آفات على الطريق..من دروس بني

كتبه كتب في 10 يناير 2024 - 4:27 م

لا بد لقوم اختارهم الله وفضلهم ونجاهم من ظلم الفرعون وأعوانه أن يكون في اختيارهم غاية ، وفي قصصهم عبرة ، ولا بد أن تكون دروس المجتمع على مر العصور بمجتمع مثله أقرب ما يكون إلى النموذج حتى تستفيد المجتمعات وتّتبصر وتعتبر ، وقد كان لنا في قصص بني اسرائيل دروس وعبرة ، بغرض كشْف حقيقة نواياهم ووسائلهم وتحذير المسلمين منهم، وتحذيرهم كذلك مِن الوقوع في مثل ما وقعوا فيه من علل وأمراض والتي كانت سببا في الاستبدال بعد التمكين وهي أمراض تفتك بكل تنظيم أو مجتمع أو جماعة وتمنعه من بلوغ غايته وادراك أهدافه ونذكر بعضا منها لاستدراك الخلل ومعالجة العلل قبل حدوث الاستبدال.

بنو اسرائيل والمادية :
لم يتكمن الإيمان من قلوب بني إسرائيل ولذلك كان التشكيك رفيقهم في كل مراحل حياتهم ، حتى في لحظات المعجزات وانفلاق البحر يقولون إننا لمدركون ، ذلك أن الإيمان بالغيب لم يتمكن من قلوبهم ، فما إن نجاهم الله من الفرعون وجنوده حتى طلبوا منه أن يجعل لهم إله تراه أعينهم وتلمسه أيديهم في مادية مقيتة وشك رهيب .
ثم إنهم لم يصبروا على شكهم حتى عبدوا عجلا جسدا له خوار ، ولما أمرهم الله بذبح بقرة قالوا أتتخذنا هزؤا ، ثم إنه وأمام المن والسلوى اشتاقوا لطعام العبودية لأنهم لم يستطيعوا أن يربطوا غذائهم بالغيب ، وإنما ربطوه بما تصنعه أيديهم حتى أنهم في اخر المطاف قالوا لنبيهم أرنا الله جهرة ، وفي ذلك دلالة على أن الاستبدال يكون حتي يختفي الإيمان ، لأنه مع اختفاء الإيمان يفقد الانسان البصيرة والرسالة والمهمة ويكون كالانعام بل أظل سبيلا .
عجبا لمن ينشد قيادة الناس وهدايتهم ينجيه الله من الفرعون فيعبد العجل ، ويستبدل الذي هو ادنى بالذي هو خير أولئك حق فيهم الهبوط ، لأنه من سقط في عين الحق سقط في عين الخلق .
ـ عبادة العجل :
حين ذهب موسى عليه السلام ، إلى ميقات ربه ، ومكث على الطور يناجيه ، ويسأله عليه السلام عن أشياء كثيرة ، وهو تعالى يجيبه عنها ، عمد رجل منهم يقال له السامري فأخذ ما كان استعاروه من الحلي فصاغ منه عجلا ، فاجتمع حوله ضعاف النفوس من بني اسرائيل وقالوا هذا إلهنا و إله موسى
سبحان الله قوم ينجيهم الله من الفرعون وعبادته رغم أنه يتحرك ويتكلم ، ويرميه في اليم أمامهم غريقا لا يتحرك ولا يتكلم ، ثم يعبدون عجلا لا حركة فيه ولا كلام
لقد كانت قصة العجل درس وعبرة لأمة تنشد الريادة والتمكين مفادها أن تتمسك بعبادة الله ولا تستسلم لزخرف الدنيا ولا عجولها ، ولا ترفع كل مجواف ، ولا تستبدل الغالي بالرخيص والنفيس بالرديء ، ولا ترفع من لا يستحق على حساب من يستحق ، وتظل الأمة في توازنها ما كان الحق سيدا وحاكما .
ولا يجب على أمة تنشد الريادة أن تصنع الرمزية الفارغة ، أو أن ترفع من لا يستحق وتذبح فحولها ، بل يجب أن تضع كل واحد في مكانه دون تقديم أو تأخير أو تعجيل أو تأجيل ، كل يرفعه عمله وجهده ، ولا يجب أن تتغير المعايير في وزن الرجال من غير تبخيس ولا تقديس ، ولا يصنع ذلك إلا الوعي ، ذلك أنه وفي الحقيقة لم تكن نفس السامري لتسول له لو كان بنو إسرائيل على مقدار كبير من الوعي إذ سيكون من السخرية أن تعبد أمة عجلاً.
السامري :
لا يكاد يخلو زمانٌ ومكانٌ من شخصيةٍ تشبه السّامري، شخصٌ تسول له نفسه أن يُخرِج للناس ما يلتمع في أعينهم فيُبرِز لهم بريقه ويسميه بغير اسمه ويسوقهم لتقديسه وإجلاله ،
شخص يتفنن في صناعة العجول وتزييف الحقائق والوعي ، يختار اللحظات المناسبة ليمارس دوره في تشويه الحقائق والباس الباطل ثوب الحق ، مثال عن النفس الخبيثة التي تظل تكتم خبثها لتنفث سمها في اللحظات المناسبة ، يمتلك قدرات رهيبة في فهم مكنونات الناس ورغباتهم المدفونة وبقايا الجاهلية فيهم .
فربما عاش السامري كل تجارب بني اسرائيل من المعاناة إلى المن والسلوى ، وربما انفجر أمامه الصخر بالماء ، ولكنه تفنن في غواية قومه واضلالهم وتزيين الباطل لهم ، وفي ذلك اشارة إلى أنه يمكن أن يخرج من البيت الواحد من يحارب أهله ويسفه أحلامهم وكلامهم.
ورغم فداحة ما فعله السَامري وجرأته على الكذب وتزييف الحقائق إلا أن ذلك لا يقل بشاعة عن جرم بني اسرائيل رغم وجود هارون عليه السلام الذي قام فيهم قائلا {يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ}
وكأنه لا شيء أقبح من تلك الجرأة إلا ذلك القطيع الذي يسير وراء كاذب وعجل ، ولا أسوأ من أمة تسمع للباطل وتتبعه ، وترفع كاذبا على نبي الله من أجل عجل أجوف لا يزيده تجويفه الا تحقيرا وتصغيرا
ثم إنه لا حل أمام هؤلاء إلا أن تنسف حججهم وتحرق أمام الملأ ليعرف الجميع أن الحق فوق الجميع وأنه مجرد عجل يغرق كما غرق الفرعون قبله ولا بقاء إلا للحق وأهله .

تعليق