الرئيسية مقالات أ. فاروق أبوسراج الذهب الأصل التاسع : بناء النموذج الأخلاقي  طريق الشهود الحضاري

الأصل التاسع : بناء النموذج الأخلاقي  طريق الشهود الحضاري

كتبه كتب في 7 يناير 2023 - 2:27 م
مشاركة

نتجدد معا … ننهض معا

شرح الأصول السياسية العشرين

الأصل التاسع : بناء النموذج الأخلاقي  طريق الشهود الحضاري

بقلم: د. فاروق طيفور

الأصل التاسع : انجاز البدائل والمشاريع وتقديم الخدمة وبذل الوسع في توسيع مساحات العمل والانجاز مقدم على الاشتغال فقط بمقاومة الرذائل ،ووصفها وتقريع أصحابها فخدمة المجتمع وتنميته تتطلب بناء النموذج الأخلاقي الصالح الذي يؤثر ويغير وعند توسع دائرته وانتشار فكرته ستنحصر الرذائل بالبدائل الواقعية التي تصبح معالم للاقتداء ويتحقق بموجبها الشهود الحضاري.

عملية التغيير والإصلاح منظومة متكاملة من الأعمال والوظائف والمؤسسات التي تعمل جميعها على تمكين المجتمع من الوصول إلى مرحلة الصلاح المؤدي إلى التغيير الشامل الذي يحتضن أي مشروع سياسي واجتماعي بل ويدفع بالقيادة التي ترفعه إلى الأمام لتسير شؤونه كلها ،فعملية التغيير ليست فقط وصف للواقع وتقريع لأهل الفساد والشر فيه بقدر ماهي خدمة وانجاز وتجسيد لبدائل محضرة سلفا تكون بمثابة النموذج الهادي للناس للصلاح والإصلاح ،على اعتبار أن انتصاب قيادات الإصلاح والتغيير كقدوات للمجتمع تحمل قيم ومبادئ وأهداف المشروع كممارسات هو بداية الطريق نحو التأثير الحقيقي وتمكين المجتمعات الغافلة من الانتباه إلى الصورة التي يحملها أهل وأنصار المشروع الرسالي وغير ذلك هو صيحة في واد ونفخ في رماد لا يمكن إلا أن يتفنن أصحابه في الوصف والنقد والاعتراض ولكنهم لن يصلوا يوما إلى تحقيق انجاز حضاري يمكن الأمة من الإقلاع في النهضة والتقدم .
فما أسهل وصف الواقع واعتراض عليه لكن ما أعسر انجاز البدائل والمشاريع وتقديم الخدمة وبذل الوسع في توسيع مساحات العمل والانجاز،ودعوة الناس إلى الانخراط في تلك المشاريع وبناء غيرها وتوسيع القناعة بها لتزاحم المشاريع الافسادية التي تعترض الأمة وتهدد قيمها وهويتها وتنهب خيراتها بالليل والنهار ،وعلمائنا الاوائل فقهوا بدقة هذه القضية عندما قالوا بأن تحصيل المصالح وتكميلها، هو الغرض الأصلي الأساس من أي حركة تغيير وإصلاح ، وأن “تعطيل المفاسد وتقليلها”، إنما هو فرع متمم ومُرَمِّم لإقامة المصالح وتمامها ودوامها. كما أوضح الشاطبي طريقة الشرع في رعاية المصالح وحفظها: “والحفظ لها يكون بأمرين: أحدهما: ما يقيم أركانها ويُثَـبِّت قواعدها. وذلك عبارة عن مراعاتها من جانب الوجود. والثاني: ما يدرأ عنها الاختلال الواقع أو المتوقع فيها، وذلك عبارة عن مراعاتها من جانب العدم”.
وما يجب أن يفهمه شبابنا وهم يمارسون عملية الإصلاح والتغيير ويتطلعون إلى النهضة والتقدم ،أن القضية الأصلية، ذات الأسبقية والأولوية، هي بناء المصالح وتكميلها، هي تحقيق الأعمال الإيجابية، أو الوجودية بتعبير ابن تيمية، أوهي الحفظ الوجودي بتعبير الشاطبي. فلو أن هذه القضية الفرعية – قضية درء المفاسد ومحاربتها – أخذت رُبع عنايتنا وجهودنا وانشغالاتنا، لكان هذا كثيرا، ولو أخذت أقل من ذلك لكان أفضل.
نقول ذلك لان حديث الوعاظ الذي طغى على عملية التربية والتكوين ونشر المعارف بعيدا عن الحلقات العلمية العلمائية التي تمتلك الفهم الكلي للمعاني الإسلامية ،رسخت في الأذهان أولويات وترتيبات فقهية وأصولية قد تكون اليوم في حاجة إلى مراجعات وإعادة ترتيب في سياق منظومة متجددة تساهم في إعادة بناء العقل المسلم المهموم بقضية النهضة والتقدم والخروج من دوائر الوهم والثنائيات المتناقضة إلى فهم جديد يبنى على قواعد علمية سليمة ،فعندما يقرأ الشاب قاعدة (درء المفاسد مقدم على جلب المصالح ) فانه سيشتغل بدرء المفاسد بنسبة عالية أكثر من جلب المصالح بالرغم من أن طرفي القاعدة متكاملان ،ولا ينطبق هذا فقط على الشباب بل على جيل كامل وصل من خلال الخلل في ترتيب الأولويات بهذا الشكل إلى الصدام المسلح مع النخب والأنظمة الفاسدة وفي المقابل لم ينجز شيئا في بناء المصالح ،لان ميزان المصالح والمفاسد ميزان دقيق يحتاج إلى عمق وفهم وعقل حاضر ومدرك وقارئ ذكي لمخططات المفسدين .

ومن جهة أخرى قال بعضهم في توجيهاته لطلاب العلم : (التخلية قبل التحلية : ينبغي لطالب العلم أن يتهيأ لطلب العلم بتطهير قلبه من الغش والغل والحسد ، وفساد المعتقد ، وسوء الخلق ، ليصبح أهلا لطلب العلم وقبوله ، فإن القلوب تطيب للعلم كما تطيب الأرض للزراعة). وتساءل البعض الأخر : إذا كان الإنسان قبل أن يتهيأ لتلقي العلم الشريف ، عليه أولا أن يكون قد تطهر من الغش ، والغل والحسد وفساد المعتقد وسوء الخلق فماذا بقي أن يستفيده من تلقي هذا العلم ؟ وإذا لم يكن العلم هو الذي يطهره من كل هذا فما جدوى هذا العلم ؟ (وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ ) هود : 114 وقد دلت أداة الشرع الصحيحة على أن التحلية هي التي تحقق التخلية أو تساعد عليها ، وأن استنبات المصالح والفضائل هو الذي يمكن من دفع المفاسد والرذائل ، وأن إظهار الحق وإثباته هو الذي يطرد الباطل ، وأن الحسنات هي التي تزيل السيئات.وقطعا أن الأمر بالمعروف دائما متقدم على النهي عن المنكر. والآية الجامعة في هذا الباب، وهي قوله عز وجل:{ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران/104]، دالة دلالة واضحة على كل ما تقدم. فالرسالة المحمدية، والرسالة الإصلاحية، تتضمن ثلاثة عناصر هي: 1. الدعوة إلى الخير 2. الأمر بالمعروف 3. النهي عن المنكر وهذه العناصر عادة ما تتزامن وتتداخل، ولكن الترتيب المطَّرِدَ في النصوص الشرعية الكثيرة، يدل على الأسبقية والأولوية بصفة عامة. وهذا واضح كذلك في الآية الجامعة التي تتحدث عن المضامين والخصائص الكبرى للبعثة المحمدية، وذلك قوله تعالى:{وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ…} [الأعراف/156، 157] وأيضا فإن النظر والتأمل في الخطوات الأولى للبعثة النبوية، فيها إشارات ودلالات هادية. فمعلوم أن أول ما نزل من الـهُدى والنور: • قوله تعالى{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق/1-5] • وقوله سبحانه: { يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا} [المزمل/1-4] • وبعد ذلك بدأت المزاوجة بين الأمر والنهي، كما في قوله عز وجل:{ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرّجْزَ فَاهْجُرْ وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ} [المدثر/1-7] • وقبل هذا كله، نجد ما ذكرته السيدة خديجة رضي الله عنها، بعد الرجة والرجفة التي أصابت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، عند أول وحي نزل عليه، فقالت له:{والله ما يـخزيك الله أبدا؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَلَّ، وتُكسب المعدوم، وتَـقْري الضيف، وتعين على نوائب الحق} ومعنى هذا أن الرسول الكريم عليه السلام، كان صاحب إنجازات تأسيسية وتمهيدية بين يدي بعثته، وكلها كانت من جنس جلب المصالح، لا من جنس درء المفاسد. وهذا يذكرنا بقوله عليه السلام: {إنما بعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق}، وكما يشير إليه الحديث النبوي الشريف: {مَثَلي ومَثَلُ الأنبياء من قبلي، كَمَثَلِ رجل بنى بنيانا، فأحسنه وأجمله، إلا موضع لَبِنة من زاوية من زواياه. فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلاَّ وُضعتْ هذه اللبنة. قال: فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين}.

هذا الحديث يدفعنا بشكل منطقي إلى ضرورة صياغة رؤية عملية لبناء النموذج الأخلاقي الإسلامي الذي يمثل الملجأ للاقتداء والأسوة ومنصة للتأثير والتغيير ، يبنى على قاعدة (كم في الإمكان أبدع مما كان) وليس على قاعدة (ليس في الإمكان أبدع مما كان) ،ولاشك أن من أهم ما يتأسس عليه النموذج الأخلاقي في المنظور الإسلامي جمعه بين “سبيل الإلزام” المتمثل في عدد من الأوامر والنواهي التي توجه الإنسان من الخارج من جهة و”سبيل الاعتبار” المتمثل فيما يستبطنه من معان وقيم مما يجري حوله سواء كان قولا أو فعلا الأمر الذي يجعله مخلوقا يعيش في جو من “الرقابة والالتزام” يؤهلانه لحيازة قدر عال من الانضباط سواء في علاقته بذاته أو بربه أو بمن (ما) حوله. ونحسب أنه لا يمكن أن يتحقق هذا المقصد إلا بوجود جملة مقومات أبرزها :
أ. اقتران الأخلاق بالدين : حيث لا يعرف التصور الإسلامي أية ثنائيات من قبيل الأخلاق “النظرية والأخلاق العملية”، أو “الأخلاق النسبية والأخلاق المطلقة” الخ. ودليل هذا أن “المبدأ الأول للمعرفة الإسلامية هو وحدة الحق، كما أن مبدأ الحياة البشرية يعود إلى نفس واحدة هي آدم عليه السلام. والمبدأ الأول للوجود هو وحدانية الله تعالى، وكل هذه الوحدات الثلاث مترابطة على نحو لا يقبل الانفصام.”
ب. ارتباط الأخلاق بجوهر الإنسان وسائر أفعاله : فما يميز الأخلاق في النموذج الإسلامي اتصالها بمختلف جوانب الإنسان سره جهره، باطنه وظاهره، فرده وجماعته، عاجله وآجله؛ وعلى هذا الأساس يغدو كل ما يصدر عن الإنسان من أفعال وسلوكات، بل وحتى ما يستقر في نفسه من أفكار ونوايا، محكوما بوازع الانضباط الأخلاقي المفضي إلى إتيان الواجب والالتزام به، والإقبال على الحق والتقييد به. وغير خاف أنه انضباط مؤسس على نوعين من العلاقات، علاقة عمومية، وهي الاسمي؛ أي علاقة الإنسان بربه، ثم علاقة أفقية تابعة للأولى؛ أي علاقته بالناس والكون المحيط به.
ج. عالمية الأخلاق وعموميتها : ووفقا للتصور الإسلامي فكما أن الفرد مكلف بتجاوز نفسه إلى الاهتمام بغيره، فإن المجتمع مطالب بالمثل بتجاوز نفسه إلى الاهتمام بشأن غيره. وبالتالي تصير الانعزالية سواء بالنسبة للأفراد أو المجتمعات ضربا من اللامبالاة الأخلاقية. فالمبادئ الأخلاقية التكوينية للإنسانية، تبعا للرؤية الإسلامية، ثابتة ومسلم بها لأي إنسان حتى لو كان منتميا إلى دين غير الإسلام، أو إلى ثقافة أو حضارة أخرى. وبهذا تسمو عالمية الإنسان على كل الفوارق بين الناس وتعود بهم إلى الفطرة الأولى ﴿فطرت الله التي فطر الناس عليها﴾ (الروم: 29).وإذا تبين هذا تبين معه أن المجتمع الإسلامي ينبذ النواظم الحصرية كمعايير للقيمة لكونه مجتمعا عالمي التوجه يرفض تأسيس منظومة الحقوق والواجبات على أية نواظم تخصيصية حصرية، على العكس، مثلا، مما هو حاصل في الديانة اليهودية (المحرفة) التي تتأسس على قانون أخلاقي يقضي بعدم تعدي الخير دائرة اليهود أنفسهم.إن النقيض الحقيقي للعالمية، إذن، هو النزعة التخصصية الحصرية التي اتخذت شكل الفردانية والقبلية في الماضي وشكل العنصرية والقومية في التاريخ المعاصر.
د. تداولية الأخلاق الإسلامية : فلا قيمة للأخلاق إلا إذا اقترنت بأفعال وأعمال، شأنها في ذلك شأن الإيمان: “ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي وإنما ما وقر في القلب وصدقه العمل”. (الحديث) ولذا فإن “الالتزام الخلقي لا ينبثق من الفكرة المحضة بحيث يمكن أن تصير القوانين الأخلاقية ترفا عقليا. وإنما ينبغي أن تكون قواعد للعمل؛ لأن الاتساق بين النظر والعمل أو بين الاعتقاد والسلوك في الدين واجب، ومن ثم كان لوم القرآن الكريم لمن “يقولون ما لا يفعلون.”
القيادة وبناء النموذج الأخلاقي :

تعد القيادة المؤثرة المنبثقة من منظومة تربوية سليمة هي المحرك الفعال لنهضة الأمم والشعوب وتقدمها، والإدارة الأكثر فاعلية للتغيير وصناعة المستقبل، لما لها من آثار إيجابية في دفع حركة المجتمع وبنائه والارتقاء به، وفي ظل الأزمات العالمية المتصاعدة ومع تقدم الثورة المعلوماتية نلحظ في منظومة القيادة والإدارة بأن النقص في القيادة الأخلاقية منتشر في جميع قطاعات المجتمع الإنساني، مما يستوجب على المؤسسات مواجهة هذه التحديات بكفاءة وفاعلية، بوصفه الطريق الأيسر لتحقيق الأهداف، وذلك من خلال إعداد القيادات الناجحة والقادرة على التغيير والابتكار، لحل المشكلات واتخاذ القرارات في المواقف المناسبة بناء على قاعدة تعزيز السلوك الأخلاقي في منظومة العمل والعلاقات.

إن القيادة الأخلاقية بوابة نجاح إستراتيجية مركزية لأي مؤسسة تنشد النمو وتحقيق الغايات، فهي قيادة تحقق العدالة والشفافية، وتشجع العمل الجماعي المشترك، والمشاركة في صنع القرار، والاهتمام بالمرؤوسين وتعزيز نموهم، والتخلي عن المفهوم التقليدي للقيادة والمستندة إلى الوصاية والهرمية وسلطة المركز، وذلك وفق إطار أخلاقي إنساني يتزامن فيه الارتقاء بأداء المؤسسة ونوعية إنتاجها مع الاعتناء بالأفراد وتطويرهم وتحفيزهم وتعزيز دورهم، وتتعاظم أهمية القيادة الأخلاقية في المؤسسات كونها تتعامل مع الإنسان وتحاول صياغة شخصيته صياغة سليمة وإيجابية تنمي فيه الخلق القويم، وترسخ فيه القيم السامية، والشعور بالمسؤولية عبر منظومة منبثقة من قيم راسخة من المنهج التربوي الإسلامي الأصيل، كما أنها تقوم بصياغة القرارات التي تنعكس على حاضر المجتمع ومستقبله، والتي يمتد تأثيرها لأجيال عديدة.

لقد ربط الإسلام السياسة بالأخلاق، فليست السياسة الإسلامية “ميكيافلية” ترى أن الغاية تبرر الوسيلة أيًا كانت صفتها، بل هي سياسة مبادئ وقيم، تلتزم بها، ولا تتخلى عنها، ولو في أحلك الظروف، وأحرج الساعات، سواء في علاقة الدولة المسلمة بمواطنيها داخليًا، أو في علاقاتها الخارجية بغيرها من الدول والجماعات.

إن الإسلام يرفض كل الرفض الوسيلة الخبيثة، ولو كانت للوصول إلى غاية شريفة: إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا)، فالخبيث من الوسائل كالخبيث من الغايات، ولا بد من الوسيلة النظيفة للغاية الشريفة.

ففي علاقة الدولة بمواطنيها، يقول الله تعالى مخاطبًا أولي الأمر من المسلمين: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً)، فأداء الأمانات، بمختلف أنواعها المادية والأدبية، إلى مستحقيها، والحكم بين الناس، كل الناس، بالعدل هو واجب الدولة المسلمة مع رعاياها.

إن الدولة التي تسيّر شؤون رعيتها وعلاقاتها مع غيرها وفق أسس لا أخلاقية سيكون مصيرها الانهيار والزوال والتاريخ مليء بالشواهد التي تثبت ذلك، فأغلب الأنظمة التي كانت قائمة على القوة والعنف والاستغلال والظلم كان مصيرها الانهيار يقول العلامة ابن خلدون “إن إتباع الشهوات والابتعاد عن الفضائل هو سبب سقوط الدولة.”.

ومن هذه المنطلقات التي تعيد ترتيب الأولويات،يتبين لنا أن انجاز البدائل والمشاريع وتقديم الخدمة وبذل الوسع في توسيع مساحات العمل والانجاز مقدم على الاشتغال فقط بمقاومة الرذائل ،ووصفها وتقريع أصحابها فخدمة المجتمع وتنميته تتطلب بناء النموذج الأخلاقي الصالح الذي يؤثر ويغير وعند توسع دائرته وانتشار فكرته ستنحصر الرذائل بالبدائل الواقعية التي تصبح معالم للاقتداء ويتحقق بموجبها الشهود الحضاري.

الحلقة القادمة : النموذج القيادي الاخلاقي الخادم

تعليق