الرئيسية أخبار 05 أكتوبر 1988: فرصة ضائعة، وتهديدات قابلة للتكرار

05 أكتوبر 1988: فرصة ضائعة، وتهديدات قابلة للتكرار

كتبه كتب في 5 أكتوبر 2015 - 4:12 م
مشاركة

 

12

بمناسبة مرور 27 سنة على أحداث أكتوبر

05 أكتوبر 1988: فرصة ضائعة، وتهديدات قابلة للتكرار

   إن الأسباب التي تجمعت لاندلاع أحداث أكتوبر 1988 هي ذاتها التي تتجمع اليوم لكي تعيد الجزائر الكرّة ضمن ظروف دولية وأوضاع داخلية أخطر بكثير. كانت الأسباب التي فجرت احداث أكتوبر تراكمات كبيرة من الفشل والإخفاق على الصعيد الاقتصادي، وخيبات الأمل والاحتقان على الصعيد الاجتماعي، والانتشار المريع للفساد بسبب البحبوحة المالية في بداية الثمانينيات وانعدام الرقابة على المال العام وسيطرة الحزب الواحد ( حزب جبهة التحرير) وغياب الديموقراطية، ومواجهة الآراء المخالفة بالقمع والملاحقة البوليسية والأمنية، وصراعات الأجنحة داخل النظام السياسي. ثم جاء السبب المباشر المتعلق بانهيار أسعار البترول سنة 1986 وانتشار الفقر والتهميش والندرة فتفجرت الأوضاع وخرج الناس للشارع فكان ذلك أول ربيع ديمقراطي في العالم العربي حيث غُيّر الدستور وتأسست الجمعيات والأحزاب ونظمت انتخابات غير مزورة. غير أن الانتقال الديمقراطي تعثر بسبب الأنانيات والاستعجال وقلة التجربة وضعف الفهم والإدراك على مستوى المعارضة، وبسبب سيطرة الفكر الأحادي ومقاومة الديمقراطية وحب الهيمنة والأيديولوجيات المخالفة لثوابت الوطن على مستوى السلطة، عندئذ دخلت الجزائر في فتنة كبيرة استغلها النظام السياسي أسوء استغلال لرسكلة نفسه، وضحك على التضحيات الكبيرة التي قدمها الشعب الجزائري أثناء الأزمة، من مواطنين بسطاء ومناضلين سياسيين وطنيين من مختلف التيارات وإطارات وجنود ورجال أمن.

إن هذا النظام السياسي الذي استغل مأساة الجزائريين لإعادة إنتاج نفسه أخفق مرة أخرى على جميع الأصعدة، وهو الآن، بعد 27 سنة من أحداث أكتوبر، يعيد إنتاج كل الظروف التي فجرت الأوضاع في 5 أكتوبر. فرغم الإمكانيات الكبيرة التي توفرت له خصوصا في الخمس عشرة سنة الأخيرة عجز عن تحقيق التنمية والانتقال الاقتصادي كما وقع في دول مشابهة في البيئة الحضارية كماليزيا وتركيا واندنوسيا، أو البيئة الأيديولوجية الاشتراكية المهيمنة سابقا كالصين وبولونيا والفيتنام وغيرها، وترك مصير الجزائريين مرتبطا بمداخيل البترول والغاز التي أخذت تتبخر بشكل سريع لا يحمد عقباه، كما أنتج شبكات كبيرة من الفساد واستغلال الدولة لصناعة إمبراطوريات مالية توشك أن توصلنا إلى نظام رأسمالي متوحش يسيطر فيه عدد قليل من رجال الأعمال المحظوظين بعلاقات متميزة وشرَكات مع رجال نافذين في السلطة في مقابل شبكات واسعة من الفقر والحرمان، إضافة إلى سيطرة كلية للنفوذ الأجنبي وخصوصا الفرنسي إلى درجة أصبحت هذه الدول صاحبة قرار في العديد من القضايا الوطنية المصيرية بحضور مكثف في أرض الجزائر على نحو واضح غير خفي، بل أصبح الحضور الأجنبي مؤثرا في تطورات صراع الأجنحة ذاته داخل النظام السياسي.

إن الواجب الوطني يدفعنا في حركة مجتمع السلم إلى التحذير مجددا بأن النظام السياسي الجزائري يتصرف بلا مسؤولية تجاه التطورات الحاصلة وأنه رغم إخفاقاته الكبيرة وبروز مظاهر الأزمة واعترافه بها  لا يزال يتصرف بعنجهية وتعال مع مطالب المعارضة العاقلة بضرورة الانتقال الديمقراطي المتفاوض عليه، ونؤكد بأنه لا يزال يتحايل على الشعب الجزائري بالخطب والإجراءات الشعبوية في الوقت بدل الضائع معتمدا على إرضاء الأجانب من خلال خدمة مصالحهم وتشبيك مصالحهم مع مصالح رجاله الأقرب إليه. غير أن هذه التصرفات غير المسؤولة لن تجدي نفعا، فالشعب الجزائري لن يتسامح أبدا مع من يخدعه حينما تتضح له الأمور ويتبخر الوهم ويجد نفسه قد رُمي إلى فضاءات البطالة والفقر والحرمان في الوقت الذي اغتنى فيه آخرون بالرشوة والفساد واستغلال السلطة. إن الجيل الذي سيقول كلمته حين تنفجر فقاعة الغرور الزائف ليس الجيل الذي عاش المأساة الوطنية فلا يزال يخاف من لغة الشارع والصوت المرتفع في مواجهة النظام الحاكم، إن الجيل الذي سيحتج هو الجيل الذي بُذلت أموال كبيرة لإسكاته ببرامج الرشوة المعممة ومنها برامج التشغيل الغبية البائسة التي لم يكن لها أثر إيجابي يُذكر على الاقتصاد الوطني. إن هذا الجيل لن تخرجه المعارضة، ولكنه سيخرج وحده، وقد يكون ذلك الخروج مدمرا للجميع بما فيها الدول المجاورة وعلى رأسها الدول الأوربية القريبة التي كثيرا ما تخطط لإركاع الشعوب فينقلب السحر عليها.

إن الظروف التي تتربى فيها مكونات الأزمة المرتقبة ظروف أخطر بكثير مما كانت عليه الجزائر ومحيطها الإقليمي والدولي سنة 1988 مما يجعل تداعيات أي انزلاق أكبر بكثير مما وقع في 5 أكتوبر ومن هذه الظروف ما يلي:

ـ تراجع البعد الوطني داخل النظام السياسي على ما كان عليه سابقا، وسيطرة الفساد وتعاظم النفوذ الأجنبي في داخله، مما يساعد كثيرا على التدخل الأجنبي أثناء الظروف الصعبة.

ـ تراجع الاحتياطات الطاقوية وازدياد الاستهلاك المحلي وليس تراجع أسعار البترول فقط كما كان الحال في منتصف الثمانينيات، مما يطيل الأزمة ويجعل مسيرة بناء الاقتصاد الوطني مجددا صعبة وطويلة ومعقدة.

ـ الغياب الكلي للنسيج الاقتصادي الحر والجاد الذي يتحمل أعباء الأزمة من خلال كسر كل محاولات بناء المؤسسة الاقتصادية الصغيرة والمتوسطة بواسطة الرشوة والفساد وملاحقة الرزق الحلال والمتعاملين الشرفاء.

ـ سيطرة الاتكالية والاعتماد الكلي على الدولة من قبل المواطنين وارتفاع مستوى توقعاتهم بالنظر لارتفاع مستوى الوعود الجوفاء من قبل السلطة.

ـ كسر كل الوسائط الاجتماعية الجادة من جمعيات وأحزاب بما يجعل المواجهة تكون مباشرة بين مؤسسات الدولة والشعب.

ـ تصاعد المطالب العرقية والجهوية في العديد من أنحاء الوطن وانهيار مفهوم المواطنة وتراجع الشعور بالانتماء للوطن لدى أعداد كثيرة من الجزائريين مما يهدد الوحدة الوطنية في ظل الأزمات الكبرى.

ـ تضخم عدد شبكات الانتهازية والنفعية والزبونية حول النظام السياسي، التي لا يُرجى منها نفع في المساهمة في حل الأزمات، بل قد تكون سببا في التأزيم، بسبب انكفائها على نفسها وطموحاتها الشخصية في كل الظروف، واستعدادها لبيع نفسها لمن يعطي أكثر ولو كان ذلك ضد الوطن.

ـ انحلال مؤسسات الدولة وعدم صلاحياتها لمواجهة الأزمات الكبرى.

ـ تراجع كثير من القيم المجتمعية العامة المساعدة على التماسك والتضامن الوطني.

ـ سهولة وسرعة الاتصال بما يجعل الأحداث تتعاظم بسرعة لا يتحكم فيها ولا يمكن إخفاؤها.

ـ اضطراب الأوضاع الإقليمية والدولية مما يضخم الأزمات الداخلية ويخرجها عن السيطرة.

وفي الأخير ندعو كل الوطنيين النزهاء البسطاء وفي في الأحزاب والمنظمات المدنية وفي مختلف مؤسسات الدولة إلى القيام بواجبهم، كل في مكانه، للقيام بما يجب القيام به لإنقاذ الموقف، وتخليص البلد من هذه المخاطر، بما يجعل الجزائر آمنة مستقرة قادرة على التطور والرقي والازدهار، وأن نمنع جميعا النظام السياسي على إعادة إنتاج نفسه في ظل الأزمات المتوقعة وذلك بمساندة مشروع المعارضة الراشد الذي يدعو لانتقال ديمقراطي سلس متفاوض عليه.

الدكتور بن عجايمية أبو عبد الله

الأمين الوطني للإعلام والاتصال

تعليق

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً