الرئيسية مقالات أ. حمدادوش ناصر الشيخ نحناح.. الجزائر المنشودة والمعادلة المفقودة.

الشيخ نحناح.. الجزائر المنشودة والمعادلة المفقودة.

كتبه كتب في 19 يونيو 2022 - 7:12 م
مشاركة

سيبقى تاريخ 19 جوان 2003م من الذكريات الأليمة في جبين التاريخ السِّياسي المعاصر للجزائر المستقلة، إذْ ودَّع العالمُ أحدَ أبرزِ معالم الحركة الإسلامية، وأحد أيقونات العمل السِّياسي والدعوي في الوطن العربي والإسلامي، وهو فضيلة الشيخ الرئيس: محفوظ نحناح – عليه رحمة، الذي أبقى من ورائه مشروعًا لم يكتمل، وهو الجزائر المنشودة عبر المعادلة المفقودة بين الإسلام والوطنية والديمقراطية.

إلاَّ أنَّ ذلك ليس مستغربًا في عمر المشاريع الحضارية للأمَّة، والتي يتجاوز عمرُها عمرَ الأفراد، فهي لا ترتبط بالأشخاص مهما سَمَت رمزيتُهم ومهما علَا شأنُهم، فهذا محمد صلى الله عليه وسلم قد أدَّى الأمانة وبلَّغ الرسالة إلا أنَّ الطبيعة الدستورية والقانونية للإسلام تجاوزت عمره البيولوجي كبشر، بالبُعد الحضاري عبر امتداد الفكرة الإسلامية في الزمان والمكان والإنسان، إذْ انتقل فيها المشروع من الفرد في غار حراء، إلى الجماعة في دار الأرقم بن أبي الأرقم، إلى المجتمع في المرحلة المكية، إلى الانتقال بالفكرة من المجتمع إلى الدولة بالهجرة إلى المدينة المنورة.

إلاَّ أنَّ حتمية الانتقال بالإسلام إلى النهضة والحضارة وأستاذية العالم: “حتى لا تكون فتنةً، ويكون الدِّين كلُّه لله” بقي مشروعًا سياسيًّا وحضاريًّا لم يكتمل، وهو ما فرض على أتباعه إكمال مسيرة هذا المشروع الرَّباني إلى العالمين جميعًا، وهو ما قام به الصحابة رضوان الله عليهم من بعده عبر الفتوحات الإسلامية، وعلى رأسها: فتح بيت المقدس على يد سيِّدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه سنة 15 هجرية، وبناء الكيان السِّياسي والدولي للأمة وهي الخلافة الإسلامية، وصناعة النهضة وبناء الحضارة الإسلامية الأطول في تاريخ الإنسانية، والتي امتدَّت رسميًّا إلى سنة 1924م، ولا يزال هذا المشروع قائمًا إلى أن يصل إلى نبوءته: “سيبلغ هذا الدِّين ما بلغ الليل والنهار..”، وهو ما لم يتحقَّق إلى الآن.

إنَّ من أخصِّ خصائص المشاريع الحضارية الرَّبانية أنها تسمو فوق شخصنة الأفكار والخيارات والمشاريع، بل هي مرتبطةٌ بقدسية الفكرة الإسلامية المستمدَّة من هدايات السَّماء، وهو: الوحي، وهو ما تنبَّه إليه أقرب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سيِّدُنا أبو بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه يوم الصَّدمة الكبرى والإحساس بالفراغ القيادي المزعوم بوفاة قائد الدعوة سنة 11 هجرية لمَّا صاح في الصَّحابة جميعًا، وقال مقولته المشهورة: “مَن كان يعبدُ محمدًا فإنَّ محمدًا قد مات، ومَن كان يعبد الله فإنَّ الله حيٌّ لا يموت”، ثم تلَا قول الله تعالى: “وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ، أَفَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَٰبِكُمْ، وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيْـًٔا، وَسَيَجْزِى ٱللَّهُ ٱلشَّٰكِرِينَ”(آل عمران:144).                                                       

لم يكن الشيخ نحناح – عليه رحمة الله منشغلاً بتأليف الكتُب بقدر ما كان منشغلاً بتكوين الرجال، ومع وطأة الضغط الذي عاشه في مراحله التاريخية المتسارعة ومع ذلك فقد صبَّ عصارة تجربته وخلاصة فكره في الكتاب الذي ألَّفه سنة 1999م وهو: “الجزائر المنشودة.. والمعادلة المفقودة: الإسلام، الوطنية، والديمقراطية”.

ولا تخفى الأبعاد العقائدية والفكرية والسياسية التي أثَّرت في تكوين الشخصية المتميِّزة للشيخ محفوظ نحناح – عليه رحمة الله، ابتداءً من مرحلة الصِّدام الحضاري مع الاستدمار الفرنسي ومقاومة “القابلية للاستعمار”، إلى مرحلة المشاركة في الثورة التحريرية وما تشبَّع به من الفكر الجاهدي الثوري والتحرُّري، إلى مرحلة ما بعد الاستقلال سنة 1962م وفرصة الالتحاق بالجامعة والمزاوجة بين العلم والتجربة الثورية، إلى مرحلة السِّجن (1976 – 1980م) لمعارضته للتوجُّهات الإيديولوجية الاشتراكية لنظام الرئيس “هواري بومدين”(1925م – 1978م)، والمراجعات العميقة خلالها، والتي جمعت بين تجربة الثورة ومرحلة ما بعد الاستقلال ومرحلة الجامعة ومرحلة المعارضة الراديكالية، وهي التي انسجمت مع التطوُّر الفكري للصحوة الإسلامية، والتنسيق العالمي بين مكوِّنات الحركة الإسلامية المعاصرة وعلى رأسها “جماعة الإخوان المسلمين”، في ظلِّ أجواء الحرِّية التي تميَّز بها عقد الثمانينات.

لقد بدأ مساره الدعوي في مسجد “ابن سعدون” بالبليدة سنة 1963م في أوَّل درسٍ له بحضور الكاتب العام لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين والسفير والوزير “توفيق المدني”(1889م – 1983م) والمقرئ المصري المشهور “عبد الباسط عبد الصمد”، وفي سنة 1964م شارك في توزيع ونشر بيان الشيخ محمد البشير الإبراهيمي المناهض للتوجهات المصادمة لبيان أول نوفمبر وثقافة الشعب الجزائري وخصوصيته الدينية والثقافية عبر التوجه الشيوعي الاشتراكي للنظام السياسي بعد الاستقلال، وفي سنة 1968م التحق بالجامعة والتي كانت محطة مهمة في تجربته النِّضالية، وفي سنة 1970م ساهم في تأسيس مسجد الطلبة بالجامعة المركزية بالجزائر العاصمة، وصلَّى به إمامًا في أوَّل جمعةٍ وبحضور صاحب المبادرة الأستاذ والمفكِّر الكبير “مالك بن نبي”(1905م – 1973م)، وفي سنة 1971م و 1973م شارك في المسيرات المدافعة عن مرجعية الشريعة الإسلامية في قانون الأسرة، وفي المظاهرات المؤيِّدة للتعريب في الجزائر، وفي سنة 1976م أعلن رسميًّا معارضته للنظام السياسي في توجهاته الإيديولوجية الصَّادمة، مما كلَّفه السجن مدة: 15 سنة، والذي خرج منه سنة 1980م بعد وفاة “بومدين”.

إلاَّ أنَّ أخطر المراحل التي مرَّ بها الشيخ نحناح في مسيرته الدعوية والسياسية هي مرحلة “المأساة الوطنية” بعد الدخول في متاهة الأزمة الأمنية بداية التسعينات، وكانت من أخطر التحدِّيات التي واجهته هي:

– الخطر على الإسلام: بتشويهه من طرف الإرهاب أو محاولة استئصاله من طرف التيار العلماني المتطرِّف.

– الخطر على الدولة الوطنية: بالإمعان في التنكُّر لبيان أول نوفمبر المحدِّد لطبيعة وهوية الدولة الجزائرية المستقلة ذات السيادة في إطار المبادئ الإسلامية، وتهديدها بالتقسيم والانهيار تحت وطأة جنون الإرهاب والحلِّ الاستئصالي الأمني.

– الخطر على الديمقراطية: بالانقلاب على البُعد الديمقراطي لبيان أو نوفمبر، ابتداءً من الانقلاب على الحكومة الجزائرية المؤقتة سنة 1962م، وحكم الحزب الواحد بعد الاستقلال، والانقلاب على المسار الانتخابي وعلى الديمقراطية وعلى مؤسسات الدولة سنة 1991م، وتزوير الانتخابات في كلِّ المواعيد الانتخابية بعدها.

بالإضافة إلى خطر الاصطفاف الإيديولوجي والاستقطاب السياسي الحادِّ بين ما سُمِّي – في المتعارف عليه إعلاميًّا – بين التيار الوطني والتيار الإسلامي والتيار الديمقراطي، وهي الحالة الشاذَّة التي استثمر فيها النظام السياسي من أجل ضمان نصاب البقاء عن طريق تغذية هذا الاستقطاب والاستفراد بمن يشاء، وهي عادة الأنظمة الشمولية وفق القاعدة القرآنية والحقيقة التاريخية الثابتة: “إنَّ فرعون علَا في الأرض، وجعل أهلها شِيعًا، يستضعف طائفةً منهم”(القصص:04).

وهو ما شغل الشيخ نحناح في الحلم بالجزائر المنشودة وحلِّ هذه المعادلة المفقودة بين الإسلام والوطنية والديمقراطية، فقال عن سبب تأليف هذا الكتاب: “إنه قبل كلِّ شيءٍ محاولةٌ للفهم، وهو بعد ذلك محاولةٌ للحُلْم.. محاولةٌ لفهم الإسلام الشامل المتكامل، الإسلام الواقعي المتجدِّد النابض بالحياة، الإسلام المعتدل القائم على الوسطية، الإسلام باعتباره المكوِّن الأساسي من مكوِّنات هويَّتنا الوطنية..

وهو محاولةٌ لفهم الوطنية فِكرًا وممارسةً، الوطنية التي حفظت الشعب الجزائري من أبشع أنواع المسخ والإبادة المادية والحضارية، والوطنية التي فجَّرت ثورة التحرير المباركة، ووحَّدت كلَّ القوى والتيارات، وصمدت في وجه حربٍ شرسةٍ أمام إحدى أقوى وأعتى الإمبراطوريات الاستعمارية في القرن العشرين..

وهو أيضًا محاولةٌ لفهم الديمقراطية، ذلك الغائب الكبير عن مسيرتنا الوطنية..لم يكن ممكنًا ولا مقبولاً أن تبقى منتظِرة في خلفية الواجهة إلى الأبد، لأنها تحوَّلت إلى أكثر من مجرد ضرورةٍ سياسيةٍ، فقد أصبحت الديمقراطية مطلبًا شعبيًّا ثابتًا، بل صارت أكثر من ذلك، فهي تكاد تتحوَّل إلى حتميةٍ تاريخية عالميةٍ مع نهاية القرن العشرين..”.

ثمَّ قال عن هذا الحُلم: “هو محاولةٌ للحُلم وللتطلُّع إلى المستقبل، مستقبلٌ نتمكَّن فيه من إيجاد حلِّ المعادلة المفقودة، المعادلة التي يلتحم فيها: الإسلامُ والوطنية والديمقراطية لبناء الجزائر.. حُلمٌ تتحقَّق فيه الجزائر المنشودة ضمن تاريخها وجغرافيتها وانتمائها وتطلُّعاتها..”.

تعليق