الرئيسية مقالات أ. فاروق أبوسراج الذهب الأصل الثامن : فرصة التقييم : وعثرة التفكير والتخطيط الاستراتيجي (02)

الأصل الثامن : فرصة التقييم : وعثرة التفكير والتخطيط الاستراتيجي (02)

كتبه كتب في 12 ديسمبر 2022 - 12:24 م
مشاركة

نتجدد معا … ننهض معا

شرح الأصول السياسية العشرين

الأصل الثامن : فرصة التقييم : وعثرة التفكير والتخطيط الاستراتيجي (02)

دائرة الفعل والفعالية وسرعة الخروج من ردة الفعل

بقلم: د. فاروق طيفور

 

الأصل الثامن : التفكير والتخطيط الاستراتيجي جسور هامة لتمتين نقاط القوة ورعايتها  واهتبال الفرص واستثمارها بتأسيس المؤسسات المتخصصة  في المجالات الحيوية التي تتكفل بالرفع من منسوبها وتوزيع الكفاءات والموارد عليها بشكل منظومي مقدم على الاستغراق في وصف نقاط الضعف وسيادة الشكوى وانتشار النجوى والفشل في معالجتها ،لان رعاية الأول(نقاط القوة) سيحل إشكالية الثاني(نقاط الضعف) والاستثمار في (الفرص) سيقلص حجم (التهديدات) ،ودائرة الفعل هي دائرة القوة وفن التمتين يسبق فقه التمكين.

دائرة الفعل هي دائرة القوة والفعالية والكفاءة التي تخرج رائد التغيير والإصلاح من مربع الضياع إلى مربع النجاح ،والمختصون في علم الإدارة الإستراتيجية  يفرقون بينهما بشكل دقيق فالفعالية والكفاءة هي: أداء الأعمال الصحيحة بطريقة صحيحة، وترتبط الفعالية بالمخرجات والنتائج، وترتبط الكفاءة بالإدارة والموارد (المدخلات) بمعنى أن الكفاءة تزيد كلما كانت الموارد التي تم استعمالها أقل، قياساً بالنتائج المتحققة، لذلك فان الفعالية تتحقق عندما يكون هناك رؤية واضحة وأهداف محددة واستراتيجيات ومبادئ وقيم وتنمية وتطوير وغير ذلك من سمات القيادة،وتتحقق الكفاءة عندما يكون هناك تخطيط وتنظيم وإدارة للوقت ورقابة ومتابعة ،ويبرز لنا فرق جوهري آخر هو أن الفعالية متعلقة بالقيادة والكفاءة مرتبطة بالإدارة وفرق كبير بين القيادة والإدارة ،على اعتبار أن القيادة هي من تستطيع تجسيد فن التمتين الذي تحدثنا عنه سابقا فهي لا تكتفي بحساب نقاط القوة ونقاط الضعف في الفرد والمؤسسة ولكنها تتعمق في نقاط القوة من اجل تمتينها وتقويتها وتصليبها لتحقق نتائج أعلى واكبر بما يحقق التميز وليس فقط الخروج من دائرة الفشل أو توفير ضمانات لوجود وحياة المؤسسة في السوق التنافسية ،حيث لا يمكن تحقيق التمكين دون تمتين نقاط القوة ورفع منسوب تحقيق الأهداف ،لذلك ففن التمتين يسبق فقه التمكين ، كما أن تنوع مشاريع وبرامج وسياسات دائرة الفعل  مقدمة على أن تتحول المؤسسة إلى مشروع رد فعل على خطط وهجمات الطرف المنافس ، ولا يكفي فقط معرفة دائرة الفعل بل لابد من إدراك  منطق الفعل أكثر من الفعل ذاته ،فرجل السياسة خاصة ينظر إلى المنطق من وراء الفعل، ويعتني بمآلات التصرفات، والصورة النهائية الناتجة عن الأفعال، وبعد اكتشاف منطق الفعل يختار السياسي الطريقة الأفضل للتعامل أهي المواجهة، أم الاستيعاب، أم المساومة؟.

وفي موازين السياسة الداخلية والخارجية نخضع لميزاني «الفعل» و«ردة الفعل»، وجميع العمليات تنطلق من هذين المنظورين. وكلما رجحت كفة «الفعل» على «ردة الفعل»، كان لنا الأسبقية في التحكم بالمسار، أو التحكم بالنتائج على أقل تقدير!و نطلق على الكفة الأولى «الفعل» من هذه المعادلة «الاستشراف» أو «الاستباق»، وعلى الكفة الأخرى «ردة الفعل» أو «الاستجابة». وبلغة علمية أخرى، نخضع للقانون الفيزيائي «الفعل» و«ردة الفعل»؛ أي أنه لا توجد قوة منفردة في العالم، وأن تحركنا مع المحيط الخارجي يعتمد على تفاعل القوى الخارجية مع مصالحنا الوطنية وأي  غفلة عن تفعيل دائرة الفعل والاستشراف فإننا سنقع بدون شك في فخ الاستدراج وضعف التحكم في النتائج ،فحسب تويبني  ومن خلال نظريته الشهيرة “التحدي والاستجابة” فالفرد أو المؤسسة الذي يتعرض لصدمة قد يفقد توازنه لفترة ما ،ثم قد يستجيب لها بنوعين من الاستجابة :

  1. استجابة سلبية: النكوص إلى الماضي لاستعادته والتمسك به تعويضا عن واقعه المر، فيصبح انطوائيا.
  2. استجابة إيجابية: تَقـبـل الصدمة والاعتراف بها، ثم محاولة التغلب عليها، فيكون في هذه الحالة انبساطيا.

ويرى في نظريته (التحدي والاستجابة) : أنه كلما ازداد التحدي تصاعدت الاستجابة حتى تصل إلى ما يسميه (الوسيلة الذهبية) التي تتلخص في أن أي حضارة تقوم بمواجهة التحدي بسلسلة من الاستجابات التي قد تكون أحيانا غير ناجحة في مواجهة التحديات ولكن بكثرة المحاولات المتنوعة تهتدي الأمم إلى الحل النموذجي الذي يوصلها إلى الوسيلة الذهبية للنهضة والحضارة .

ولعل قانون الفعل ورد الفعل الذي يترجم نظرية التحدي والاستجابة يحتاج إلى تدقيق وإدراك وقدرة على حل المعادلات التي يطرحها في ميدان التدافع ،وبين دائرة الفعل ورد الفعل أشار استيفن كوفي في كتابه “العادات السبع للناس الأكثر فعالية” إلى فكرة:أن”بين الفعل ورد الفعل هناك مساحة من الفراغ تكمن فيها شخصيتنا واختياراتنا وقدراتنا على اختيار الاستجابة”،والمتأمل في عمق هذا المعنى يفهم جيدا تلك الآفات والمشاكل والمواقف التي قد يتورط فيها المرء بل قد تتورط فيها المؤسسات والدول حينما يقلّصون تلك المساحة ولا يعطونها حقّها وهم يتخذون قرارات مليميترية كانت أو مصيرية، قد يكون مآلُها أحيانا كارثياً على الأفراد والأمم.وقد صنف ستيفن كوفي في كتابه “العادات السبع للأشخاص ذوي الفعالية العالية” المحيط الذي يعيش فيه الفرد إلى ثلاث دوائر: دائرة التحكم ودائرة التأثير ودائرة الاهتمام، وأوضح كيفية التعامل مع كل منها.

  • في المركز دائرة التحكم: هو المكان الذي نتحكم فيه بالعناصر الموجودة فيه بشكل مباشر، ولنا السيطرة على مجرياته وكيفية أداء المهام، والأفراد المرتبطين بها.
  • دائرة التأثير: وهي للعناصر التي لا يمكننا السيطرة عليها، ولكن يمكن أن نترك أثراً فيها، وهي عادة أكبر بكثير من دائرة التحكم.
  • دائرة الاهتمام: العناصر التي تتجاوز قدرتنا على التأثير فيها، ولكنها تؤثر علينا وعلى أعمالنا، وهي أكبر من الدائرتين السابقتين. وغالباً ما تكون في البيئة الخارجية، وللتعامل معها نحتاج إلى امتلاك مستوى عالٍ من الوعي بها.

ويقترح كيفية للتعامل مع الدوائر الثلاث بــ :

  • الوعي بالعناصر الموجودة في كل دائرة على التقدم وتحقيق النجاح ولو بخطوات صغيرة ولكنها مستمرة.
  • التركيز على العناصر الموجودة في دائرة التحكم والتأثير، وتجنب هدر الوقت على العناصر الموجودة في دائرة الاهتمام.
  • محاولة العمل على توسيع دائرة التحكم ووضع الخطط والمهام اليومية التي تكفل تحقيقها. – كتابة كل ما هو في دائرة الاهتمام، ومن ثم العمل على محاولة جذب العناصر إلى دائرة التأثير، وكلما توسعت دائرة التأثير؛ توسعت دائرة التحكم.

والقادة الفعالون من ذوي الكفاءة وهم يديرون دفة قانون الفعل ورد الفعل (إن لكل فعل رد فعل يساويه في المقدار ويعاكسه في الاتجاه) يعرفون  دوائر تأثيرهم، ويحددون القضايا التي تقع في كل منها، ويطبقون المهارات القيادية المناسبة لكل دائرة،والفشل في إدراك هذا، يجعل القادة يستمرون في محاولة استخدام الأدوات المخصصة لدائرة سيطرتهم على القضايا خارج تلك الدائرة،مما يشعرهم بالإحباط وفقدان السيطرة،والأصل في حركة التاريخ أن تكون الأمة وقياداتها في دائرة الفعل لأنها تكون أقدر على معرفة ما تريد وتخطط له وربما تتوقع ردود الفعل وتخطط لها أيضا.

فالفعل السياسي  حسب خبراء علم السياسة :هو سلوك أو طريقة عمل يتخذها شخص واحد أو حزب أو حتى كتلة تأتلف فيها عدة أحزاب ، وغالبا ما تكون القوى السياسية الأقوى هي التي تبدأ بالفعل حيث تستطيع أن تقدر وقت حدوثه وطريقة إيصاله للآخرين وفي الأنظمة الديمقراطية تضع القوى صاحبة الفعل مدىً أو سقفا أكبر من المطلوب واقعيا كي تسمح لها مساحة التجربة في المناورة وتحقيق أقصى حد ممكن من مبررات الفعل نفسه، أما في الأنظمة الشمولية فإن حسابات التراجع تكون عادة ضئيلة إن كان الفعل صادر من السلطة الحاكمة (فهي من تصنع قواعد اللعبة السياسية)، وذلك لما تتمتع به من وسائل قمع وإرغام الأخر على قبول ما تريده من الغايات وراء الفعل المعني، ويختلف في العمل السياسي الفعل ورده عنه في الفيزياء فلا يشترط المساواة في الحجم أو التأثير كما يمكن ألا يكونا باتجاهين متعاكسين، لكن الملاحظة الأهم هي إن القوى التي تمتلك في لحظة ما المبادرة بالفعل عادة ما تكون في وضع يسمح لها لمفاجأة القوى المضادة مع إمكانية شل أو تقليل تأثير ردود الأفعال في نتائج ما تنوي السلطات تحقيقه.

وفي هذا السياق فان السياسة تعرف على أنها (فن توزيع القوة)، وهي كذلك (فن استخدام القوة) ،فهي بهذا المنطق فن وليس القوة بمعنى القدرة والمؤهلات وشروط هذا الاستخدام ،و انطلاقا من التدافع أو الاختلاف في الأفكار والآراء بشكل أدق وأعمق، و التنوع في الاحتياجات والصراع عليها يتشكل أساس الظاهرة السياسية وجوهرها وهو “القوة وتوزيعها بين الأطراف”،  بما تشمله من آليات الاستحواذ عليها وآليات تعاطيها ،وبالتالي فالسياسة في الجوهر هي القدرة على التأثير وليس التأثير بالإكراه.

وإذا كانت الظاهرة السياسية تتمظهر أساسا في الفعل السياسي أو العمل السياسي الذي تعد القوة أهم قواعده الأساسية كما أسلفنا سابقا ، فإن الخطاب السياسي كأداة للفعل السياسي يشكل أحد أهم أركانه، وإذا كان هذا الخطاب يعتبر احد أكبر الأدوات السياسية كون الخطاب السياسي جزء من الفعل السياسي، فإن امتلاك  كوادر قيادية قادرة ومؤهلة للتعامل مع الظاهرة السياسية من خلال اعتماد مناهج منطقية للتفكير والحوار والقدرة على تكييف التطورات والتفاعل معها، وتركيب الحجج، وعلاقة الحجج بالنتائج التي يفترض الوصول إليها. هذه الإمكانية تفترض الأهلية العلمية والذاتية،و التدبير العلمي للخطاب الداخلي والخارجي أو هما معا ولا يمكن أن يتحقق ذلك إلا إذا كانت للفعل السياسي إستراتيجية مستقبلية تؤطر الفعل ورد الفعل ،فالإستراتيجية حسب المختصين :هي أساس أي مشروع سياسي انطلاقا من القاعدة التي تقول “الأمم التي لا إستراتجية لها وليس لها تصور موضوعي للمستقبل تضيع في تعقيدات الواقع”، و الإستراتيجية تكون بالأساس مبنية على دراسة علمية لنمط التحركات والأحداث، و تأسيس القدرة على ملا الفراغات و التمكن في مساحات الاختلال وصياغة المبادرات التي تصنع الاستباقية بما يتيح التأثير والتحكم في النتائج أو وضعها في الإطار على اعتبار أن قانون الفعل ورد الفعل يقتضي  القدرة إلى تطبيق معادلة “الإستراتيجية والتكتيك”الذين تحكمهما علاقة جدلية تكاملية لا يمكن الفصل بينهما ، فمثلا لو تحقق النجاح التكتيكي و كان هناك إخفاق أو فشل إستراتيجي ، سيؤدي لا محالة بالنهاية  إلى فشل المشروع السياسي ككل، فالإستراتيجية هي البوصلة التي يضبط على أساسها التكتيك لتحقيق الأهداف السياسية،والتقدم نحن الانجاز السياسي الكبير ،وهو ما يفرض على قيادة العملية السياسية على كافة المستويات إتقان فن المناورة، وهل حياة السياسي إلا مناورة ؟كما قال الدكتور جاسم سلطان، حياة الكر والفر، الصداقة المؤقتة الخصومة القابلة للتحول وعندما يواجه السياسي تحديات داخلية أو خارجية،  فإما أن يكون الطرف الأضعف، أو يكون الطرف الأقوى، فإذا كان في الخانة الأضعف فأمامه هذه الخيارات  التي حددها الدكتور سلطان في :الإذعان،أو التنازلات، أو التجنب أو المواجهة أو المعالجة.وإذا كان هو الطرف الأقوى، فلديه هذه الخيارات:الإزالة أو الاستيعاب أو التحالف أو المهادنة أو المشاغلة أو توظيف الطرف الآخر .وهي فنون تساعد رائد التغيير والإصلاح وهو يقود العملية السياسية نحو التمكين على تقوية دائرة الفعل والمبادرة واستباق الأحداث بل وصناعتها والخروج بسرعة من دائرة رد الفعل إذا فرضت عليه أو وجد نفسه في فخها ،

فأفضل التحديات بالنسبة لتوينبي هو ليس التحدي الذي تستطيع القيادة التغلب عليه بشكل كامل، إنما هو التحدي الذي إذا تغلبت عليه ينتج تحديا جديدا في عملية مستمرة، وكأنه حركة لولبية، فتبقى القيادة والمؤسسة في حالة نشاط وإنتاج دائم؛ يقول: “التحدي الأمثل، ليس هو ذلك التحدي الذي يقتصر على استثارة الطرف المتحدى لينجز استجابة ناجحة بمفردها. ولكن ذلك التحدي الأمثل هو ما يشتمل على كمية الحركة التي تحمل الطرف المتحدى خطوة أبعد من استجابة ناجحة بمفردها، تحمله من مرحلة استكمال الاستجابة إلى مرحلة صراع جديد؛ من مشكلة واحدة حلت، إلى مواجهة أخرى”.

الحلقة القادمة : التفكير المنظومي والاستخلاف المنتظر

تعليق