الرئيسية مقالات الدكتور عبد الرزاق مقري في ذكرى الحراك: كلمات للتاريخ وأخرى للمستقبل

في ذكرى الحراك: كلمات للتاريخ وأخرى للمستقبل

كتبه كتب في 22 فبراير 2022 - 12:33 م
مشاركة
عبر الحراك الشعبي الجزائري عن رفض شعبي عارم للنظام السياسي بكل تفاصيله، ولكن لم يكن يوم 22 فبراير 2019 الذي نعيش ذكراه الثالثة هو اليوم الذي كره فيه الجزائريون منظومة الحكم فجأة، بل كان اللحظة التي اجتمعت فيها زوايا الأمل المكسورة عبر سنوات عديدة تعيسة فصارت في يوم واحد بساطا واسعا شمل بلدا شاسعا بحجم الجزائر.
كان الجزائريون في مجملهم ساخطين عن وضعهم، يعبر كل منهم عن حنقه في زاوية خاصة به أو بأصحابه أو مجموعته أو حزبه، لا يكاد أحد يكمل قصته حتى يغلبه الأسى وغياب الأمل فيسكت أو يتوارى ثم كان يوم 22 فبراير فتحدث الجزائريون بصوت واحد متعدد الألوان، لم يضق لون بلون، بل صارت الألوان مجتمعة فسيفساء جميلة أبهرت العالم، وأعجزت الحاكم المتجبر المراوغ.
يخطئ من يعتقد بأن الشعب ثار من تلقاء نفسه، كأن طيفا زار الناس في المنام كلفهم بالمسير لتوّهم.
لقد كان الاحتقان يُصنع يوما بعد يوم، تغذيه أشياء عديدة متناقضة في طبعها متعاضدة في فعلها. كان فساد النظام السياسي وفشله هو العامل الأساسي لصناعة الاحتقان، إذ حين يكون الحكام عادلين خادمين لشعوبهم لا يضرهم من ينازعهم الحكم، وحين يفسدون ويفرطون يسهل كشفهم. ثم كان دور المعارضة التي تحملت مسؤولية كشف التجبر والفساد الذي بلغ عنان السماء وواجهته بلا توقف لسنوات، خصوصا منذ جريمة العهدة الرابعة سنة 2014 قبيل ظهور الانهيارات الاقتصادية وانكشاف الخيانة التامة للوطن، لا سيما حين وحّدت جبهتها عبر تنسيقية الحريات والانتقال الديمقراطي، فشعر الشعب بأن ثمة أمل يُصنع.
لن ينفع المتسكعين في هوامش السياسة، الركّابين للفرص في لحظاتها الأخيرة، قولُهم أن المعارضة لم يكن لها دور في بناء الاحتقان الذي صنع الحراك الشعبي. إن تلك الحملات السياسية المركزة التي قادتها التنسيقية، من ندوات وتجمعات ومسيرات وتدخلات إعلامية، هي من أبرز ما ساهم في توعية المواطنين وتشجيعهم وتجرئتهم على الوقوف في وجه النظام السياسي. ومما أعطى للمعارضة مصداقيتها تحقق استشرافاتها قبل أن يَبِين كل شيء بعد انهيار أسعار النفط سنة 2016 واتضاح حجم الفساد حين اقترب أوان إفلاس البلاد.
غير أن ثمة سببا آخر يضاف لأسباب الاحتقان، وهو صراعات الأجنحة من داخل النظام السياسي في ظل هشاشة موقع الرئاسة في الدولة، حيث بات القوم يضرب بعضهم بعضا بتحريك أدواتهم في المجتمع وفي المؤسسات الإعلامية والسياسية والاقتصادية والشخصيات التابعة لهم.
إن القاعدة المرسومة في علم الاجتماع أن قيام الثورات وانفجار الشارع يتطلب بلوغ الاحتقان الشعبي ذروته حتى يصبح كالبرميل القابل للانفجار، ثم تكون حادثة ما تؤدي دور الصاعق فينفجر البرميل.
لقد كانت العهدة الخامسة لرئيس مريض مقعد لا يراه أحد، ضاعت في عهدته أموال طائلة لم تستفد منها سوى عصابته واقتصاديات دول أجنبية على رأسها فرنسا، هي صانعة ذروة الاحتقان. فمن أشعل الفتيل لينفجر البرميل؟
حينما يصل الاحتقان إلى الذروة ينفجر الوضع لأي سبب من الأسباب، ويكون ذلك السبب بمثابة الصاعق الذي يُشعل الشرارة المُفجّرة. قد تكون الشرارة حدثا عرضيا، أو عزمة جهة معارضة تركب الخطر وتقتحم الشارع، وقد يكون مُشعّل الفتيل جهة من جهات الحكم المتصارعة، أو يكون الأمر تدبيرا خارجيا.
كل هذا ممكنٌ بالنسبة لحراكنا الشعبي الجزائري، ولكن الذي رأيناه بأعيننا هو أن الذين تنادوا للخروج عبر الوسائط الاجتماعية والاتصالات المباشرة في الأحياء كانوا جزائريين، فعلوا ما كانت تفعله تنسيقية الحريات والانتقال الديمقراطي، خصوصا في مواجهة العهدة الرابعة والغاز الصخري، دون نتيجة إذ لم يكن الاحتقان قد بلغ مداه القابل للانفجار قبل العهدة الخامسة. ومهما يكن من أسباب مباشرة فجرت الشارع، ومهما يكن حجم دور هذا المعطى أو ذاك فإن شرعية الثورة الشعبية السلمية كانت كاملة ومصداقيتها تامة، فالذي صنع أسبابها العميقة غير المباشرة هو فساد وتجبر النظام السياسي، لا سيما حينما رفض ذلك النظام المغرور دعوات الحوار للانتقال الديمقراطي فأوجب حينئذ الثورة عليه سلميا بنفسه.
لقد كانت حركة مجتمع السلم حاضرة بفاعلية في الحراك الشعبي، عبر إرسال التعليمات المكتوبة لمناضليها بالاستعداد للخروج للشارع قبل يوم الجمعة، وعبر خطاب مرئي مسموع في ندوة صحفية أياما قليلة قبل الحراك وبنزول رئيسها وقادتها في أول جمعة، وبقائها في الحراك إلى نهايته، بانسجام مع المواطنين وبإعجاز للكائدين.
ولئن كان حضور الحركة وقادتها مسجلا في التاريخ تشهد به التسجيلات والشهادات لمن تهمه هذه التجربة الجزائرية الفذة، فإن دورها الأعمق هو تشكيلها الوعي قبل الحراك، مع شركائها السياسيين، حيث كانت محورا أساسيا للتنسيقية وفي الخطاب الإعلامي والسياسي الذي تعج به المواقع الالكترونية والوسائط الاجتماعية لمن أراد من الباحثين دراسة دورها وتسجيله في كتب العلم وفي التاريخ لتستفيد منه الأجيال، إذ لا يبقى من الأحداث إلا ما تم القيام به فعلا لا ما تتحدث به الألسنة دون مستندات دراسية فعلية. وأهم من ذلك محاولتها إنقاذ الموقف قبيل الحراك بمبادرة التوافق الوطني لتحقيق انتقال ديمقراطي متوافق عليه يعبر عن روح مشروع التنسيقية من قبل، يهدف إلى القيام بإصلاحات عميقة قبل تنظيم الانتخابات باستغلال حالة الضعف التي كان عليها الرئيس واغتنام ضعف النظام السياسي تحت وطأة صراع الأجنحة المحتدم على الرئاسة بعد بوتفليقة، وكاد الحلم أن يتحقق لصالح العباد والبلاد لو لا تدميره من جهات صلبة في النظام السياسي، ولو لا الالتقاء الموضوعي ضده بين الأجنحة المتصارعة وبدعم شبكات الحسد البغيضة والغباء المنحط. ثم عادت الحركة مع شركاء آخرين إلى مشروع توافقي من أجل ضمان بناء مسار انتقال وطني صحيح في أيام الحراك هو ملتقى الحوار الوطني في عين بنيان، دون تحقيق نتيجة للأسف الشديد.
لقد آن الأوان، في الذكرى الثالثة للحراك، لنقول بكل وضوح بأن الحراك تم إجهاضه للأسف الشديد في ما يتعلق بأهدافه الملموسه القابلة للقياس، ولم يبق منه إلا روحه التي ستظل تسري في الجسم الجزائري إلى أن تنتقم ذات يوم ممن عمل على إزهاقها.
إن الذين أجهضوا الحراك صنفين من الناس، تحت كل صنف أشكال وألوان. أما الصنف الأول فمنهم الذين أرادوا استغلاله لتكون نتائجه لهم وحدهم ضمن رؤى أيديولوجية علمانية متشددة، بعضهم في “المعارضة” وبعضهم يمثلون قطبا من أقطاب الحكم المتهارشة، ومنهم الذين بقيت الخلفيات السياسية التاريخية الانتقامية تتحكم فيهم، دون أي اعتبار لأهمية الحرية والانتقال الديمقراطي الحقيقي الذي يكون في مصلحة الجميع، أما الصنف الثاني فهم أولئك الذين أرادوا إنهاء الحراك قبل تحقيق أهدافه لأسباب ساذجة سربها لهم أقطاب في الحكم لاستعمالهم في تشتيت الحراك، وفي الأخير انتبهوا لسذاجتهم بعد فوات الأوان حين أدركوا أن خصومهم العلمانيين هم من استفاد من أعمالهم.
لم يكن الحراك ليتحمل الصراع الأيديولوجي، أو أنانيات هؤلاء وهؤلاء، ما كان له من دور إلا أن يوفر ميزان قوة لصالح تجسيد الإرادة الشعبية عبر انتقال ديمقراطي تفاوضي تتحمل الطبقة والشخصيات السياسية إدارته بنجاح كما حدث في دول كثيرة وُفقت ثوراتُها الشعبية. ولكن للأسف الشديد لم يحدث هذا وكانت النتيجة العودة إلى المسارات الانتخابية المتحكم فيها ليعيد النظام السياسي إنتاج نفسه بنفس المشاهد ونفس الآليات ونفس المخرجات، بل صرنا اليوم إلى أسوء مما كنا عليه.
عاد الطارئون على السياسية إلى بيوتهم بعد تعثر الحراك ولم يصبح يُسمع لهم حس، وعاد الانتهازيون إلى مواقعهم وتصرفاتهم، وعادت قوى التشدد السياسي والأيديولوجي إلى النعيق من بعيد، دون أي وجود في الميدان ودون أية فاعلية سوى نشر الأحقاد والأباطيل وتشتيت صفوف الراغبين في التغيير. ولكن، في مقابل ذلك، عادت الأحزاب الجادة والشخصيات المحترمة إلى الكفاح العصيب من جديد، لخلق ظروف التغيير مرة أخرى في مستقبل قريب بحول الله، وهي لا شك موفقة بعونه سبحانه في سيرها ومسيرها وستكون أكثر فاعلية باستفادتها من دراسة أسباب إخفاق الحراك.
إن الشيء الإيجابي في حراكنا الشعبي في ذكراه الثالثة هو ثباته على سلميته وعدم تورطه في الفتنة والدماء، وهذا الذي يعطيه الفرصة ليُطل على الجزائريين من جديد. ذلك أن السنن الاجتماعية المثبّتة في تاريخ البشر والمسجلة في العلوم الاجتماعية أن ثورة الناس إن لم تنجح وكانت دموية لن تعود إلا بعد ثلاثين سنة على الأقل إن دامت أو تكررت أسبابها، أي بعد أن يخرج الجيل الذي قام بالثورة أو تحمل أعباءها القاسية من الفعل بكامله، ويظهر جيل شاب جديد لا يحمل جراحات الصدام السابق يكون أجرء على المطالبة بحقوقه. أما إن لم تكن المحاولة السابقة دموية شديدة العواقب على الجيل الذي قام بها يستطيع نفس الجيل العودة للثورة من أجل حقوقه في أي وقت تكون أسباب الثورة قائمة.
تمنينا أن يستفيد النظام السياسي القائم من تلك الأحداث العظيمة التاريخية التي شرّفت الجزائر والجزائريين وأن يكون قد قدّر واحترم أولئك الملايين من المواطنين الذين بقيت خطواتهم تقرع طرقات الجزائر العاصمة وغيرها من أنحاء البلاد قرابة سنتين، ولكن لم يفعل وبقي يتحايل على أهداف الحراك الشعبي حتى أفرغه من محتواه، ولذلك إن رجع الجزائريون إلى الشارع ذات يوم فإن الذي سيرجعهم هو النظام السياسي ذاته حيث هو من ينتج أسبابه العميقة دوما.
غير أنه لا بد للقادة الحكماء الأذكياء في المعارضة أن يمنعوا تكرار التجربة الفاشلة المانعة لتمثيل وتجسيد الإرادة الشعبية الحقة عندئذ، وأن يقفوا في وجه مشتتي الصفوف إذا اجتمعت وممزقي الأمل إن لاح، قادة من أصحاب البذل والعطاء، الذين يعملون أكثر مما يتكلمون، ممن هم على صلة مباشرة ودائمة مع المواطنين في ولاياتهم وبلدياتهم وأحيائهم. قادة قادرون على صناعة المستقبل بالاستفادة من تجارب التاريخ.
د. عبد الرزاق مقري
رئيس حركة مجتمع السلم

تعليق