاوة على أنه محفوف بالخداع والمغالطة. حاول إلصاق الجريمة بموريس بابون دون ذكر مسؤولية الدولة الفرنسية وعلى رأسها الرئيس الفرنسي شارل ديغول الذي اقترفت الجريمة تحت حكمه، لا لشيء إلا لأن السفاك بابون كان قد قُضِي عليه في فرنسا من قبل فلا أحد يدافع عنه، وكان قد دُمرت سمعتُه قبل موته من طرف اللوبي الإس_رائيلي في فرنسا، وأي إساءة إضافية له من قبل ماكرون هي مزيد من الانتقام منه لا ليُفرِح المسؤولين الجزائريين فحسب بل ليسعِد اللوبي الص#ه_يو#ني الذي يدور ماكرون في فلكه.

علاوة على أن مسؤولية بابون على مجزرة 17 أكتوبر في باريس تحولت إلى قضية رأي عام في فرنسا لم يأت ماكرون بشأنها بشيء جديد، وذلك ضمن سياق غير متوقع فاجأ الفرنسيين أثناء محاكمة بابون سنة 1997 بما جعل التسليم بالمجز*رة مسألة بديهية لا يستطيع أي مسؤول فرنسي إنكارها.

ولفساد ذمة الرئيس الفرنسي الحالي في تصريحه بمناسبة ذكرى مجز*رة 17 أكتوبر قبل أيام حاول إلصاق الجريمة في موريس بابون وحده، وجعل ما قام به هذا المجرم جزء من الجرائم المتبادلة، حسب زعمه، بين الجزائريين والفرنسيين، فساوى بذلك، كما هي عادته، بين نضال شعب نهض يقاتل من أجل حريته، ودولة استعمارية قتل_ت وأجرم_ت لإبقاء احتلا#لها لبلد غير بلدها.

حُكم على موريس بابون في 02 أبريل 1998 بعشر سنوات سجنا بتهمة جرائم ضد الإنسانية، ولكن لم يكن ذلك الحكم بسبب ما اقترفه من جرائم يوم 17 أكتوبر 1961 في حق الجزائريين حين كان محافظ شرطة باريس تحت حكم ديغول.

ولا من أجل جرائم التعذ*يب والق*تل والقم*ع ضد الجزائريين حين كان واليا استعماريا جهويا على الشرق الجزائري بقسنطينة بين 1956-1958. لقد حُكم عليه بسبب مساهمته في سجن اليهو*د ونقلهم إلى المحتشدات الألمانية حين كان الأمين العام لولاية جيروند (Gironde) بفرنسا في حكومة فيشي بين 1942-1944 تحت الاحتلال الألماني.

لم يغفر اليهو*د لموريس بابون تورطه في حشد وقتل بني جلدتهم أثناء الحرب العالمية الثانية رغم ما قام به لإرضائهم بإشرافه على نقل كميات هائلة من الأسلحة إلى دولة الكيا*ن الإسرا*ئيلي في بداية تشكله في فلسطين عبر جسر جوي خَفي انطلاقا من كورسيكا لما كان واليا عليها سنة 1946.

لم يتم كشف جرائم بابون في 17 أكتوبر 1961 للرأي العام الفرنسي انتصارا لضحاياه ولكن كانت لعبة سياسية إعلامية من فرانسوا ميتيران لإضعاف منافسه في الانتخابات الرئاسية سنة 1981 فاليري جيسكار ديستان الذي كان موريس بابون وزيرا في حكومته، بقصد كسب أصوات اليهو*د.

منذ تلك السنة بدأت الملاحقات اليهو*دية ضد بابون ولكنه استطاع أن ينجو لسنوات من الملاحقة بسبب الحصانة التي كان يتمتع بها جراء سياسة العفو والمصالحة التي انتهجها ديغول بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وعدم تحميل الدولة الفرنسية والموظفين الفرنسيين مسؤولية ما قامت به السلطات الفرنسية الموالية لألمانيا النا*زية. وقد كان موريس بابون مقربا من ديغول الذي استلم من يديه شخصيا وسام جوك الشرف(La Croix de commandeur de La Légion d’honneur ) التي تعتبر أعلى وسام فخري فرنسي، ويعرف على ديغول أنه أسس سنة 1960 منظمة مسلحة موازية ( La SAC) ضم فيها المجر*مين بمختلف مشاربهم لدعم حكمه في فرنسا في مواجهة المنظمة المسلحة الخاصة (L’OAS) والتيارات اليسارية المتشد*دة.

بعد أن أسقط الرئيس الفرنسي جاك شيراك تلك المراسيم الديغولية سنة 1995 قُبض على موريس بابون وتمت محاكمته وحكم عليه بعشر سنوات سجن.

كانت محاكمته بسبب ما نُسب إليه من جرائم ضد اليهو*د، الذين صاروا يتمتعون في الدول الغربية بنفوذ كبير وسلطة قوية، ولم يكن أحد يهتم بما قام به ضد الجزائريين. والغريب في الأمر أن دفاعه انتهج التزييف والخداع وصوّره أثناء المحاكمة كبطل قومي في الدفاع على فرنسا ومن ذلك دوره ضد “إرها*ب جبهة التحرير الوطني الجزائرية” على التراب الفرنسي.

كانت الرواية الرسمية التي ظلت تُنكر الجريمة ضد الجزائريين منذ اقترافها هي المسيطرة في المحاكمة إلى أن وقع شيء غير متوقع أثناء المرافعات جعل أحداث 17 أكتوبر 1961 تطغى على أجوائها ثم انتقلت الأخبار إلى الصحافة والرأي العام الفرنسي إلى أن صارت هذه الجرا*ئم حقيقة ثابتة لدى الرأي العام الفرنسي والدولي فرضت على السلطات الرسمية تغيير خطابها بشأنها بل التوجه لفتح أرشيف الاحتلال الفرنسي للجزائر.

اقتضت استراتيجية محامي الطرف المدني الفرنسيين إظهار الوجه الإجرا*مي لشخصية موريس بابون حتى يقضوا عليه في القضية الأصلية للمحاكمة المتعلقة بمساهمته في سجن ونقل اليهو&د إلى المحتشدات الألمانية فاستعملوا ضده جرا*ئمه في باريس في حق الجزائريين.

لم يستطع المحامون في البداية زعزعة روايته المركبة من الدولة الفرنسية ذاتها فظل يدّعي أن عدد الأموات الجزائريين هو اثنين فقط جراء رد الشرطة على إطلاق نار من المتظاهرين الجزائريين، وأنه كانت هناك مشادات بين الجزائريين أنفسهم ورموا بعضهم بعضا في نهر السين ( La Seine) إلى أن استدعى المحامون الصحفي المتعاطف مع القضية الجزائرية جون لوك اينودي (Jean luc Einaudi) إلى عرض تحقيقاته عن الأحداث.

أثمرت التحقيقات المفصلة وقوة الوثائق والشهادات التي اعتمد عليها هذا الصحفي القدير، فأعطى تفاصيل دقيقة ومتجانسة مناقضة للرواية الرسمية أسكتت المجر*م بابون ومحاميه، ثم تلقفتها وسائل الإعلام فلم يصبح أحد من المسؤولين يستطيع إخفاء ما وقع يوم 17 أكتوبر 1961.

حكم على موريس بابون بالسجن وسحبت منه ميدالية الشرف التي سلمها له ديغول، ولكن لم يقض في حبسه سوى ثلاث سنوات لأسباب صحية.

وخلاصة القول أن موقف الرئيس الحالي إمانويل ماكرون هو ضد شخص بات أمره مكشوفا في الرأي العام، ومنبوذا عند اليهو*د، وموقفه من أحداث 17 أكتوبر 1961 جعلته يقدم خدمة لأصدقائه هؤلاء، وإنما أراد أن يستفيد من ذلك بمخادعة بعض أصدقائه الجزائريين الذين يرغبون في تمتين العلاقة بفرنسا دون مطالبة الاعتذار والتعويض، ولكن الله سبحانه كشف المخطط فوقع الرئيس الفرنسي في الخطأ الذي لا يغتفر بإنكار وجود الأمة الجزائرية لو لا الاستعمار الفرنسي، حسب زعمه، وهو خطأ مشين يصعب عليه ترقيعه باعترافه بجرائم 17 أكتوبر ولا بمواقف أخرى مشابهة قد يلجأ إليها بعد الانتخابات الرئاسية الفرنسية لإزالة الحرج على أصدقائه الجزائريين حتى يعودوا لخدمة المصالح الفرنسية.

د. عبد الرزاق مقري

تعليق