الرئيسية مقالات أ. حمدادوش ناصر عن ممارسات العهد البائد

عن ممارسات العهد البائد

كتبه كتب في 23 يونيو 2022 - 4:53 م
مشاركة

من النماذج البسيطة التي تؤكد عدم خروجنا عن ذهنيات وممارسات العهد البوتفليقي البائد: هذا التجاذب والصراع والارتباك في تمرير “مشروع قانون الاستثمار”..

هناك تأكيدٌ من السلطة السياسية الحالية على الأولوية الاقتصادية خلال هذه السنة، وذلك بعد اكتمال المسار الانتخابي، وإعادة إنتاج مجالس منتخبة بما لها وما عليها بما لم يحسم في الرؤية والأولوية السياسية، بل زادت الانتخابات في حالة الشكِّ في أزمة الشرعية السياسية من جديد، من خلال نِسب المشاركة وحجم الشرعية السياسية للفائز فيها.
ولا يمكن الذهاب إلى رؤيةٍ اقتصاديةٍ دون رؤية سياسيةٍ حقيقيةٍ شاملة ومتكاملة، وعلى رأسها: تجسيد معايير الحكم الراشد، كالديمقراطية والحرية والشفافية والرقابة والمحاسبة واسقلالية القضاء وسيادة القانون…
وبعد كلِّ هذا الأخذ والرَّدِّ لهذا المشروع على مستوى وزارة الصناعة والأمانة العامة للحكومة ومجلس الوزراء بما يُشتمُّ منه تدخُّل عدة أطرافٍ داخلية وخارجية، وتأثير قوى غير دستورية جديدة فقد تمَّت إحالة هذا المشروع على البرلمان.
ولكن ممَّا زاد في حالة الغموض وعدم الشفافية في التعامل معه هو إحالته على اللجنة المختصة بطريقةٍ غير قانونية (إحالته من طرف رئيس المجلس بالنيابة دون تمريره على مكتب المجلس الشعبي الوطني)، ثمَّ التردُّد بين إبقائه على مستوى البرلمان أو تمريره بأمريةٍ رئاسية، ليستقر الأمر في النهاية على طلب حالة الاستعجال من طرف الحكومة، لتمريره عبر المناقشة المحدودة، أي مناقشته على مستوى اللجنة فقط، والاقتصار على مداخلات رؤساء الكتل فيها، دون الذَّهاب به إلى الجلسة العلنية العامة للمناقشة أمام الرأي العام، وممارسة السلطة والسيادة التشريعية الضرورية عليه.
وبكلِّ ذلك الاستعلاء فقد تحدَّثت جهاتٌ أخرى على تمريره دون تغييرٍ فيه لا نقطةٍ ولا فاصلة، تحت ذريعة أنه مشروع الرئيس، وهي إساءةٌ إلى الرئيس قبل أن تكون إساءةً إلى غيره من مؤسسات الدولة.
وبالرغم من الأغلبية الرئاسية في البرلمان (حوالي 80% من الموالاة)، إلاَّ أنه هناك خوفٌ من المعارضة البرلمانية والممثلة في الكتلة البرلمانية لحركة مجتمع السلم، وما أبداه نوابنا في اللجنة المختصة، والرُّعب المحتمل من معارضةٍ سياسيةٍ وشعبية.
إنَّ القوَّة العددية لأحزاب الموالاة في البرلمان هي قوة خشبية، وهي تفتقد للمصداقية والسيادة في تمرير مشاريع القوانين، وبالرغم من تلك الديكتاتورية العددية إلاَّ أنها لا تملك الإرادة في تمرير هذا المشروع رغم الأغلبية المريحة جدًّا، ومع ذلك نتساءل: ما الحاجة إلى هذه الأساليب البالية في تمرير هذا المشروع بهذه التجاذبات والمخاوف؟
إنَّ هذا العبث يتنافى مع الشفافية والديمقراطية وسيادة المؤسسة التشريعية في إثراء هذا القانون بما يسمو به إلى شبه الإجماع الوطني، وهو ما نحتاجه في تحقيق بعض أهدافه، وهو: الاستقرار التشريعي، وخلق بيئةٍ سياسيةٍ وقانونية مطمئنةٍ للاستثمارات الأجنبية.
ويؤكد بعض الخبراء على غموض بعض مواد هذا المشروع، وعلى كثرة الإحالة على التنظيم فيه (19 مادة من أصل 41)، وخاصةً في بعض المواد المفصلية له، وهو ما يؤكد على تغوُّل الإداري على السياسي، مما يزيد في حالة التسيير البيروقراطي للإقتصاد.
ورغم النص الدستوري على ضرورة تزامن إصدار أيِّ قانونٍ مع مراسيمه التنفيذية، إلا أنَّ ممثلي الشعب في البرلمان لم يتمكنوا من الاطلاع على هذه المراسيم وكأنها أسرارٌ نووية، وهو ما يزيد في حالة الطعن كذلك في مصداقيته والشفافية في تمريره.
إنَّ أهم مبادرةٍ سياسية في البلاد اليوم هي مبادرة لمِّ الشمل، ولقد استبشرت الحياة السياسية بسياسة اليد الممدودة وأبواب الرئاسة المفتوحة للذهاب إلى تمتين الجبهة الداخلية ومواجهة التحدِّيات والتهديدات الخارجية عبر الحوار والتشاور والتوافق الوطني، إلا أنَّ كيفيات التعامل مع مشروع قانون الاستثمار بهذه الطريقة من الاستفراد والاستخفاف يؤكد إدمان السلطة الحالية على نفس ذهنيات وممارسات العهد البوتفليقي البائد..
نتمنى ألاَّ تكون للاعتبارات فوق الوطنية دخلٌ في استمرار هذا العبث بالتشريع الوطني، وبالرغم من شرعية الإجراءات المتخذة في تمرير هذا المشروع من الناحية القانونية المجرَّدة إلا أنَّ ذلك لا يبرِّئ ساحته من الخدش في شرعيته الأخلاقية والسياسية والشعبية، وهو ما يعني أنَّ ولادته ستكون مشوَّهةً، لا تختلف عن ولادة غيره من القوانين التي لم تعمِّر طويلاً، وهو ما يجعل الشركاء الأجانب لا يثقون في بيئة الأعمال والاستثمار في الجزائر

 

تعليق