الشيخ نحناح وأصعب الاجتهادات السِّياسية

كتبه كتب في 19 يونيو 2023 - 1:21 م

تمرُّ علينا هذه الأيام الذكرى الـ20 لوفاة الشيخ الرئيس محفوظ نحناح، عليه رحمة الله (19 جوان 2003م– 19 جوان 2023م)، وهو ما يفرض علينا الوقوف عند أهمِّ الخيارات الاجتهادية السِّياسية في مسيرته الحافلة، وهي جدلية الفعل السِّياسي بين المشاركة والمعارضة، والتطلُّع إلى مستوى الشراكة السِّياسية.

ولا يمكن الحديث عن المحطات السياسية في مسيرة الشيخ دون المرور على مفهوم المشاركة، ولا يمكن الحديث عن حقيقة المشاركة دون الوقوف عند ظروفها، فقد عرفت الجزائر التعددية الحزبية سنة 1989م، إلا أنها دخلت في أزمةٍ دمويةٍ خطيرةٍ بعد توقيف المسار الانتخابي في جانفي 1992م، وكان أحد أطرفها: حزبٌ إسلاميٌّ فائزٌ في الانتخابات المحلية والتشريعية أزوار سنة 1991م، انزلق بعضُ المحسوبين عليه إلى العنف والتطرُّف، وهو ما عرَّض البلاد إلى مخاطر انهيار مؤسَّسات الدولة، وتفكيك الوحدة الترابية، ووَضع الجزائر أمام تحدِّي التدخل الأجنبي، ورَهن الاستقلال والسِّيادة الوطنية، وهدَّد مستقبل الحركة الإسلامية، بالإضافة إلى حجم الخسائر البشرية في الأرواح (نحو 200 ألف قتيل)، وخسائر مادية واقتصادية (نحو 30 مليار دولار في ذلك الوقت).

عمل الشيخ نحناح على الحفاظ على صورة الإسلام، من خلال تقديمه في صورةٍ مخالفةٍ للصُّوَر المشوَّهة الدموية المرعبة، التي رسمتها له خناجر الإرهاب وحناجر وسائل الإعلام المتغرِّبة في الداخل والغربية في الخارج، وتثبيت صورة الحركة الإسلامية الوسطية المعتدلة، واعتراف السُّلطة بشرعية هذه الحركة وأصالة وطنيتها في خدمة البلاد، رغم محاولات إقصائها الفكري والسِّياسي والقانوني.

وقد وجد الشيخ محفوظ نحناح، عليه رحمة الله، نفسه أمام أصعب الاجتهادات السِّياسية، بين خيار المغالبة الذي تمارسه الجماعات الإسلامية المسلحة، وبين خيار الاستئصال، الذي يمارسه التيار العلماني المتطرِّف والمتنفِّذ في دواليب الحكم. وهو ما جعله يبدع “خيار المشاركة السِّياسية” بمفهومها الواسع، والذي يستوعب المشاركة في الحكومة والحقِّ في معارضة الخيارات الخاطئة للسلطة، وذلك عبر تبنِّي الحلَّ السِّياسي السِّلمي، ومقاومة الكلِّ الأمني، والدعوة إلى الحوار والمصالحة الوطنية، والعودة إلى المسار الانتخابي والاحتكام إلى الديمقراطية، وبناء مؤسَّسات الدولة على قاعدة الشَّرعية الشَّعبية.

وكان من أهمِّ شعاراته التي تبيِّن إستراتيجيته في التعاطي مع هذا الوضع المعقَّد سياسيًّا وأمنيًّا ودينيًّا: “نحن نُدِين العنف من أجل الوصول إلى السُّلطة، أو من أجل البقاء فيها”.

وكانت بدايات المشاركة الرسمية في ندوة الوفاق الوطني -ثم الانسحاب منها -في جانفي 1994م، والمشاركة في”المجلس الوطني الانتقالي” بـ05 أعضاء، ثم المشاركة في الانتخابات الرئاسية سنة 1995م، وحصوله على المرتبة الثانية رسميًّا بأكثر من 3.3 مليون صوت، ثم المشاركة التحضيرية سنة 1996م بوزيرٍ وكاتبٍ للدولة، ثم المشاركة الائتلافية البرلمانية بعد تشريعيات 1997م بـ04 وزراء، و3 كُتَّاب دولة، ثم المشاركة الائتلافية الرئاسية بعد رئاسيات 1999م بـ03 وزراء، ثم المشاركة في التحالف الرئاسي سنة 2004م بـ04 وزراء، واستمرت هذه المشاركة الحكومية إلى غاية تشريعيات 2012م.

لقد كان من بين أهداف هذه المشاركة فيما يتعلق بالصالح العامّ، كما نصَّ على ذلك الشيخ في كتابه “الجزائر المنشودة”، هي:

– المساهمة في الحفاظ على الدولة الجزائرية، ومنع بنيانها من الانهيار والسُّقوط، ونقصد هنا الدولة، لا السُّلطة أو الحكومة أو النِّظام القائم.

– الحفاظ على صورة الإسلام، من خلال تقديمه في صورةٍ مخالفةٍ للصُّوَر المشوَّهة الدموية المرعبة، التي رسمتها له خناجر الإرهاب وحناجر وسائل الإعلام المتغرِّبة في الداخل والغربية في الخارج.

– تثبيت صورة الحركة الإسلامية الوسطية المعتدلة، واعتراف السُّلطة بشرعية هذه الحركة وأصالة وطنيتها في خدمة البلاد، رغم محاولات إقصائها الفكري والسِّياسي والقانوني.

– المساهمة في طمأنة القوى الداخلية والخارجية تجاه الحركة الإسلامية، وإظهار استعدادها للعمل الديمقراطي السِّلمي، وقطع الطريق عن التيار التغريبي الاستئصالي الذي يستغل المأساة الوطنية لتمرير مخططاته التي تستهدف الإسلام والثوابت الوطنية تحت غطاء مكافحة الإرهاب وتجفيف منابعه.

وقد نصَّ بأنَّ هذه الأهداف شكَّلت انتصارًا على أطرافٍ استئصالية داخل السُّلطة: “كانت ترى مجرد المشاركة في بناء الوطن ومؤسَّسات الدولة وعودة هيبتها… خطرًا يتهدَّد مصالحها وسياستها..”، وأنَّ هذه الأهداف تتجاوز مجرد المشاركة في الحكومة.

إنَّ هذا السُّلوك السِّياسي كان أوسع من مجرد المشاركة في الحكومة، فهو تطلُّعٌ إلى الشَّراكة في مؤسَّسات الحكم، ومع ذلك فقد كان ملتبسًا، فقد كان عبارةً عن ضرورة “البدل” عن “الأصل”، إذْ كان ضمن إستراتيجية الأساس الواقعي، كوسطٍ بين إستراتيجيتين متصارعتين، هما: إستراتيجية الإقصاء (التيار الاستئصالي) وإستراتيجية المغالبة (الإرهاب)، وكانت تلك المشاركة وفق ضوابط وضعها فقهاء الحركة الإسلامية، ومنها: ألا تكون هدفًا في حدِّ ذاتها على حساب المبادئ والقيم والثوابت، وأن تكون فعلاً لا قولاً، بألا تكون مجرد مشاركةٍ شكليةٍ ضمن مخططات الغير، وأن تحافظ على الاستقلالية في معارضة ما يخالف مصلحة الدِّين والوطن، وأن تخضع للتقييم والمراجعة المستمرة وفق معايير موضوعية تقرِّر الاستمرار أو الانسحاب منها.

ولذلك كانت تلك المشاركة بحاجةٍ إلى تقييمٍ حقيقيٍّ ومراجعةٍ شاملة، والتي أبانت على ثغراتٍ وسلبياتٍ ليست خافية، وهو ما دعا إلى ضرورة المطالبة بالانتقال من مجرد “المشاركة في الحكومة” إلى طموح “الشَّراكة في الحكم”.

لقد اقتصرت تلك المشاركة في الواقع على طابعها التقني والشَّكلي في الحكومة، ولم تمتدّ إلى مفاصل الحُكم أفقيًّا وعموديًّا، لتصل إلى مراكز صناعة القرار في المناصب السَّامية والمؤسَّسات السِّيادية، والتي تمكِّن من المساهمة في الجهد الوطني للتنمية، وتحمُّل المسؤولية الكاملة في حالة النَّجاح أو الإخفاق.

ولذلك رفع الشيخ محفوظ نحناح السَّقف السِّياسي عاليًّا في “فقه الشَّراكة السِّياسية”، ويتجلَّى ذلك فيما يلي:

1/ الانحياز إلى الدولة وتبنِّي الخطاب الوطني الجامع: لقد كان الشيخ نحناح يميِّز بين “الدولة” و”السُّلطة”، وكان يطلق مبادرات التحالف الوطني الإسلامي، للانحياز بشكلٍ واضحٍ إلى أولوية بقاء الدولة، ولو بتحمُّل ضريبةٍ شعبيةٍ قاسيةٍ في ذلك، وهو تطلُّعٌ في فقه الشَّراكة في الحكم، متجاوزًا مجرد المشاركة في الحكومة.

2/ تبنِّي الخيار الديمقراطي: وهو الخيار الصَّعب في زمن الإرهاب والكلِّ الأمني، ولكنه حتميةٌ لبناء الدولة الجزائرية الديمقراطية على قاعدة الإرادة الشَّعبية، بعيدًا عن الانقلابات العسكرية، أو التدخُّلات الأجنبية، أو استعمال العنف للوصول إلى السُّلطة أو البقاء فيها، أو الخلود في الحكم بالشَّرعيات التاريخية، أو التزوير الانتخابي، وذلك للقناعة المبدئية بأنَّ الخيارَ الديمقراطي هو السَّبيلُ الوحيد إلى شراكةٍ سياسيةٍ حقيقية، فقد نصَّ في كتابه “الجزائر المنشودة” عن شروط الديمقراطية الحقيقية: “أن تكون الإرادة الشَّعبية المعبَّر عنها من خلال الانتخابات الحرَّة والنزيهة هي السَّبيل الطبيعي والقانوني الوحيد للوصول إلى السُّلطة والخروج منها”.

3/ الدَّعوة إلى تمدين النِّظام السِّياسي: لقد ناضل الشيخ محفوظ نحناح طويلاً من أجل تمدين النظام السِّياسي، وكان ذلك من بين أهمِّ مفاتيح خطابه في مختلف الاستحقاقات الانتخابية منذ رئاسيات 1995م، إذ يعتبر تدخُّل المؤسَّسة العسكرية في الحياة السِّياسية المدنية، وترجيح الكفَّة بين الأحزاب في المنافسات الانتخابية، وعدم احترام الإرادة الشعبية في تأسيس السُّلطة المدنية، عائقا حقيقيّا في الوصول إلى الشَّراكة السِّياسية بين الأحزاب والسُّلطة على مبدأ توسيع قاعدة الحكم وفق الشَّرعية الشَّعبية.

4/ المشاركة في الانتخابات الرئاسية سنة 1995م: لقد جاء في خطاب الرئاسيات قوله، عليه رحمة الله: “إنَّ الانتخابات الرئاسية في اعتقادنا: فريضةٌ شرعية وضرورةٌ واقعية، وهي خطوةٌ للسَّير نحو انفراج الأزمة أو التخفيف منها، لأنَّ الوطن لا يمكن أن يستمر على هذه الحال المتأزمة بدون هيئات.

إنَّ طموح الشيخ إلى بلوغ منصب رئيس الجمهورية، وهو السُّلوك السِّياسي والانتخابي الذي لم تبلغه قبله أيُّ حركةٍ إسلامية، مع ما يحمله هذا المنصب من الصَّلاحيات الدستورية في الوصول إلى الحكم، وليس مجرد البلوغ إلى الحكومة، هو خطوةٌ جريئةٌ في رفع الطموح السِّياسي للانتقال من مجرد “المشاركة” إلى حقيقة “الشَّراكة”.

5/ التمييز بين المشاركة في الحكومة والشَّراكة في الحُكم: لقد طالب الشيخ محفوظ نحناح، عليه رحمة الله، في خطاب افتتاح المؤتمر الثاني للحركة يوم 04 مارس 1998م بضرورة ترقية الائتلاف الحكومي إلى تحالفٍ، كقناعةٍ سياسيةٍ وإستراتيجيةٍ مستقبلية، وهو صيغةٌ متقدمة من صيغ المشاركة، فيقول: “وتشرَّفت الحركة بالمساهمة في التصحيح التاريخي من خلال الائتلاف الوطني الإسلامي، متمنين أن يرقى إلى تحالفٍ قوي، يتَّسع لكلِّ القوى والأفكار..”، ولقد عانت مدرسة الشيخ نحناح من الضَّريبة الشَّعبية لمجرد “المشاركة في الحكومة”، وتحمُّل المسؤولية السِّياسية لأخطاء السُّلطة، فكان يقول ويردِّد: “نحن في الحكومة ولسنا في الحكم”.

إنَّ الأحزاب السِّياسية في حقيقتها هي الأدواتُ الحضارية التي تؤطِّر حالة الصِّراع الإيديولوجي بين الجماعات المتدافعة في المجتمع حتى يكون سلميًّا وقانونيًّا، وذلك عبر المشاريع التنافسية من أجل الوصول إلى السُّلطة، وتنفيذ البرامج الانتخابية في هياكل ومؤسَّسات الدولة، وهو ما يعني أنَّ الهدف المشترك من تأسيس الأحزاب السِّياسية ليس مجرد لعب دور المعارضة أو الموالاة بالتأثير في توجُّهات الرأي العام، والضَّغط على السُّلطة السِّياسية ومراقبة عمل الحكومة في خياراتها وقراراتها فقط، بل تسعى إلى ضمان التأييد الشَّعبي من أجل الوصول إلى الحكم، وتنفيذ برامجها عبر مؤسَّسات الدولة.

ومع تعدُّد وظائف الأحزاب السِّياسية،  كتأطير الشَّعب، وصناعة الرأي العام، ولعب دور الوسيط بين المجتمع والدولة، وتقريب وجهات النظر بين السُّلطة والشَّعب، فإنَّ من أهمِّ وظائفها على الإطلاق هو تولِّي مسؤولية الحكم، وممارسة السُّلطة، والحفاظ عليها بالوسائل الديمقراطية السِّلمية والمشروعة، والعمل على خدمة الوطن من خلالها، والمساهمة في إدارة الشَّأن العامّ وفق متطلبات النظام الدستوري.

تعليق