التفكير المنظومي والاستخلاف المنتظر

كتبه كتب في 25 ديسمبر 2022 - 4:45 م

نتجدد معا …  ننهض معا

الأصل الثامن : فرصة التقييم : وعثرة التفكير والتخطيط الاستراتيجي (03)

التفكير المنظومي والاستخلاف المنتظر

بقلم: د. فاروق طيفور

الأصل الثامن : التفكير والتخطيط الاستراتيجي جسور هامة لتمتين نقاط القوة ورعايتها  واهتبال الفرص واستثمارها بتأسيس المؤسسات المتخصصة  في المجالات الحيوية التي تتكفل بالرفع من منسوبها وتوزيع الكفاءات والموارد عليها بشكل منظومي مقدم على الاستغراق في وصف نقاط الضعف وسيادة الشكوى وانتشار النجوى والفشل في معالجتها ،لان رعاية الأول(نقاط القوة) سيحل إشكالية الثاني(نقاط الضعف) والاستثمار في (الفرص) سيقلص حجم (التهديدات) ،ودائرة الفعل هي دائرة القوة وفن التمتين يسبق فقه التمكين.

طموح التمكين والاستخلاف ليس أمنية ورغبة تسقط مع الإمطار أو تستنبت بدون سقيا وعناية ورعاية ومرافقة ،بل تتطلب جهود وجهاد مستدام بالنظر إلى طبيعة المشكلات المتداخلة والعقبات المتراكمة التي تقف أمام الوصول إلى تحقيق هذا الطموح الواجب ،وهذا التداخل والتعقد والتشابك الذي يحجز عن الامة رغبتها وتطلعها إلى تجسيد التمكين والاستخلاف الموعود به بمشروطية سياسية واخلاقية تتضمن قواعد للتمكين والاستخلاف يجب أن تتحقق ،ومعايير تعكس قدرات اهل التمكين والاستخلاف وعلى رأسها طبيعة وطريقة التفكير التي يعالجون بها المشكلات ويتجاوزون بها العقبات ويستشرفون بها المستقبل مما يفرض عليهم أنماط جديدة في التفكير والتخطيط غير تقليدية ،ويبرز هنا منهج التفكير المنظومي كحل من الحلول المطروحة لمواجهة حالة التعقيد والتداخل والحيرة أيضا التي تميز خطاب الراغبين في التمكين والاستخلاف.

فالتفكير المنظومي مختلف كلياً عن الأساليب التقليدية للتحليل، فالتحليل التقليدي يركز على فصل الأجزاء الفردية للمادة التي تخضع للدراسة، وكلمة “تحليل”  تأتي في واقع الأمر من المعنى الأساسي وهو “الدخول في المكونات”. بينما التفكير المنظومي نقيض ذلك، فهو يركز على كيفية تفاعل الشيء موضوع الدراسة مع المكونات الأخرى للنظام – مجموعة من العناصر تتفاعل فيما بينها لإنتاج سلوك معين- والتي هي جزء منه. وهذا يعني أنه بدلاً من استبعاد الأجزاء الصغيرة من النظام الذي يراد دراسته، يعمل التفكير المنظومي من خلال توسيع الفكرة بحيث تأخذ في الحسبان أعداد كبيرة من التفاعلات كموضوع خاضع للدراسة.ففي بعض الأحيان يؤدي هذا الأمر إلى نتائج مختلفة ومدهشة وملفته للنظر، وعكس النتائج التي تحصل عليها من خلال أساليب التحليل التقليدية، وخاصة عندما يكون الشيء الذي يخضع للدراسة معقد بشكل ديناميكي، أو لديه قدر كبير من الملاحظات من مصادر أخرى، داخلية كانت أو خارجية ولاسيما اذا كان موضوع الدراشة والاشكالية هو قضية التمكين والاستخلاف .

إن طبيعة التفكير المنظومي تجعل منه أسلوباً فعالاً للغاية في معالجة أصعب المشكلات وأكثرها تعقيداً: كالمشكلات التي تتعلق بالمواضيع المعقدة والتي تعتمد بقدر كبير على الماضي، أو على أفعال الآخرين، وكذلك المشكلات التي تنبع من التنسيق غير الفعال بين الأطراف المشاركة في الموضوع الواحد.

وفيما يلي أمثلة أثبت فيها التفكير المنظومي كفاءة ملحوظة :

  • مشكلات معقدة تتعلق بالأطراف الفاعلة، بمعنى أنظر الى “الصورة” الكبيرة، وليس فقط أدوار الأطراف فيها.
  • مشكلات متكررة أو التي ازدادت سوءاً بفعل المحاولات السابقة لحلها.
  • مشكلات يؤثر (أو قد أثر) السعي لمعالجتها على البيئة المحيطة، سواء كانت البيئة الطبيعية أو البيئة المنافسة.
  • مشكلات لا تكون حلولها ظاهرة.

فالتفكير المنظومي يساعد الناس على تكوين الفهم الخاص للنظم الاجتماعية الظاهرة، والعمل على تحسينها بنفس الأساليب المتبعة في المبادئ الهندسية لتوضيح الأفكار وتحسين وتعزيز مستوى فهمهم للنظم الميكانيكية.ويسهل فهم نمط التفكير المنظومي عندما يساعدك الله سبحانه وتعالى بتصميم قوانين وقواعد قرآنية متماسكة تطرح أمامك الموضوع بنتائجه النهائية اذا تحققت شروطه المسبقة حيث وعد الله تعالى عباده المؤمنين بالاستخلاف في الأرض والتمكين فيها إذا حصلوا حقيقة الإيمان ومقتضياته، وأخذوا بأسباب التمكين المادية والمعنوية. فقال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا} [النور: 55]، وقال تعالى: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} [الحج: 41] إلى غير ذلك من الآيات.

فنحن أمام قانون إلهي، وسنة ربانية ماضية من سنن النصر والتمكين، وسنن الله لا تتغير ولا تتبدل ولا تتخلف: الإيمان الحق + عمل الصالحات = الإستخلاف في الأرض + التمكين للدين + الأمن والطمانينة من كافة المخاوف.إنها ثلاثة وعود إلهية للذين آمنوا وعملوا الصالحات:

وتبين الآية الكريمة لمن تدبرها أنها تتضمن ثلاثة وعود إلهية لأمة محمد من المؤمنين العاملين :
الوعد الأول : الاستخلاف : { …. لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم…}، قال أهل التفسير { كما استخلف الذين من قبلهم }يعني بني إسرائيل استخلفهم في مصر والشام بعد الجبابرة، وقرأ أبو بكر بضم التاء وكسر اللام، وإذا ابتدأ ضم الألف، والباقون بفتحهما، وإذا ابتدؤوا كسروا الألف .

الثاني : التمكين : {…. وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ….}، وهو الإسلام،
الثالث : الأمن والأمان والتطمين : {….وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنا..}، أي من بعد خوفهم من الأعداء، أمنا منهم.

تقوم فلسفه الاستخلاف على محاوله صياغة علاقة تفاعلية بين المستخلف (الله تعالى) والمستخلف (الإنسان) والمستخلف فيه (الكون) وذلك باتخاذ المفاهيم القرآنيه الكلية( التوحيد والاستخلاف والتسخير) مسلمات أولى لها.

فالاستخلاف كمفهوم شامل أي كمفهوم حضاري ونقصد بمفهوم حضاري هنا  -الحضارة كنسق معرفي شامل يتضمن الدين والقيم و المعارف- كحل للمشكلات التنموية، حيث تطرح المقاربة العدالة الاجتماعية بمعنى(الاستخلاف الاقتصادي) المبنية على التكافل العام والتوازن الاجتماعي والوحدة بمعنى (الاستخلاف الاجتماعي) والحرية بمعنى(الاستخلاف السياسي الداخلي والخارجي) والأصاله والمعاصرة بمعنى(الاستخلاف الحضاري) كحلول لهذه المشاكل على أن تكون هذه الحلول تسبح في بحر قواعد الأصول المطلقة ومقاصد النصوص القطعية الثبوت القطعية الدلالة.

وبناءا على هذا فان هذه المقاربة هي اجتهاد لمعرفه شروط الاستخلاف في مكان معين(الامة) وزمان معين(القرن 21)، وبالتالي سيكون حديثنا هنا عن الاستخلاف كمذهب في الفكر الاسلامي اي كمجموعة من الحلول للمشاكل التي يطرحها واقع معين زمانا ومكانا.

فمقاربة الرشد والاستخلاف التي طرحناها كمقاربة تنموية حضارية متجددة تتبنى النظرية الإسلامية في الكون والحياة والإنسان سواء كانت عقائد راسخة وعبادات ترسم العلاقة بين الإنسان وربه وأخلاق تسمو به وتشرفه، ونظام سياسي عادل وعلاقات دولية تقوم على احترام حقوق الإنسان وعدم العدوان والتعاون، ونظام اقتصادي يقوم على ان الملكية مزدوجة والمال مال الله وان البشر مستخلفون فيه، ونظام اجتماعي يقوم على العدل والمساواة ونظام تعليمي يقوم على طلب العلم.فالمنهج الاسلامي يعيد كشرعة الاشياء الى طبيعتها ويرد كمنهاج قضية التنمية الى عمادها .

ومقاربتنا تعتبر مفهوم التنمية مفهوم منظومة متكاملة ومتكافلة ومتفاعلة من المفاهيم تكون عائلة مفاهيمية واحدة ذات نسب واحد او شجرة مفاهيمية ذات فروع (نموذج ارشادي برادايم). تتكون ضمن:عناصر التوحيد – الرؤية للإنسان – الرؤية للكون والبيئة -الرؤية للتفاعلات وجوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية والعبادية – أصول العلاقات الاستخلافية – الآخرة كمحرك وحافز للفاعلية وتكريس عناصر المسؤولية والحساب.

وعند الحديث عن التمكين الذي يسبقه التمتين فنحن نفصل بين التمكين وفقه التمكين ،وفيصل التفرقة بينهما هوأن “فقه التمكين” هو الاستيعاب والاستنباط والادراك لغايات وأسباب فقه “التمكين” ودلالاته للنهوض الحضاري، بينما “التمكين” هو نتيجة الاخذ بعالم الاسباب وتحقيق النصر وتحقيق التفاعل مع العوامل الخارجية المؤثرة، فالتمكين محصلة استيعاب وإدراك وتفقه سنن الله الربانية لتجسيدها على أرض الواقع، بعد تفقه سنن الله في الامم السابقة وتمييز أسباب القوة والضعف لتفعيل تلك المعطيات في واقع طارئ، تحولت فيه الامة من القوة والنصر إلى الهزيمة. والتمكين يأخذ معاني كثيرة ومتنوعة حسب ورود مفردة تمكين في القرآن الكريم ،حيث أخذت كلمة التمكين معنى القوة والسلطان وسعة الرزق والنفوذ،   ومعنى التسخيـر والعمران،ومعنى علو المكانة والمركز،  ومفهوم نفاذ القول و الائتمان، وملمح الثبات و قوة المركز، وصورة الادراك و المعرفة و المال و القوة، ،ومظهر النصر والفوز على الطغيان،  ومعنى الملك، والمنزلة عند الملك،هذا التمكين يفسر على أنه نصيب من الملك ومنزلة ذات قدر عند الملك. ومعنى التمكين في نعم الدنيا ومعايشها ومفهوم التمكين للدين، ومعنى الثبوت والاستقرار،

فتفعيل قانون “التمكين” كفيل بتحقيق الاستخلاف بإعمار وبناء عمراني في الارض وذلك كفيل بإقامة نهضة حضارية تنافس بقية الحضارات المعاصرة التي تقوم على المادة وتهمل الروح وترى الدين سبب رجعية الامم، فالنهضة الناجحة هي القائمة على الدين وإتباع قوانين الله في الأرض وذلك كفيل بالتمكين الحضاري الناجح.

تعليق