الرئيسية مقالات أ. فاروق أبوسراج الذهب الأصل الرابع  :معامل الزمن وسؤال إنتاج النموذج الذاتي

الأصل الرابع  :معامل الزمن وسؤال إنتاج النموذج الذاتي

كتبه كتب في 16 أكتوبر 2022 - 1:21 م
مشاركة

نتجدد معا … ننهض معا

شرح الأصول السياسية العشرون

الأصل الرابع  :معامل الزمن وسؤال إنتاج النموذج الذاتي

 

بقلم: د. فاروق طيفور

نص الأصل الرابع : استخدام نظرية المقاصد والتوسع في الأخذ بالوسائل مادامت غير مقصودة في ذاتها وانما تتبع لمقاصدها طريق نحو التحديث والتنمية والتقدم بطلبها ولو بالصين كما قال المصطفى صلى الله عليه وسلم ،وكل إعاقة أو تردد في اتخاذ قرار الاستخدام المتقن لوسائل العصر وأدواته تجعلنا نعيش خارج الزمن على اعتبار أن معامل التوقيت والتحديث عنصر رئيسي في اكتساب ملكات العصر وتوظيفها للاستئناف الحضاري والسبق في إنتاج النموذج الذاتي الذي يوفر لنا السيادة والاستقلال .

 

عملية التغيير والإصلاح ،ممارسة يومية تتعامل مع الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي وتعالج الإشكاليات اليومية التي تبرز بين الحين والأخر ،وهو الجزء الحيوي الذي يميز بين النجاح والإخفاق على اعتبار أن تجسيد الأهداف وتحقيق الآمال ليس مجرد أماني بقدر ماهي سياسات وبرامج تنفيذية تطبق بوعي وإدراك للوصول إلى بلوغ الغايات الكبرى لعملية الإصلاح والتغيير ،هذه الممارسة هي تحكم على صدقية الأفكار والمقاربات ،فكلما تحقق النجاح في تنزيلها على الواقع تحقق التقدم نحو الأهداف والمناهج التي نؤمن بها وحل بذلك الرشد وتمام الممارسة العملية وكلما أخفقنا في التجسيد أو أجلنا التنفيذ والتجسيد ووقفنا عند مجرد الخطاب والحديث بعدت الشقة وحدث التراجع وحلت البلايا والحيرة والضياع ونحن نحسب اننا نحسن صنعا .

هذه الممارسة التي لا يتقنها البعض أو لا يستوعبها البعض الآخر هي محك التقييم والتقويم وهي متعلقة بالزمن وتسييره وادراته إدارة سليمة ومنظمة تنظيما منسجما  تتوازن فيه الأهداف مع الإجراءات ،ذلك أن العفوية والحديث المطلق والأهداف غير القابلة للقياس والزمن المهدر لا يمكن أصحابه أن يصلوا إلى تحقيق أي غاية ،لذلك كان استخدام نظرية المقاصد والتوسع في الأخذ بالوسائل مادامت غير مقصودة في ذاتها وإنما تتبع لمقاصدها طريق نحو التحديث والتنمية والتقدم ،غير أن استخدام نظرية المقاصد لتبرير الإخفاقات أو تفسير بعض المواقف والقرارات الصادمة للفطرة والنمط الإسلامي السوي والتفنن في ترسيخ ثقافة تبرير الفشل أو الانحراف تحت مسمى فقه المقاصد اعتقد انه ليس مقصودا في أصلنا الرابع هذا إنما وضعت أصول وقواعد وضوابط تقدير المصالح والمفاسد  والموازنة بينها وصعوبة الاختيار بين خير الخيرين وشر الشرين ، والنظر في مآلات الأقوال والأفعال  واستحضار فقه الاستضعاف بالنظر إلى عدم توفر شروط التمكين رغبة في تحقيق غاية شرعية مشروعة وليس تبرير مصلحة ذاتية غير مشروعة كما يحدث في بعض القرارات والمواقف السياسية التي تتخذها بعض الجماعات السياسية هنا وهناك ، حيث صار فقه المقاصد ونظريته التي تعتبر إبداعا إسلاميا حضاريا وضع إطار للفهم والتقدير والتفاعل مع المستجدات وهو فقه واجب لكل من انخرط في عملية الإصلاح والتغيير على كافة المستويات ،لكن بعض ممارسات والاستخدامات أساءت له شعرت أو لم تشعر ،على اعتبار أن استخدام نظرية المقاصد في العملية السياسية خاصة تحتاج إلى وضع اطار قيمي مفاهيمي حضاري يضبط حركة الاجتهاد السياسي سيما في العلاقات البينية الداخلية والخارجية ،فالممارسة السياسية يوميات تتطلب حضور فكري مميز وشهود على الوقائع دائم حيث يتعرض فيها الشخص إلى عديد الاكراهات سيما في معالجة الأزمات المعقدة والمتشابكة الأبعاد ،نتحدث عن الوسائل المستخدمة في عملية التغيير التي تعتبر ضالة المؤمن انى وجدها فهو احق الناس بها ولو في ابعد نقاط العالم (الصين) ، فكل إعاقة أو تردد في اتخاذ قرار الاستخدام المتقن لوسائل العصر وأدواته تجعلنا نعيش خارج الزمن على اعتبار أن معامل التوقيت والتحديث عنصر رئيسي في اكتساب ملكات العصر وتوظيفها للاستئناف الحضاري والسبق في إنتاج النموذج الذاتي الذي يوفر لنا السيادة والاستقلال .

ومن القضايا التي مازالت تطرح في ساحة العمل الإصلاحي والتغييري ولاسيما في البلاد العربية المتخلفة ،التي لا تعطي أهمية للزمن ولا للمعلومة ،وهما العملتان اللتان تقدمت بهما الأمم ،لكننا في بلادنا العربية والإسلامية نعيش خارج الزمن حيث مازلنا نستدعي الفتاوى السياسية من عصور غابرة اجتهد مفكروها وفقهاؤها لزمنهم فقدروا وتفاعلوا مع عصرهم بمنطقه وظروفه واكراهاته ، وعندما نستدعي تلك المواقف والقرارات والفتاوى نستدل بها لتبرير مواقف وقرارات وفتاوى تحدث الآن بظروف ومنطق واكراهات جديدة وكأن الزمن توقف في العصور الزاهية للأمة العربية والإسلامية ، وعندما نتحدث عن أهمية الزمن في التقدير للمصالح والمفاسد وتنزيل النصوص والاجتهادات السابقة التي أبدع فيها فقهاؤنا القدامي ربما يذهب البعض إلى أننا نقلل أو نهون من قيمة تراثنا أو عظمة فقهنا بمدارسه المتعددة ومشاربه المتنوعة ومافيه من اجتهادات واقعية وافتراضية ،لكننا نقول بان لكل عصر مشكلاته وواقعه وحاجاته المتجددة والأرض تدور والأفلاك تتحرك والعالم يسير وعقارب الساعة لا تتوقف ،ومع هذا الدوران المستمر  كما قال الشيخ يوسف القرضاوي والحركة الدائمة والسير الحثيث تتمخض أرحام الأيام وليالي الشهور عن إحداث ووقائع جديدة لم يعرفها السابقون وربما لم تخطر ببلهم بل ربما لو ذكرت لهم لعدوها من المستحيلات أو الأحلام فكيف تصور حكمهم عليها وهي لم تدر بخلدهم لحظة من الزمان .وهو ما جعلهم يقررون وجوب تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والعرف والحال ،وقد أبدع المفكر السوداني حسن الترابي حين قال “أن حركة الزمان لا ترحم الواقفين الجامدين ولا تنتظر المترددين الخائفين ،الذين يعيشون عصرا بوسائل عصور خلت ولا يميزون بين المبدأ الخالد والوسيلة الفانية ،أن كل توقف يتحول إلى تخلف ،أنا اعتبر الجمود نكسة فضلا عن التقهقر إلى الماضي في الفكر أو الحركة فأنت إذا توقفت تكون قد انتكست لان ابتلاء الزمن متقدم دائما والله سبحانه وتعالى يقلب الظروف يوما بعد يوم وكل فجوة بينك وبين حركة المن التي هي الابتلاء الأساسي في الدنيا هي نوع من الانتكاس .

ومن جهة أخرى فان مالك بن نبي يعتبر الزمن هو الحضارة عندما  قال بان مكونات الحضارة ثلاث (الإنسان والتراب والوقت)  وهذه الثلاثية  ستصنع الحضارة إذا ما مزجت “بمركب الحضارة” وهو الدين ويقول  أيضا بان “الزمن نهر قديم يعبر العالم ويروي في أربع وعشرين ساعة الرقعة التي تعيش فيها كل الشعوب والحقل الذي يعمل بت ولكن هذه الساعات التي تصبح تاريخا هنا وهناك قد تصير عدما اذا مرت فوق رؤوس لا تسمع خريرها “.

فمعامل التوقيت عنصر رئيسي في اكتساب ملكات العصر وتوظيفها للاستئناف الحضاري والسبق في إنتاج النموذج الذاتي الذي يوفر لنا السيادة والاستقلال .على اعتبار أن إعادة إنتاج إنسان الحضارة لا يتم إلا بحقن أمصال الذاتية والاستقلالية والسيادة لان العبيد لا يمكنهم صناعة حضارة فالحرية شرط الإبداع وخلق التنمية السياسية والاقتصادية المستقلة التي تتعامل بلغة النظر إلى الآخر من الذات وليس من ذات الآخر كما يقول الشريعتي في إضافته الحضارية في كتاب (العودة إلى الذات ) فالذات حسبه تمثل تفرد عميق للتاريخ فلا تقدم بالنسبة إليه إلا بصورة ذلك المثقف والمفكر الذي يحمل حقيبته عائدا إلى تراثه وثقافته معتزا بها ومتمسكا بهويته وتاريخه وتاريخ أجداده  الذي امتزج بتراب الأرض وبرموز التقدم والنضال والعقل في المحمول الثقافي للمجتمع فلا ينفصل عنه ويقع في فخ التغريب ،فبناء الذات بكل تفاصيلها طريق نحو النهضة والاستئناف حيث لا يمكننا أن نتحدث عن عملية إصلاحية وتغييرية لا تجعل في عمق أهدافها وسياساتها تحقيق نهضة الأمة وعودتها إلى ساحة التدافع الايجابي الذي يحقق التوازن في عالم تعمقت فيه لغة ونمط الصراع على كل شيئ.

تعليق