الرئيسية مقالات أ. حمدادوش ناصر الاصل الأول : نظرية مواكبة التحولات واستشراف المآلات (03)

الاصل الأول : نظرية مواكبة التحولات واستشراف المآلات (03)

كتبه كتب في 19 يونيو 2022 - 9:58 م
مشاركة

الاصل الأول : نظرية مواكبة التحولات واستشراف المآلات (03)

ثلاثية المستوى الثاني ( تحليل – استشراف – هندسة)

إن نظرية مواكبة التحولات التي تطلبت منا إيجازا لسداسية الفقه المرجعي في مستواها الأول ،تحتاج إلى تحالف وثيق ومنسجم مع ثلاثية ذهبية ترصع عتبة المستوى الثاني من الفقه والفهم يتعلق الأمر بأصول التحليل السياسي ومعايير الاستشراف المستقبلي وكذا الأدوات التي يقترحها منظور الهندسة السياسية ،وهو ماسنوجز فيه أيضا ماقل من المعرفة ومادل على الطريق .

وقد يعتقد البعض أن التحليل مقرون بالمحليين فحسب ولكن الحقيقة ان التحليل عملية ديناميكية يومية يقوم بها العقل البشري بشكل دوري منظم ويعتمد فيه على مقومات وعناصر ونشاط “المخزون المعرفي ” ومواصفات المحلل ذاته وبلا شك انه ينتج الكثير من القرارات الصحيحة او الخاطئة، فالتحليل السياسي عبارة عن “دورة فكرية تعتمد الإدراك المسؤول والتفكير المنظم لأفعال الآخرين  التي تتجسد على شكل أحداث وأزمات وظواهر تصب في الواقع السياسي العالمي او الاقليمي او المحلي”،بغية الوصول للهدف التحليلي وهو ابراز الحقيقة والغموض الذي يكتنف المواقف والازمات والظواهر المتفاعلة ضمن البيئة الاستراتيجية موضوع التحليل.

وتمثل عملية التحليل السياسي الاحترافي  كما يقول احد المختصين “الركن الأساس للدولة وللحركات السياسية التي تنشد الإصلاح والتغيير الإيجابي للمجتمعات في المرحلة المقبلة، ففي ظل التحولات العميقة والتحديات غير المسبوقة، لا بد أن تقوم تلك العملية على بنى مؤسسية تُنظّم عملية توفير المدخلات وإتقان المعالجة وتقديم المخرجات وفتح آفاق الاستشراف”. ولا شك في أنه لم يعد من الممكن معالجة الأزمات التي تعاني منها المنطقة عبر اجتهادات بعض الأفراد مهما علت رتبهم العلمية، كما أنه لم يعد من الممكن الركون إلى انطباعات بعض المستشارين والخبراء والنخب الضيقة المحيطة بمؤسسات الإدارة والحكم في التعامل مع الكم الضخم من المعلومات، والخروج من خلالها بنتائج ملموسة على صعيد المجتمع، بل يتطلب ذلك مضاعفة الأدوار المحورية التي تقوم بها مراكز الفكر والبحوث والدراسات، والتي تتبوأ مكانة مهمة في الدول المتقدمة، لكنها لا تحظى بالاهتمام أو الدعم المطلوب في البلدان العربية حتى اليوم. وقد بوبها  ورتبها أحد خبراء التحليل السياسي وفق  الخطوات التالية :

  • البحث عن الفاعل الرئيسي للحدث موضوع التحليل.
  • التفتيش عن الدافع الاساسي للأحداث ضمن مناخ المؤثرات السياسية.
  • ربط الحدث بالخلفيات التاريخية المشابه ونمط الاحداث المتعلقة بالظاهرة او الازمة.
  • جمع المعلومات المتعلقة بالحدث ومن مصادر مختلفة وحسب الاسبقية.
  • البحث عن الفرضيات وتحديد المشكلة وهي بمثابة الاساس الذي يقام عليه الهيكل.
  • الاستقصاء عن العوامل الاساسية ( العامل الثابت) وهي بمثابة الأرض.
  • الاستقصاء عن العوامل المساعد ( المحرك الدافع) وهي بمثابة الممول.
  • الاستقصاء عن العوامل الثانوية ( العوامل المتغيرة) وهي بمثابة المواد.
  • الاستقصاء عن التيار الازموي وخلفياته وهو بمثابة القائم بالبناء وحرفيته.
  • قراءة عامل الوقت  وهو بمثابة المراحل الزمنية.
  • قراءة ظواهر الحدث والتعمق في بواطنه وهذا يشكل النظر الى البناية قبل دخولها.
  • وضع الاستنتاجات المنطقية وتمثل الدخول الامن.
  • الخروج بتوصيات ومقترحات لمعالجة الحدث او الظاهرة وهي بمثابة التقييم.

ونظرا للأهمية  البالغة للتحليل السياسي  فقد عمل المفكرين على القيام بعدة محاولات لسد الفجوة الكبيرة في مجال المعرفة والممارسة في الحقل السياسي،ومعالجة حالة الخلط في الثقافة العربية المعاصرة بين ثلاثة مجالات هي:

ـ  السياسة (علم الدولة): وهي مجموعة الأعمال التي تتطلع لاستخلاص مبادئ الحكم الجيد وصفاته. وتُعرّف بأنها: «رعاية شؤون الدولة الداخلية والخارجية وهي السلطة الأعلى في المجتمعات الإنسانية، ولها أبعاد خارج إطار السلطة والحكم كتسيير الجماعات أو إصلاح الأمور».

ـ  العلوم السياسية: وهي «دراسة السلوك السياسي وتحليل تطبيقات السلطة واستخدام النفوذ». وتعرّف كذلك بأنها: «كيفية توزع القوة والنفوذ ضمن مجتمع ما أو نظام معين»، ومن أبرز فروعها: النظريات السياسية، والفلسفة السياسية، والنظم السياسية، وتاريخ الفكر السياسي، والإدارة المحلية، والحكومات المقارنة، والسياسات العامة، والقانون الدولي، والدبلوماسية، والعلاقات الدولية.

ـ  الممارسة السياسية: وهي الإجراءات المنظمة والقواعد المفسرة للسلوك السياسي من منظور عملي، تختص في مجال «تقنين» هذه الممارسة وفق قواعد مستقاة من استقراء الخبرات والتجارب الميدانية لمختلف الأمم والشعوب، وتنقسم إلى ثلاثة أقسام: القواعد الحاكمة، والفاعل السياسي، واللعبة السياسية.

ونتج عن الالتباس بين المفاهيم الثلاثة، تداخل في الممارسة، حيث تم الخلط بين السياسة (policy) بمفهومها المهني والتي تعني «تحقيق الأهداف المحددة بأفضل الوسائل»، وبين السياسة (politics) كنظريات وفلسفة، وبين العمل السياسي كتخصص منفرد بحد ذاته يتطلب:

  1. ـ  فهم الظاهرة السياسية بهدف التعامل معها.
  2. ـ  إعمال أدوات التحليل السياسي.
  3. ـ  الإلمام بفنون إدارة الصراع.
  4. ـ  الاستحواذ على مصادر القوة.
  5. ـ  حيازة أدوات الممارسة.

ولفك الاشتباك وإزالة حالة التداخل والخلط بين هذه المفاهيم المستقلة  والمتجاورة في نفس الوقت بات من الضروري  تطوير وترقية  ملكة «التحليل السياسي» التي تُعرّف بأنها: «عملية بحث وتفسير حدث معين، ومعرفة أسبابه والاحتمالات الممكنة له، وتحديد مسار الظواهر السياسية محلياً وعلاقاتها بالمحيط الإقليمي والدولي، وتوقع ما سوف تؤول إليه الأحداث في المستقبل، ومعرفة تأثيراته على الواقع».

ولا يمكن للتحليل السياسي أن يصل إلى درجة فهم الحاضر دون امتلاك ملكة الاستشراف المستقبلي وتاطير ذلك بفقه المآلات الذي تحدثنا عنه سابقا ،فالرؤية التكاملية بين ملكة التحليل السياسي و ملكة الاستشراف السياسي  اصبحت أكثر من ضرورة ،حيث لا يمكن للتحليل السياسي أن يصل الى الكشف عن الحقائق والتفسير الدقيق للظواهر السياسية دونما رؤية استشرافية ومعرفة بالمستقبل على اعتبار ان الكثير من القضايا والاحداث هي عبارة عن جزء من مسار وليست كل المسار وحلقة من حلقات الخطط والاستراتيجيات التي أصبحت اليوم هي اللغة العالمية لدى الكبار الذين يبرمجون العالم على المدى المنظور .

ويمكن تعريف الاستشراف السياسي بأنه: «محاولة استقراء الأحداث المقبلة عبر تحليل الواقع وتصور المأمول، باستخدام أساليب المحاكاة، وصياغة الأنساق والسيناريوهات المتعددة من خلال النظر إلى حلقات الزمن الثلاث: الماضي، والحاضر، والمستقبل». ولا يمكن القيام بهذه العملية من خلال جهود فردية تعتمد على «التخمين»، بل يجب أن توكل إلى مؤسسات تنمي لدى منسوبيها ملكات:

1 ـ  «الاستشراف» الذي يرتكز على ثلاثة عناصر أساسية هي: «المحتمل» و«الممكن» و«المفضل»، حيث توجد أرقام وقرائن مع قدر معين من اللايقين (Uncertainty) ويعمل الباحث على التقليل من عنصر اللايقين للتوصل إلى أدق احتمال ممكن.

2 ـ  «التخطيط للمستقبل» الذي يقوم على التحضير لمرحلة قادمة وفق سيناريو واحد خلال فترة زمنية محددة.

3 ـ  «التنبؤ» الذي يُعرّف بأنه: «تقدير مستقبلي معتمد على نماذج إحصائية يمكن التدليل والبرهنة على تفاصيلها وعمومياتها».

4 ـ  «التوقع» الذي يعرف بأنه: «تقدير مستقبلي معتمد على القدرة الذاتية في تطويع البيانات المتسقة بالمحتوى المراد تقديره».

إن القراءة الكلية للاحداث من خلال تعاضد ملكة التحليل السياسي والاستشراف المستقبلي من شأنه أن يوفر لنا فرصا أكثر لصياغة الرؤى المستقبلية التي تحررنا من حالة الارتهان  والحيرة التي نحن فيها اليوم لآن الماضي مضى وانقضى يمكن فقط الإفادة منه ولكن كل مانطمح اليه سيحدث في المستقبل وليس في الماضي ،فالحرص كل الحرص على تعليم الفئات الشبابية مهارات التحليل والاستشراف المستقبلي لانهم هم من سيعيش في ذلك المستقبل. فالاستشراف المستقبلي هو عملية جماعية مؤسسية تتم وفق الخطوات والمعايير التالية:

1 ـ  تحليل الخلفية التاريخية للظاهرة السياسية.

2 ـ  توصيف الظروف البيئية الحالية.

3 ـ  تحديد أهم العوامل أو القوى المحركة لهذه الظروف.

4 ـ  تقدير الأثر المتوقع لهذه العوامل في المستقبل.

5 ـ  حصر الاحتمالات المتوقع ظهورها على الساحة في الفترة المقبلة.

6 ـ  جمع البيانات والأرقام والمعلومات المتعلقة بالظاهرة السياسية والربط بين عناصرها لتحديد الاتجاهات المتوقعة لتطور الحدث.

7 ـ  وضع سيناريوهات متعددة بهدف التعامل مع النتائج المحتملة للأحداث وسبل إدارتها ،غالبا ما تكون هنالك ثلاثة سيناريوهات  أو أكثر حتى لا نوفر فرصة للاستقطاب أو الطرفية عندما نتحدث عن سيناريوهين فقط (السيناريو الأفضل – السيناريو الممكن – السيناريو الأسوأ ) مع اقتراح سبل المعالجة والتعامل مع كامل السيناريوهات بخطط مكتوبة وتوضيح ماهو السيناريو الراجح الذي نعمل له اذا كان يتناسب مع مقاربتنا السياسية او نعمل على تجنبه اذا كان يعطل مشاريعنا ويرهن الاستقرار العام .

ولدعم رؤية نظرية مواكبة التحولات لابد من الاستعانة بمنظور جديد في العلوم السياسية هو منظور الهندسة السياسية ،التي شكلت أحد المواضيع الجديدة في العلوم السياسية عموما و في الدراسات السياسية المقارنة الجديدة خصوصا. فهي ترتكز على حقوق الإنسان و الديمقراطية و حرية المبادرة الفردية بشكل يتوافق مع الطبيعة العالمية و النمطية لحقوق الإنسان، و كذلك الطبيعة المنمذجة للمشاركة السياسية بشكل تخلق معها حركيات لتوافق عالمي على المستويات القيمية و المؤسساتية.

ففي القرن التاسع عشر تحدّث البعض عن وظيفة «المهندس الاجتماعى».. فإذا كان «المهندسون» يتعاملون مع مشاكل المادة.. فإن «المهندسين الاجتماعيين» يتعاملون مع مشاكل الإنسان.

وفى القرن العشرين، تردّد مصطلح «الهندسة الاجتماعية».. وهيبرأي البعض كما قال احمد المسلماني في كتابه الهندسة السياسية:تهدِف إلى التأثير على موقف الشعب وسلوك المجتمع. وقد طوّر البعض المصطلح ليذهب إلى خطط اختراق العقول البشرية وتوجيهها، حيث لا يكفى اختراق الأجهزة دون اختراق العقول.

وفى أثناء تشكيل ما سُمّى بـ«النظام العالمي الجديد» عقب انهيار الاتحاد السوفيتي ونهاية الحرب الباردة، تحدّث البعض عن «الهندسة السياسية»، ثم تحدّث آخرون عن «الهندسة الديمقراطية».

وقد سادت هذه المفاهيم للهندسة السياسية، وجرى حصارها في عملية التحول الديمقراطي وحقوق الإنسان.. دون التطرق إلى ما ينبغي أن يشير إليه المصطلح بالضرورة،وهى هندسة السياسة الداخلية والخارجية للدولة بما ينقلها من وضع «عدم التقدم» إلى مصاف الدول المتقدمة.ومن المؤسف أن معهد الدراسات السياسية فى جامعة «إيكس إن بروفانس» يمنح درجة الماجيستير فى «الهندسة السياسية». طبقاً للمفهوم السائد.. الذى يتعلق بصياغة عالمية لنظام حكم ديمقراطي ،عبْر وضع هياكل للدستور والقانون والانتخابات، أو ما يسمى بـ«الهندسة الدستورية» و«الهندسة القانونية» و«الهندسة الانتخابية».

فالهندسة السياسية بتوظيفها التكاملي للمناهج الخاصة بالذكاء الاصطناعي و الأدوات التحليلية المستخدمة في العلوم المرتبطة بالإنسان و السياسة معها و كذلك استخدامها لبناءات احتمالية و استقرائية تهدف بالأساس لبناء نموذج حكم يصلح لكل المجتمعات مهما اختلفت تنمويا ، قيميا ، تاريخيا أو اجتماعيا ، فهي تسعى لتطوير نموذج تحليلي مقارن قائم على القياس و التصنيف باستخدام متغيرات كيفية ( حقوق الإنسان ) ثم تكميمها.

وبهذا المعنى تصبح الهندسة السياسية هي علم بناء الدولة اي علم ادارة شؤون الدولة عبر تخطيط شامل للسلطة والمجتمع، وبناء واعادة بناء المؤسسات العامة والخاصة بما يؤدي الى انتقال الدولة من التخلف للتقدم او من التقدم الى التقدم الاعلى مع وضع آليات استدامة عملية التقدم، فهي علم النهضة وعلم التقدم.

لقد قدّمت «سنغافورة» نموذجاً للهندسة السياسية فى عهد الزعيم «لي كوان يو». الذي بدأ بـ«الهندسة الجغرافية» شملت «ردم البحر» لتوسيع مساحة الدولة الصغيرة، ثم تأسيس «مجلس التنمية الاقتصادي» الذى أسّس تعليماً عالمياً، ورسم السياسات وجذب الاستثمار.لقد بدأت «سنغافورة» كدولة مطرودة من الاتحاد الماليزى،ونجحت الهندسة السياسية فى نقلها من «نموذج الدولة المطرودة» إلى «نموذج الدولة الناجحة». إن عنوان كتاب «لى كوان يو» «من العالم الثالث إلى الأول :قصة سنغافورة»يشرح بالضبط معنى الهندسة السياسية.

إن كوريا الجنوبية هى الأخرى التى خرجت من «احتلال يابانى» استمر (36) سنة.. ثم دخلتْ حرباً إقليمية كبرى هى جزءٌ من «حرب عالمية محدودة»، قطعت مسيرة الفقر والدم مع الجنرال «بارك تشونغ هى» عام 1961، والذى أسّس «مجلس التخطيط الاقتصادى»، وأسّس تعليماً عالمياً لتنتقِل كوريا الجنوبية من وضع «اللاتعليم» إلى «التعليم العالمى»،بحيث أصبح عددٌ من جامعاتِها من بين أفضل (100) جامعة فى العالم،ومن وضع «الفوضى» إلى المركز الرابع فى طلب براءات الاختراع على مستوى العالم.

و ماليزيا هى نموذج آخر فى قوة «الهندسة السياسية» نجح الدكتور مهاتير محمد فى الانتقال بماليزيا من مستوى اقتصادي كان يعادل هاييتى وهندوراس وأقل من غانا حين الاستقلال عام 1957 إلى أن تكون ماليزيا هى «اليابان الجديدة».لقد نظر مهاتير إلى جهة الشرق، حيث اليابان وكوريا الجنوبية،ورفع شعار «ماليزيا يمكنها فعل ذلك» وخطت ماليزيا من حالٍ إلى حال يقول مهاتير فى مذكراته: «كان بناء فندق يحتاج إلى (200) موافقة منفصلة.. والآن أصبح بناء منزل فى ماليزيا أسرع منه فى إنجلترا».

كما قدمت التجربة الصينية نموذجاً باهراً آخر فى «الهندسة السياسية»، لم تقم الصين بالإصلاح الجزئى، بل وضعت رؤية للإصلاح الشامل، ويمتدح باحثون تجربة الصين فى أنها نجحت فى تحقيق الإصلاح الكبير بدون عدد كبير من الخاسرين الذين كان يمكنهم عرقلة الإصلاح، كما أن الصين قامت بالإبداع الفكري إزاء عدد من القضايا ولم تقم بالوصفات الشائعة.

إن تجارب سنغافورة وماليزيا وكوريا الجنوبية والصين، هى نماذج فى علم بناء الدول،والانتقال بها من مصاف «الدولة التائهة» إلى مصاف «الدولة المتقدمة»، هنا تكمن فلسفة «الهندسة السياسية»، ومهارات «المهندسين السياسيين».

هو اذن المستوى الثاني من فقه مواكبة التحولات ينبغي تدريب الأجيال على أسسها ومطالبها ومتغيراتها بشكل مستدام تحاول تشكيل عقل حضاري يخرج الفرد المسلم من سلوكات وممارسات إنسان مابعد الموحدين كما وصفه المفكر مالك بن نبي الذي لا يمكنه الاقلاع لأنه ببساطة خرج من الدورة الحضارية ويجب أن نعيده إليها .

كما أن إدراك وفهم علوم فقه التحولات بفرعياتها الخمس  والتي تنطلق من  القراءة الاستباقية للقرآن الكريم  والسنة النبوية التي بينها جبريل عليه السلام عندما جاء ليبين للصحابة  أصول دينهم ،وهو الذي استخدم منهجية رائعة في التعليم عندما انتهج أسلوب(السؤال ثم التصديق على الجواب كما أثار استعجاب الأصحاب حينما قالوا: فعجبنا له يسأله ويصدقه) )،حيث سأل عن أربع بين ثلاث اعتبرت أركان أساسية في الفهم الإسلامي العام (الإسلام ،الإيمان، الإحسان) وهي جميعا تقع في دائرة الثوابت ،لكنه تحدث في سؤاله الرابع عن علم جديد هو علم الساعة وعلاماتها وهي من المتغيرات التي أجابه الرسول صلى الله عليه وسلم عن اماراتها لكنه لم يجبه عنها حين قال (مالمسؤول عنها بأعلم من السائل)  ،مركزا في اجابته على قرار نقض العلم والاعتقاد (أن تلد الآمة ربتها) وقرار نقض الحكم والاقتصاد (أن ترى الحفاة العراة العالة رعاءَ الشاء يتطاولون في البنيان) ،وهو علم ينبغي أن نوليه أهمية خاصة لأنه يتحدث عن المستقبل بمنطق يقيني ،ويمكن حصر علوم فقه التحولات بخمسة هي (فقه النواقض والنقائض ومضلات الفتن وأسباب الوقاية منها ، وفقه الإشارات والبشارات والنذارات والحصانات وشرف العدالة والسند  ، وفقه مستجدات العلوم النظرية والتطبيقية وجديد الثقافة والمعارف والإعجاز العلمي ، وفقه الأشراط الكونية والملاحم ، وفقه الربط الشرعي بين الديانة والتاريخ )،وهو ماسنوجز فيه القول في الحلقة القادمة .

 

تعليق